الكسكسي.. نمط حياة

الجيل الجديد حريٌ به ألا يكون متشبعا بثقافة الاستهلاك فحسب، بل لا بد له أن يسترجع نمط حياة مفقود بين طيات النسيان، حتى لا يضمن الطبق الشعبي فقط مكانا هشا بين قائمة التراث العالمي اللامادي.
الاثنين 2019/07/08
عشق المغاربة

لم يعد الكسكسي طبقا عاديا في موائد أسر المغرب العربي، بل صار في أغلب الدول ميزة تقترن باجتماع العائلة يوم الإجازة الأسبوعية، حيث تنوعت المأكولات نظرا لتحول العصر وانفتاح ذائقة العديد من البلدان على بعضها البعض.

ومن هذا المنطلق، فإن العادات الغذائية يمكن أن تكشف عن الكثير من التفاصيل الصغيرة في علاقة الدول المتجاورة ببعضها ووجود روابط في ما بينها تتجاوز رابط النسب والألقاب وغيرها من الأشياء التي لطالما كانت من أبرز ما جمع بين مختلف الشعوب.

والكسكسي ليس مجرد أكلة بل جملة من الطقوس تختلف عن الكثير من المأكولات الأخرى، حيث يمر بعدة مراحل تبدأ برحي القمح أو الشعير أو الذرة البيضاء، ثم “العولة”، وصولا إلى طبخه في ما بعد، والعولة أمست تعتبر معيلا للكثير من السيدات خلال فصل الصيف.

وبعيدا عن اجتماع الجارات لمساعدة بعضهن البعض لتحويل حبات الدقيق إلى كسكسي مع ما يرافق ذلك من سلوكيات تنطلق بتغريم من تدخل منهن على حين غفلة والنسوة مجتمعات وراء قصاع العولة، وصولا إلى صدحهن بأغان من عمق تراث أصولهن الجغرافية، صار الكسكسي مصدر دخل لبعض العائلات، ففي السابق كانت المرأة تُعد ما يسمى “كسكسي دياري” كمؤونة تدخرها من أجل عائلتها لمواجهة أيام الشتاء الطويلة القاسية، واليوم أضحت مصدر رزق تقتات منها بعض العائلات وذلك من خلال إعداد وبيع الكسكسي للسيدات العاملات أو غير القادرات على إنجاز هذا الطقس كما كانت أمهاتهن وجداتهن يفعلن من قبل.

إحدى الناشطات المدنيات تدعى نداء مبارك قالت في حوار صحافي إن خطوة إدراج مدينة بابل العراقية من “شأنها توفير فرص عمل للشباب”، لاسيما وأن القرار يتضمن بنودا تتعلق بتطويرها سياحيا، فهل يمكن أن يفتح طبق الكسكسي مجالا أوسع للعمل على إحياء عادات الجدات وينفض غبار النسيان عن الغربال والقصعة؟

الجيل الجديد حريٌ به ألا يكون متشبعا بثقافة الاستهلاك فحسب، بل لا بد له أن يسترجع نمط حياة مفقود بين طيات النسيان، حتى لا يضمن الطبق الشعبي فقط مكانا هشا بين قائمة التراث العالمي اللامادي.

غمرتني السعادة عندما قررت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو)، الجمعة الماضي، بالإجماع أخيرا وبعد طول انتظار، إدراج مدينة بابل الأثرية العراقية المشهورة بأبراجها ومعابدها وحدائقها المعلقة التي كانت من ضمن عجائب الدنيا السبع القديمة، إلى قائمة مواقع التراث العالمي.

وملأتني هذه الخطوة التي جاءت متأخرة جدا لكنها بالنهاية صارت واقعا جعل المدينة القديمة الواقعة على نهر الفرات سادس موقع للتراث العالمي في البلد الذي يعرف بأنه مهد الحضارة، بأن يتم النظر في الطلب المشترك لدول المغرب العربي ويحتل طبق “الكسكسي” مكانا على لائحتها.

أسدلت المنظمة الستار على مجلسها المنتظم في العاصمة الأذربيجانية باكو، بانتظار مناقشتها الطلب المغربي في مقرها في العاصمة الكولومبية بوغوتا في ديسمبر المقبل.

وأرجو أن ينال الطبق حظه فقد تقدمت كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا وتونس مارس الماضي بطلب مشترك إلى المنظمة، وهي خطوة وصفت بأنها مثال نادر للتعاون الإقليمي بين الدول الأربع، إذ زعمت كل منها أن هذا الطبق الشعبي يعود إليها.

لكن ماذا لو أن اليونسكو لم تر أن الطبق يرتقي ليحتل مكانا على قائمة التراث العالمي اللامادي؟ هل يمكن أن تفتح بابا لحرب بسوس جديدة وهذه المرة سيتبادل طبق “الكسكسي” الأدوار مع الناقة “سراب” ولن تكون حرب الأربعين سنة بين القبائل بل بين الدول المتجاورة، إذ أن الطلب المقدم من دول المغرب العربي اعتبر بمثابة إعلان لنهاية سنوات من الخصومة بين الجزائر والمغرب حول منشأ هذا الطبق الشعبي.

وكان غازي الغرايري، المبعوث التونسي لليونسكو، أشاد بهذا التعاون في تغريدة على حسابه على تويتر قال فيها “الكُسكُس، المحفز لوحدة شمال أفريقيا”.

وهذا الطبق الشعبي يحظى بمكانة تراثية رفيعة تعكس جملة من العادات والتقاليد المشتركة، إذ تنص أعراف دول المغرب العربي على ثقافة مطبخية واحدة يزين فيها طبق الكسكسي موائد الأعراس والأتراح، ويكون حاضرا في وجبة السحور كطبق للتحلية مع التمر وعسل النحل خلال رمضان، وهو الطبق الرئيسي عند انتصاف الشهر الكريم ويوم السابع والعشرين منه.

اليونسكو تحفظ بين قوائمها مواقع وأشياء لها جذور تاريخية ومعالم سياحية أهلتها لأن تنضم إليها، كذلك طبق الكسكسي هذه الأكلة المميزة التي أتى على ذكرها العديد من الرحالة من أبرزهم المؤرخ والصحافي الفرنسي المختص في شؤون المغرب العربي، شارل اندري جوليان، في كتابه “تاريخ أفريقيا الشمالية”.

كما أن كلمة كسكس ومغايراتها هي مشتقة من كلمة “سيكسو” الأمازيغية وذكرها بن دريد في جمهرة اللغة في القرن العاشر للميلاد، ومعناها الطريقة التي تحضر بها حبوب القمح الصغيرة الخاصة بطبق الكسكس.

وعلى رأي المؤلف الأيرلندي جورج برنارد شو فـ”أول حب عند البشر هو حب الطعام”، حيث كان سكان أكثر مناطق شمال أفريقيا يعتمدون على الكسكسي كوجبة يومية أساسية لعلاقتهم الوثيقة بالأرض، حيث صنعوه من دقيق القمح الصلب أو من الشعير أو من الذرة البيضاء، فهل سيدأب أبناء اليوم الذين تجمعهم علاقة قطيعة بخيرات الأرض على منوال الآباء؟

21