الكسكسي طعام أحبه الأغنياء والفقراء في المغرب

الكُسْكُسي وجبة طعام توحَّد شعوب شمال أفريقيا بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع. تجدها في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وموريتانيا. ويعتبر تناول هذه الوجبة من الطقوس الخاصة بيوم الجمعة، الذي يعتبره المسلمون في هذه البلدان يوم عيد أسبوعي يفرحون به.
الأحد 2016/05/22
وجبة الكسكسي تجمع أفراد الأسرة

يتناول المغاربة وجبة الكسكسي بعد صلاة الظهر، بعدما يجتمع أفراد الأسرة لتناول هذا الطعام، حتى لو كانوا موزّعين في مناطق سكن متباعدة. فالكُسْكُسي لديهم أكثر من وجبة طعام يتناولها الإنسان ليشبع، وهي لها تقاليدها الأصيلة، وطرق إعدادها.

ويعود ابتكار وجبة الكسكسي إلى الأمازيغ، الذين سكنوا منطقة الأطلس، وأضاف إليها الكثير من الإضافات والمطيبات من جاؤوا من أفريقيا أو من الجزيرة العربية بعد الفتح الإسلامي، وكذلك من هُجّروا من المسلمين واليهود من الأندلس.

فهي وجبة غذائية أبدعتها التجربة وأذواق الناس من مختلف الأجناس، حسب ما ذكره المؤرخ من أصل مغربي (حاييم عفراني) أستاذ التاريخ اليهودي بجامعة السوربون في كتابه “ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب” والذي أشار فيه إلى الكاسترونومي -علم الطبخ- لدى يهود المغرب، أنَّهم في حي الملاح بمدن كالدار البيضاء، الجديدة، ميدلت، مراكش، أسفي، الصويرة، تارودانت، فاس وغيرها قدموا هذه الوجبة من الطعام في أعراسهم ومناسبات أفراحهم لضيوفهم، وأضافوا إليها من ابتكاراتهم، السبع خضار، ومن بينها القرع الأحمر والبصل، الزبيب، والحمص والفواكه الجافة كالمشمش والبرقوق “الخوخ ” والمكسرات كالفستق واللوز.

واليهود يعتقدون أن السبع خضار في هذه الوجبة تزيد البركة وتمنع الحسد، وتعطي للطبق نكهة الخضار ومذاقه، كما أنها تجمع فوائد الخضار الغذائية في طعام واحد. واعتبروا أن كاسات “اللبن البِلْدِي” -اللبن الرائب لمدة طويلة- بالسكر، ضرورية مع هذه الوجبة. واستخدموا معها لحم “كشروت”، والتسمية هنا تقابل تسمية المسلمين للّحم الحلال، وفضلوها على استخدام لحم الدجاج مع الكُسْكُسي.

قسم كبير من الجيل الجديد في المغرب لا يفضل أكل طعام الآباء والأجداد مثل الكسكسي بل يفضلون الوجبات السريعة في المطاعم

وأشار أيضاً إلى أن الأسر اليهوديَّة تتناول هذه الوجبة، وهيَّ تستمع إلى الموسيقى الأندلسية. فهم لا يفصلون بين غذاء الجسد وغذاء الروح، ويرون ذلك من ضمن التقاليد، التي تجب المحافظة عليها عند تناول طعام الكُسْكُسي حسب تعبير الباحث عفراني.

وتقول السيدة حليمة (50 عاماً) ربة بيت من مدينة الرباط للعرب "لكل مدينة من مدن المغرب طريقة خاصة بعمل طعام الكُسْكُسي، فهناك من يعمله بلحمة رأس الخروف أو بلحم العجل أو بلحم الجمل صغير العمر، أو بالدجاج، وكذلك تختلف أوقات تقديمه، فالبعض يقدمه للعائلة يوم السبت أو الأحد. والبعض الآخر لا يقتصر في عمله لهذا الطعام على يوم الجمعة فقط بل يقدمه كل أيام الأسبوع بوجبة الغداء أو العشاء. ويعمد الفقراء والأغنياء إلى عمله كصدقه عن أرواح الميتين للعائلة، ويحمل إلى الجامع ليأكل منه المصلُّون بعد الفراغ من صلاة ظهر يوم الجمعة، بعد أن يوضع قريباً من باب الجامع في صحن كبير من الفخار ليحتفظ بسخونته".

