الكسكسي طبق تقليدي يعبر مذاقه الحدود بين الدول المغاربية

مساع مشتركة لإدراج الوجبة الأمازيغية ضمن التراث العالمي، وربات البيوت يتفوقن على المطاعم في إعداد الأكلة.
الاثنين 2018/04/09
نعمة من المزرعة تعدها أيادي النسوة وجبة شهية

الجزائر- تسعى دول المغرب العربي إلى إدراج طبق “الكسكسي” التقليدي الشهير ضمن قائمة التراث العالمي باعتباره تراثا مشتركا، في تعاون هو الأول من نوعه.

وكشف سليمان حاشي، مدير المركز الجزائري للبحوث في عصور ما قبل التاريخ، وعلم الإنسان (حكومي) عن لقاء مرتقب يجمع خبراء من دول المغرب العربي للتنسيق بشأن الخطوة.

وقال حاشي إن اللقاء يعقد ربيع 2018، ويشمل الإعداد لملف إدراج أكلة الكسكسي كتراث مشترك في قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية من جانب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”. وهذه هي المرة الأولى التي تبادر فيها دول المغرب العربي إلى السعي نحو تصنيف تراث مشترك بينها على قائمة التراث.

 

لا الكتب التاريخية ولا الروايات ولا الملفات الوثائقية تؤرخ للتاريخ المشترك بين الدول المغاربية بقدر ما يوثق لذلك التراث المشترك من عادات وتقاليد بين هذه البلدان التي أصبحت تفرق بينها الحدود وجوازات السفر، فالكسكسي مثلا يذكر بشكل يومي كل سكان هذه المنطقة بأنهم شعب واحد في عرقه وثقافته وحياته اليومية، يذكرهم بأن الاحتفالات بمناسباتهم واحدة وأطباقهم في شهر الصيام واحدة وطريقة إعدادهم لأعيادهم واحدة أيضا

ولم يتضح على الفور الأفق الزمني الذي تعتزم فيه الدول المغاربية التقدم بهذا الطلب رسميا لليونسكو للنظر فيه.

وينتشر طبق الكسكسي في دول المغرب العربي بكل من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا، فهو طبق يرافق سكان شمال أفريقيا في حياتهم اليومية، وفي جميع الظروف، الولادة والزواج والختان وخلال المناسبات الحزينة أيضا، وتجاوزت شهرته حدود هذه الدول.

والكسكسي أو الكسكس أو سيكسو وهي كلمة أمازيغية ذكرها أبوبكر بن دريد (البصرة/العراق/838م) في كتاب “جمهرة اللغة” في القرن العاشر للميلاد.

ويعدّ الكسكسي من طحين القمح أو الذرة في شكل حبيبات صغيرة ويتناول بالملاعق أو باليد، كما يطبخ بالبخار وتضاف إليه الخضار والمرق واللحم أو الحليب حسب الأذواق.

ومن ميزات وجبة الكسكسي الأخرى التي تؤهلها بحق للانضمام إلى قائمة التراث العالمي أن شعوبا كثيرة أخرى في المنطقة المتوسطية وخارجها لديها وجبات ذات مواصفات شبيهة إلى حد كبير بمواصفات إعداد هذه الوجبة التي هي في الأصل نظام غذائي سليم ومندرج في إطار الاستدامة أكثر مما هي أَكلة.

الكثير من أنواع الكسكسي التي يُسوق لها اليوم مثلا في المطاعم الأوروبية أسماء تجارية لا علاقة لها بواقع عادات أكل الكسكسي التقليدية.

ومن عناصر هذه العادات أن تكون ربات البيوت هن اللواتي يصنعن بأنفسهن حبات الكسكسي وأن تكون خضروات مرقه من خضروات المزارع المجاورة وأن تكون كميات اللحوم قليلة جدا فيه إذا توفر اللحم.

وهذه المواصفات لا نجدها في الكثير من وجبات الكسكسي التي تُقدم إلى المستهلكين في المطاعم الأوروبية مثلا، فحبّاتها ولحمها وبندورة مرقها مستوردة أحيانا من بلدان تبعد الآلاف من الكيلومترات عن الأماكن التي تُستهلك فيها.

وقال وزير الثقافة الجزائري عزالدين ميهوبي في شهر فبراير ” قدمت إلى اليونسكو ملفات مشتركة حول التراث المشترك والمتعلق بالأطباق التقليدية منها الكسكسي”.

