"الكسال" يطرد عن زبائنه الكآبة والإجهاد في الحمام المغربي

الثلاثاء 2015/08/11
الكسال رجل يتحلى بالصبر والتحمل من أجل راحة الآخرين

الحمام التقليدي في المغرب مكان علاجي لارتخاء وعلاج تشنجات انقباض العضلات الناجم عن كثرة العمل، أو المبالغة في التمارين الرياضية، بالإضافة إلى التطهير والاغتسال. وهو فعلا “طبيب أبكم”، كما وصفت الكتابات الفرعونية القديمة الحمام الساخن، عندما كان بناة الأهرام يهرعون إليه لتسخين عضلاتهم وتمديدها بعد يوم عمل شاق.. لكن الحضارة المؤثرة، والمتأثرة، حملته في رحلتها من المشرق إلى المغرب نحو الأندلس ليستقر في المغرب وبلدان المغرب العربي، وسيبدع المغاربيون في بنيانه، وسيتكلف الممددون، أو “الكسالون”، كما يسمون في المغرب، بخدمة مرتاديه بالتدليك والتطهير.

ولا يتعدى مجموع أدواته المهنية كيسا صغيرا للحك، ومحكة حجرية من الحجر المنجور المثقب كقطعة شهد نحل صغيرة أفرغت من عسلها. هذا بالإضافة إلى الصابون التقليدي البلدي الأسود المزبد، وشريط مسطح مصنوع من القنب الناعم، الذي بالإضافة إلى استعماله في عملية حك الجلد، قد يستعين به الرجل لتقريب المسافة بين رجل الزبون ويده في عملية تمديد للعضلات المقبوضة من أثر الخمول والكسل، وقلة التمارين الرياضية.

إنها أدوات الكسال أو “الطياب” في الحمامات التقليدية المغربية، ذلك الرجل القوي بنفسه الطويل، المتميز بقدرته على تحمل حر الحمام الساخن المشحون أسفل أرضيته، في بيت النار، بالخشب والحطب كالسعير القائظ، فتغدو الأجواء في أعلى درجات الحرارة التي يتصبب لها عرق الزبون والكسال معا، فيستمر الثاني يدلك العضلات ويحك الجلد لإزالة الدسم وتحرير المسام الجلدية مما علق بها من إفرازات جلدية يجعلها تذوب وتتهاوى إلى أرضية بيت السخونة فتجرفها مياه الاغتسال إلى قنوات المياه المستعملة، أو “الواد الحار” كما تسمى في مغرب الحمامات التقليدية.

الكسال يرفع يد الزبون اليسرى ورجله اليمنى إلى فوق ويبدأ في سحبهما نحوه إلى أعلى، ولا يترك الطرفين إلا عند شعور الزبون بالتعب

يحصل الكسال لزبونه على رقم من الشخص القائم على صندوق الحمام، ويسلمه سطلين أو “قبين” لسقي زبونه بالماء الكافي لاستحمامه، بالإضافة إلى سطله هو الجامع لأدواته المهنية. وبعد تجرد الزبون من ملابسه وبقائه عاريا إلا من سرواله النصفي القصير دون الركبتين، يتقدمه الكسال إلى الغرفة الوسطى، حيث الحرارة في مستواها المتوسط، والزبون يتبعه بحذر يتحسس أين يضع رجليه، فالرؤية عند دخول الحمام تكون معتمة وغير واضحة من فعل تصاعد البخار. وفي الغرفة الوسطى يقوم الكسال بدهن زبونه بالصابون البلدي من رأسه حتى ساقيه، منبها إياه إلى قطرات الصابون الزبدية المتساقطة على الأرضية.

ويدخل الكسال زبونه إلى غرفة الحمام الأولى، أو ما يصطلح عليه بـ”بيت السخون”، ثم يأخذ في صب الماء الساخن على الأرضية لتنظيفها مما علق بها من أوساخ، ليكرم زبونه بالجلوس في مكان طاهر، لكن عند الجلوس على أرضية الحمام لن تسمع سوى “أيأيات” الزبون من أثر فعل الحرارة على جسده، لكن سرعان ما ينسجم الجسد ويتكيف مع الحرارة، فتراه متلذذا شغوفا بها وهي تتسرب إلى العضلات والعظام.

