الكسكس المغربي جامع الضيوف حول "القصعة"

لا يكاد يخلو بيت مغربي من آنية “القصعة” التي تعتبر من عتاد وأواني شرف البيت وكرم أهله، إلى جانب “البراد” الفضي لإعداد الشاي والطاجين الخزفي، أما القِدرة وكِسْكاسِها المخصصان لإعداد “الكسكس” فيظلان نظيفين طول الوقت، معزولة في رف أعلى وسط المطبخ، استعدادا لزيارة الضيوف، الذين قد تكون زيارتهم لبيت العائلة المغربية فجئية ليلا أو نهارا.
السبت 2015/05/02
وجبة الكسكس يطلبها السائح الأجنبي في المطاعم العالمية

مباشرة بعد وصول الضيوف إلى البيت المغربي، الذي ما تزال من عادة سكانه في البادية تشريع أبوابه ترحيبا بالزائرين، حيث توضع “صينية” لإعداد الشاي يتوسطها “البراد” وحوله كؤوسه في شكل دائري، إشارة إلى التضامن والتآزر الأسري حول رابط العائلة، الذي يكون رمزه الوالد والوالدة في الغالب الأعم، أو الأخ الكبير والأخت الكبرى في حال رحيل الآباء.

وبينما الضيوف يرشفون كؤوس الشاي الأخضر “المنعنع”، المصحوب بحلوى “كعب الغزال” المحشوة باللوز والجوز، أو “المسمن والبغرير” المدهون بالزبد البلدي المذوب والعسل الأصلي المقطر، تكون السيدة فاطمـة قد غابت عن الأنظار وسط المطبخ، بعـد أن أومأت لزوجها عمر بالقيام للخروج إلى السوق القريب من البيت، لإحضار سبعة أنواع من الخضر لإعداد الكسكس، بدءا بلحم العجل من جهة الكتف أو الضلوع، و“الكرعة” الدكالية الحمراء (اليقطين)، والكزبر والبقدنـوس، واللفت والجزر والطماطم، والبصل الأحمر والكرنب والفلفل الحار والحمص.

وبسرعة وتركيز، يعود عمر من السوق محملا بالمطلوب. وبعد غسل اللحم وتجفيف مائه، وتنظيف الخضر وتنقيتها من الشوائب، تجلس فاطمة مشمرة عن ساعديها، تقلي اللحم قليا وترشه بتوابل العطار الحاج العربي، المعدة والمدقوقة بعناية فائقة، وتبلل القدرة وتسقيها بالماء بمقدار حتى يغلي، فترمي الخضر وحزمة الكزبر والبقدنوس الصغيرة المربوطة بخيط نبات “الدوم” الطبيعي (الحلفاء)، أو خيط أبيض من صوف نظيف، ثم يترك الكل يطبخ على نار متوسطة.

القدرة وكسكاسها المخصصان لإعداد "الكسكس" يظلان معزولين في رف وسط المطبخ، استعدادا لزيارة الضيوف

ثم تعود السيدة المغربية، إلى “كسكاس” القدرة، الذي منه اشتق اسم كسكس، فتغسله وتجففه من الماء، ثم تضع وسطه دقيق الكسكس المفتول، المستخرج من حبّ القمح الصلب الأحمر، الذي تنتجه سهول الشاوية وزعير المغربية، وبعد صبه في الكسكاس، يوضع على رأس القدرة لبخار مائها المتصاعد صوبه مخترقا ثقوبه الكثيرة الشبيهة بثقوب الغربال.

هذا وتصنع فاطمة، التي التقتها “العرب” وتحدثت إليها في مدينة الجديدة/حوالي 100 كلم جنوب غرب الدار البيضاء، من قطعة قماش أبيض نظيفة “قفالا”، أي قفلا تقليديا، تمنع به تسرب البخار من المنطقة المفتوحة الموجودة بين القدرة وكسكاسها، وذلك بعد أن تنظفه وتغطسه في ماء الدقيق لصنع لساق طبيعي لا مواد ضارة به.

وبعد كل نصف ساعة، في أقصى تقدير، تقوم فاطمة بفصل الكسكاس عن قدرته، وتفريغ دقيق الكسكس وسط القصعة، متحدية سخونته الحارقة لليدين، فتدهنه بالسمن البلدي حتى تفرق حبيباته عن بعضها البعض، ثم تعيدها مجتمعة إلى الكسكاس، وتعيد الإِقفال بقفل القماش المذكور. ثم تعيد العملية ثلاث مرات حتى ينضج الكسكس، وتفور رائحته المنسمة برائة الطعام اللذيـذ.

وفي لحظة الحسم، وبعد ساعة ونصف من الطبخ، يفرغ الكسكس في القصعة، ويوضع فوقه اللحم والخضر والفلفل الأحمر أو الأخضر الحار، ثم تنادي على زوجها عمر ليحمله إلى الضيوف مرحبا بمجيئهم، فيتحلقوا حوله شاكرين مباركين للعائلة كرمها، واعدين برد جميل الضيافة.

الطعم اللذيذ يبقى سرا من أسرار يد الطباخة المهنية الحاذقة، التي تنجز طعام الكسكس المغربي بعناية

ومن حين لآخر يسأل الضيوف فاطمة، التي تسقيهم اللبن المصاحب للكسكس، عما وضعت فيه حتى جاء بطعم طيب لذيذ، فتقوم فاطمة بسرد معلوماتها، مؤكدة على أن الطيبة والطَّعم اللذيذ تبقى سرا من أسرار يد الطباخة المهنية الحاذقة، التي تنجز طعام الكسكس المغربي بذوق وعناية، حتى أصبح اليوم يتربع بين مصاف الطبخ العالمي، يستقيم لطلبه لسان السائح الأجنبي طالبا إياه في مطاعم النجوم العالية العالمية.

وتحظى وجبة الكسكس بشهرة على مستوى العالم، وهو طبق تقليدي ذو شعبية كبيرة، يكاد يميز يوم الجمعة عند المغاربة، إذ تعكف جل البيوت المغربية على تحضيره، كما أنه من الوجبات الرئيسية المعروفة منذ القدم، كما أنه أكلة شائعة في أغلب دول شمال أفريقيا (الجزائر والمغرب وموريتانيا وتونس وليبيا).

ويذكر أن البيوت المغربية لا تخلو من وجبة الكسكس في الأعياد والاحتفالات الوطنية، وفي جميع الولائم من أعراس وعقيقة وعزاء وفي ليلة الـ27 من شهر رمضان، كما في الأيام العادية، وتختلف طريقة إعداده من مناسبة إلى أخرى، حيث تنقسم إلى عدة أنواع فهناك كسكس “السبع خضار” والكسكس برأس الخروف والكسكس بالبصل والزبيب، أما في المناطق الصحراوية فيتم مزجه بحليب الماعز أو الغنم قبل بدء عملية الطهي.

21