وأكدت ندى الحسن، رئيسة وحدة الدول العربية ومركز التراث العالمي في هيئة “اليونسكو”، أنّ “هناك عناصر تراثية عديدة مشتركة بين الدول المغاربية ومنها الكسكسي”.

وقالت ندى الحسن “توجد عناصر تراثية مشتركة بين هذه الدول، ولكن هناك عناصر تفضل كل دولة تقديمها بمفردها في إطار مبادرة وطنية”.

الكسكسي تراث مشترك بين دول المغرب
الكسكسي تراث مشترك بين دول المغربالكسكسي تراث مشترك بين دول المغرب

ومضت قائلة “هذه علاقات بين الدول وقرارات وطنية وإذا أرادت الدول المغاربية تقديم ملف مشترك حول الكسكسي أو أي تراث مشترك آخر فنرحب بذلك”.

وتقول الباحثة الجزائرية في التراث سميرة أمبوعزة إنّ “الكسكسي تراث مشترك بين دول المغرب ودول شمال أفريقيا، أصله بربري أمازيغي”.

وتضيف أمبوعزة أنّ “الكسكسي وجد عند السكان الأصليين لشمال أفريقيا قبل تقسيمها إلى دول، حيث وجد في مصر وموريتانيا وليبيا وتونس والمغرب والجزائر”. وتشير أمبوعزة إلى أنّه “انتشر مع مرور الوقت في العالم بفضل الرحالة الأمازيغ”.

ونوهت بما قاله المؤلف الحسن الوزان (1494-1554) “عرف البربر بلبس البرنوس وحلق الرأس وأكل الكسكسي”.

وتأمل المتحدثة في إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي في “اليونسكو” وأن تنجح مساعي تصنيف الكسكسي المغاربي طبقا تراثيا يوحد البلدان المغاربية تاريخيا وحضاريا وعرقيا.

وعلّقت قائلة “بإذن الله سينجحون في هذا المسعى، لأنّها أول مبادرة تراثية تجمع هذه الدول، خاصة وأنّ الكسكسي رائج كثيرا في الوطن العربي والعالم”.

ويرجع تاريخ  الكسكسي إلى الفترة 202-148 قبل الميلاد، حيث تم العثور على أواني طبخ تشبه تلك المستخدمة في تحضير الكسكسي في مقابر تعود إلى فترة الملك ماسينيسا (238 ق.م-148 ق.م).

أنواع كثيرة وأسماء مختلفة لكسكسي المطاعم
أنواع كثيرة وأسماء مختلفة لكسكسي المطاعمأنواع كثيرة وأسماء مختلفة لكسكسي المطاعم

والملك ماسينيسا هو موحد مملكة نوميديا وعاصمتها سيرتا (محافظة قسنطينة اليوم) وكانت تضم شمال الجزائر ومناطق من تونس وليبيا.

وذكر رحالة ومؤرخون كثر الكسكسي في أعمالهم، منهم المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان (1891-1991) في كتابه “تاريخ شمال أفريقيا”. وقال المؤرخ الفرنسي “اشتهر البربر في كل العصور بقوة بنيتهم وطول أعمارهم… وكان الفلاحون يأكلون الكسكسي منذ ذلك العهد (الروماني) ومربو المواشي قليلا ما كانوا يذبحون حيواناتهم بل يكتفون بلبن المعز وكانوا يؤثرون الصيد والحلزون والعسل ولا يشربون إلا الماء”.

كما سمحت عملية تنقيب وحفريات بمحافظة تيارت (غربي الجزائر) بالعثور على بعض الأواني، منها القدر المستعمل في تحضير الكسكس ويعود تاريخها إلى القرن التاسع، بحسب خبراء.

وعلى عكس ما يعتقد، يُعتقد في أوروبا أن المستوطنين الفرنسيين في المغرب العربي، والمهاجرين واليهود المغاربيين من بعدهم هم الذين روجوا لهذه الوجبة في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وبلدان أوروبية أخرى من خلال مطابخهم الخاصة أو المطاعم التي فتحوها في هذه البلدان، فقد اتضح أن الكسكسي دخل من المنطقة المغاربية إلى أوروبا مع دخول العرب والمسلمين إليها عبر الأندلس منذ القرن الثامن.

وتشترط منظمة اليونسكو، بحسب لوائحها، لإدراج أي موروث في قائمة التراث العالمي توفر تعبير المجتمعات عن حس الانتماء والتملك حيال العنصر الثقافي، وهذا ما يمثله طبق  الكسكسي لدى شعوب دول المغرب العربي.

20