وبعد أن يسخن جسده، ويبدأ العرق في التصبب، يصل الكسال بسطله وسطلي الماء الدافئ المعتدل فيشعر زبونه ببدء العملية بصب الماء على جهات جسمه، ثم يغسل كيسه ويبسمل ويبدأ في الحك من العنق حتى الأطراف.

وبعد عملية الحك، التي تشمل كل الجسد، يقوم الكسال واقفا وزبونه منبطحا أرضا، ثم يضع بطن رجله بلطف بين كتفي الزبون، في نقطة مركزية معروفة لدى الكسالين، ثم يرفع يد الزبون اليسرى ورجله اليمنى إلى فوق ويبدأ في سحبهما نحوه إلى أعلى وهو يحدث صوتا يشبه التشتشات “تاششششش”، ولا يترك الطرفين إلا إذا أعطى الزبون إشارة شعوره بالتعب أو الألم.

مثل الرجل اليمنى مع اليد اليسرى، يكون الشأن للرجل اليسرى مع اليد اليمنى في نفس حركة التمديد، ثم ينزل الكسال، الخبير بالتجربة بشؤون العضلات والمفاصل والعظام، بكل ثقله على ظهر الزبون ويأخذ في التزلج على ضلوع قفصه الصدري، ثم يمسك بقوة ملتقى الكتفين بقبضتي يديه، ويستمر في تدليكهما وسحبهما نحو الذراع ثم إلى آخر اليد باتجاه الأصابع فيجمعها بقوة، ثم يجلس جانبا ويأخذ في تمرير صفحة رجله اليمنى على الفخذين والساقين والعرق يساعد في تسهيل عملية تدليك العضلات وتليينها.

المستحم يختم عملية استحمامه تلك، بخروجه إلى الغرفة الثانية، الأقل سخونة، أو الثالثة الأقل أكثر، حيث يجلس، وبمساعدة الكسال دائما، لتنظيف شعر رأسه بالشامبو

ثم يدعو الكسال البارع في التدليك زبونه لجلوس القرفصاء، وبلياقة مهنية يجمع رجلي زبونه ويضغط برأسه، الذي غالبا ما يكون أصلع، وسط الظهر بقوة ويسحب الأرجل نحو صدره فتسمع العظام تحدث طرطقات، دليل على أن جسم الزبون استفاد من سخونة الحمام، وأصبح لينا فارتخت عضلاته، فأضحى يستفيد من الكسالة والتدليك بشكل جيد.

حينذاك يسرع الكسال بوضع الصابون في الكيس ويبدأ في طلاء الجسم، ثم يستعين بشريط القنب الناعم المسطح في حك الجلد، وبعد ذلك يبدأ في تدليك كامل الجسد وسحب الأصابع وعضلات العنق وتحت الإبطين..، كل ذلك وسط حالة من النفير والزفير والعرق المتصبب، تنتهي بصب الكثير من الماء على الجسد حتى يغدو له بريق نظافة ناعم.

ويختم المستحم عملية استحمامه تلك، بخروجه إلى الغرفة الثانية، الأقل سخونة، أو الثالثة الأقل أكثر، حيث يجلس، وبمساعدة الكسال دائما، لتنظيف شعر رأسه بالشامبو استعدادا للمغادرة النهائية لسخونة الحمام إلى قاعة الجلوس النهائي حيث يستريح المستحمون، وبها يجد الزبون ما يريد من مشروبات إن أراد، رغم أن الراسخين في علم الاستحمام الساخن، ينصحون باجتناب المشروب البارد، وبدله شراب الشاي المغربي المنعنع، الذي ينعش الجسد ويعود عليه بالبرودة والارتخاء، وشعور المستحم بالراحة والرغبة في النوم الهادئ.

20