وتضيف حليمة لـ"العرب"، "هناك مشكلة مع الجيل الجديد في المغرب مع هذا اللون من الطعام، فقسم كبير منهم لا يفضل أكل طعام الآباء والأجداد -وتعني الكُسْكُسي- بل يفضلون الوجبات السريعة في المطاعم”. وتذكر على سبيل المثال أن ابنتها، سهام (15 عاماً) التي تدرس في الثانوية تفضل أيّ طعام آخر على الكُسْكُسي في يوم الجمعة، حتى لو كان مجرد بيضة مقلية بالدهن بدل هذا اللون الفولكلوري من الطعام المغربي، الذي تتعب السيدة حليمة في إعداده كل يوم جمعة لعائلتها.

لكل مدينة من مدن المغرب طريقة خاصة بعمل طعام الكُسْكُسي

ويقول الشيف عيّاد الرفاعيّ (40 عاماً) لـ”العرب” عن هذه الوجبة، وقد أمضى عشرين عاماً بالعمل في مطاعم بالدار البيضاء “تعني كلمة كُسْكُسي بالأمازيغية المكورات، وتعمل من دقيق القمح والذرة والشعير، ونقدمها عادة في حفلات الزفاف، وفي عيدي الفطر والإضحى، وذكرى المولد النبوي الشريف. ويتناولها الطلاب في ليالي الامتحانات لأنها تعطيهم الطاقة والتحمل للمذاكرة إلى ساعة متأخرة من الليل.

والكُسْكُسي يعمل بطرق مختلفة، فممكن عمله بسبعة أنواع من الخضروات: كالقرع الأحمر والأخضر، والجزر، اللفت، والبطاطا، واللهانة، وحبات من الطماطم المُقشرة. والنوع الثاني، الحلو ونستخدم في عمله السكر واللبن، وثالث نعمله بالبصل والحمص وشرائح اللحم، ونوع رابع يعمل بالسمك".

ويضيف الرفاعيّ “يعمل الكُسْكُسي في إناء معدني مثقب يسمى الرقاب (يشبه قدر المانتو) يوضع على إناء لغلي الخضروات أو على آنية سلق الدجاج أو اللحم أو كليهما، ويمكن أيضاً إعداد الوجبة من دون لحم أو دجاج، والاكتفاء بمرقة الخضروات، وإضافة الكرفس والثوم والفلفل الحار والحمص المسلوق، ورأس الحانوت -سبعة أنواع من التوابل والمطيبات- لإعطائه نكهة خاصة، كما أن الخضروات يتم تقطيعها إلى أجزاء كبيرة.

ومن خلال ثقوب الرقاب يمرُّ بخار الغلي إلى حبوب الكُسْكُسي فيطهيها. ونقلبه عدة مرات، وأصعب ما في إعداد الوجبة، هو طهي حبيبات الكُسْكُسي على البخار حتى تنضج. فهي تحتاج مراقبة وعناية شديدة، لكي لا تتحول إلى فصوص غير قابلة للنثر، ونقوم بإضافة زيت الزيتون، والزبدة البلدي بين الحين والآخر لها، لتليين الحبوب. وتستمر عملية طهي الكُسْكُسي إلى فترة زمنية تقدر بساعة حتى يطيب ويتغير لونه إلى اللون الأصفر الفاقع.

وعندها نضعه في صحن كبير من الفخار حافظ للحرارة، ونسكب فوقه مرقة سلق اللحم والدجاج والخُضَار، ونرتَّب فوقه الخضروات المسلوقة، واللحم والدجاج، ونزينه من أعلى بالفواكه الجافة المسلوقة، كالمشمش والبرقوق، والمكسرات كاللوز والفستق والجوز ونقدمه للضيوف".

21