الكساسبة: "الآخر" المحروق حيا

الخميس 2015/02/05
تنظيم داعش سليل فكر جهادي يأبى الاعتراف بالآخر ويقصيه

حادثة إعدام معاذ الكساسبة حرقا وهو حيّ، تعبير جديد على أن الفكر الموغل في التشدد بإمكانه أن يبتكر طرقا جديدة في تصفية واغتيال الخصوم، لا تمس فقط المقتول حرقا بل تختزل رسالة تهديد لكل من تسوّل له نفسه “المجاهرة بالاختلاف”. عبدالله ابن المقفع الذي شوي في عهد سفيان بن معاوية عقابا له على الزندقة، وفرج فودة وحسين مروّة وشكري بلعيد وغيرهم، كانوا ضحايا تنظيمات لا تؤمن بالاختلاف ولا ترى ضيرا في قتل الآخر.

إعدام معاذ الكساسبة الذي أعلن الثلاثاء، كان مضافا لسجلّ من التصفيات، لكن كان الأكثر وحشية والأبعد عن المتصوّر الإنساني. الشرائع السماوية، وغير السماوية، رسمت خطوطا أو تقاليد لـ”أصول” القتل، لكنها لم تتوصل إلى المبتكر الداعشي الجديد.

تنظيم داعش، النسخة المتطورة من دموية القاعدة، تجاوز كل التنظيمات الإسلامية في بعدين؛ الأول عدم استنكافه ممارسة القتل بتلك الوحشية والمفاخرة بتسويقها “سينمائيا”، والثاني أنه يوسّع باستمرار دائرة أعدائه وخصومه. فالآخر عند داعش، خرج من فضاء “دار الحرب” وفق أدبيات سيد قطب، ليسكنَ فضاء هلاميا بلا تحديد. لم يعد “الآخر” المؤهل للتصفية والإعدام والقتل والاغتيال، كل من لا ينتمي للفضاء العربي الإسلامي أو من لا يتبع فضاء المؤمنين، بل توسع ليشمل المسلمين بالمعنى العام، وحتى بعض عناصر تنظيمات إسلامية أخرى (مفيد هنا التذكير بخصومات داعش مع النصرة وسواها التي تتجاور مع داعش في الرؤية الدينية والسياسية بل تنطلق من ذات الأدبيات الجهادية).

تحوّل معاذ الكساسبة إلى خصم مؤهل للاغتيال، وإعدامه بتلك الطريقة “المشهدية” غير المسبوقة، إيذان بأن داعش تحوّل إلى “جحيم لكل الآخر” المختلف عنه، وما معاذ الكساسبة إلاّ حلقة في سلسلة طويلة من الإعدامات التي نفذها التنظيم في سوريا والعراق وفي غيرها، قبل حادثة “الآخر المحروق حيا” كان قتل الصحفيين الأميركيين، والرهينتين اليابانيتين، فضلا عن آلاف الأمثلة الأخرى من “آخر” قرر تنظيم داعش ضرورة تصفيته قتلا أو ذبحا أو تفجيرا أو رجما أو غيرها من التقنيات.

يبقى هنا تحديد معايير التحول إلى “آخر” وفق التصوّر الداعشي، فالآخر قد يكون شيعيا باعتبار ادعاء داعش التحرك من فضاء سنّي يعادي الشيعة، وهو ما وفّر تأثيما متسرعا للسنة بأنهم فضاء أنتج داعش، والآخر سنيّ أيضا إذا كان علمانيا أو “طاغوتا” إذا كان ينشط في أجهزة رسمية تتبع الدولة، أي دولة. والآخر مسيحي أو إيزيدي، أو يهودي أو نصراني. المهم أن خصم داعش وعدوها مفهوم يحيّنُ باستمرار ويتوسع باطراد، إلى درجة وصلت حد تصفية عناصر من التنظيم ذاته لعصيان الأوامر أو لتمرد على الأمير أو لغيرهما من الأسباب، وحينها يكون القتل العقوبة الوحيدة، وبتفاوت الطريقة والأسلوب.

إعدام الكساسبة بتلك الطريقة "المشهدية" إيذان بأن داعش تحول إلى "جحيم" لكل مختلف عنه

المشكلة هنا، تفتح على بعدين غاية في العسر؛ الأول هو أنه لم يعد للعرب والمسلمين من قدرة على دحض أن داعش لا تمثل الإسلام، وإن كان القول الأخير صحيحا، إلا أن تواتر العمليات والأحداث والإعدامات خلق لدى غير المسلمين صورة نمطية (مفهومة ومتفهمة) من الربط الذي بدا لنا متعسفا وظالما، قوامها أن الفضاء العربي الإسلامي فضاء منتج للعنف والتوحش باقتدار، ولا يعوز المؤمن بهذه المسلمة استحضار أدلة وأمثلة وإثباتات هذا التصور.

البعد الثاني داخلي محض، وهو أن التبرؤ اليسير من داعش وسلوكه ليس كافيا لإيقاف جرائمه، بل إن المطلوب البحث عن دواعي ظهوره وعلل وجوده من داخلنا ومن تراثنا، بدل الارتماء السهل وراء “نظريات المؤامرة” وإن كانت تفسر جزئيا قسما من المعضلة. ظاهرة داعش بنت بيئتها ولم تنشأ في فضاء أوثورذوكسي أو بوذي، بل نشأت وفق مسار تاريخي وديني وسياسي معقد من فضائنا العربي الإسلامي، ولم يجلبها الاستعمار معه معلبة أو على صهوات دباباته، وحتى إن ساهمت العوامل الخارجية في ظهورها، إلا أن الثابت أنها نهضت على عوامل ودواع محلية. وهو ما يقتضي البحث في تراثنا وفكرنا وتاريخنا وعلاقاتنا ورؤيتنا للآخر المختلف، وتعاملنا مع “أعدائنا” و”خصومنا”.

لم يعد يشهد العالم اليوم، تنظيمات دينية بهذه الوحشية، وحتى التنظيمات القليلة التي بقيت موجودة (جيش الرب الأوغندي، النظير المسيحي للسلفية، قيد التفكيك وقياداته أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولم تبق إلا حركة كاخ الصهيونية) تعيش زمن انحسارها، ليظل تنظيم داعش، وتلاميذه من الحركات الجهادية (بوكو حرام وحركة الشباب الصومالية وتنظيمات جهادية في العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر وغيرها) الناطق الرسمي باسم التشدد الديني والغلو ورفض الآخر وإقصائه واغتياله معنويا وماديا وحرقه حيا إن لزم الأمر، لتوجيه رسالة مفادها: “هذا مصير كل من يخالفنا”، وإذا كان التنظيم أصدر سابقا فتوى تبيح حرق الكافر، فلا شك أن فتاوى أخرى ستصدر لتبرير جواز الدموية القادمة.

الكساسبة لم يكن كافرا ولا مرتدا ولا زنديقا، بل كان طيارا في جيش “دولة”. دولة “أخرى” بالنسبة لدولة داعش، وهو ذات التعامل، وإن بأقل وحشية، مع الجنود التونسيين والمصريين الذين يقتلون غيلة وغدرا لأنهم “طواغيت” وفق التوصيف الداعشي، وهكذا فإن العالم كله “آخر” جدير بالقتل والتصفية والحرق في برنامج داعش.

13