الكشف عن متلازمة داون أثناء الحمل يهدد حق الأجنة في الحياة

الفحوصات المبكرة لمختلف أنواع التثلث الصبغي دفعت إلى تراجع عدد الأطفال المصابين، لأن النساء يقدمن على الإجهاض عند اكتشاف إصابة الجنين بخلل جيني.
الخميس 2019/04/18
المصابون بمتلازمة داون غالبا ما يكونون أشخاصا سعداء وأقل تجهما من غيرهم

تستطيع الأمهات اكتشاف إصابة أبنائهن بمتلازمة داون، أثناء فترة الحمل. ورصدُ المرض مبكرا يعدّ خطوة مهمة رحبت بها الأوساط العلمية والطبية، لكن الكثير من الأطباء والهيئات الصحية والمنظمات الحقوقية وغير الربحية أعربوا عن قلق كبير إزاء تعمّد عدد كبير من الحوامل الإجهاض هربا من ولادة أطفال مصابين.

واشنطن- أحدث تراجع عدد الأطفال المصابين بمتلازمة داون جدلا أخلاقيا كبيرا وفجر نقاشا حول الحق في الحياة وفكرة تقبّل الآخر. وتقول النائبة البرلمانية الأميركية، كاريان ليزونبي، إن إجهاض أجنة ثبت حملها لمتلازمة داون (تريسوم 21) يعد شكلا من أشكال “الاضطهاد والتمييز”. وحذرت النائبة، نقلا عن صحيفة واشنطن تايمز الأميركية، من أن تزايد هذه الظاهرة سيدفع باتجاه انتشار فكرة “تحسين النسل” في العالم.

وجاء حديث ليزونبي، خلال جلسة نقاش برلمانية في ولاية يوتا لمشروع قانون يجرّم إقدام أي طبيب على إجراء عمليات الإجهاض لأجنة مصابة بالمتلازمة وسجنه لمدة عام مع تغريمه بمبلغ يقدر بـ2500 دولار أميركي. ويذكر أن القانون تم تبنيه في كل من داكوتا وأوهايو ولويزيانا وإنديانا.

ولا يختلف الوضع كثيرا في أنحاء أخرى من العالم، حيث شهدت جلسة للبرلمان الألماني في 11 أبريل الحالي خلافات حادة بين المعارضين والموالين لاختبارات الكشف المبكر عن المتلازمة وتمويلها، بحسب موقع صحيفة “فرانكفورتر الغماينه تسايتونغ”.

كما عبّرت إلزبيتا تشزيباك، المديرة الإدارية لمركز متلازمة داون في ألمانيا، عن القلق بخصوص هذه الفحوصات لأنها ستؤدي إلى “تراجع أعداد الأطفال المصابين بالمرض مستقبلا”.

وهو ما أكده تقرير نشر بموقع دويتشه فيله الألماني، فقد دفعت الفحوصات المبكرة لمختلف أنواع التثلث الصبغي فعلا إلى تراجع عدد الأطفال المصابين، لأن النساء يقدمن على الإجهاض عند اكتشاف إصابة الجنين بخلل جيني.

فتراجع عدد المصابين يدفع الكثيرين للنظر إلى متلازمة داون كنوع من “الإعاقة التي يمكن تجنبها”، وإلى المصابين كأنهم غير موجودين لأنهم سيشكلون حالات نادرة. وهو ما سيتسبب في عزلتهم ومعاناتهم في مجتمعات يفترض أن يجد فيها كل شخص مكانه. ووفقا لبعض استطلاعات الرأي فإن نحو 10 بالمئة فقط من النساء في ألمانيا عبرن عن استعدادهن لإنجاب طفل مصاب بمتلازمة داون.

بعض الحوامل يقدمن على الإجهاض عند رصد الخلل الجيني
بعض الحوامل يقدمن على الإجهاض عند رصد الخلل الجيني

ووفقا لبيانات مكتب الإحصاء الألماني فقد سجلت نحو 101 ألف حالة إجهاض في عام 2018، نحو 3800 منها لها علاقة بإصابة الجنين بالتثلث الصبغي.

وتلجأ الكثير من النساء الحوامل إلى إجراء تحليل دم للكشف المبكر عن أشكال التثلث الصبغي. غير أنه يجب على النساء الراغبات في الاستفادة من الفحص دفع تكاليفه التي تبدأ من 130 يورو. ومن المتوقع أن تتحمل صناديق التأمين الصحي ابتداء من 2020 هذه التكاليف، نقلا عن موقع تلفزيون الأخبار الألماني “أن.تي.في”.

وتتزايد المخاوف لدى الكثيرين من أن يدفع تحمل صناديق التأمين تكاليف الاختبارات إلى تزايد عدد حالات الإجهاض في صفوف النساء الألمانيات. ففي عام 2012 أجري 75 ألف اختبار والعدد في تزايد مطّرد.

وتجدر الإشارة إلى أنه تمكن معرفة ما إذا كان الجنين مصابا بمتلازمة التثلث الصبغي 21 (تريسوم 21)؛ من خلال القيام بفحص بسيط للدم. ويقوم الأطباء بذلك عن طريق الخلايا الموجودة في دم الأم، إذ يأخذون عينات من دم الحامل بدءا من الأسبوع الحادي عشر.

ويظهر تريسوم 21 أو التثلث الصبغي 21 لدى الأجنة بسبب وجود خلل في الكروموسومات. ويطلق على هذا الخلل أيضا اضطراب وراثي لأنه يصيب الجينات؛ وهو ما يتسبب في ضعف للقدرات الذهنية والنمو البدني لدى الجنين.

وتحدث الإصابة بمتلازمة داون نتيجة وجود نسخة إضافية من صبغة كروموسوم، وهو ما يسبّب في العادة حدوث بعض مستويات الإعاقة في التعلم. فيتكرر هذا الكروموسوم ثلاث مرات في خلايا الجسم. ومن هنا جاءت تسمية “التثلُث الصبغي 21″. ويتفاوت هذا الخلل من مصاب إلى آخر، وبالتالي يعيش بعض المصابين عادة مع عائلاتهم بشكل طبيعي بل ويذهبون إلى العمل، في حين يحتاج البعض الآخر منهم إلى رعاية مكثفة.

101 ألف حالة إجهاض بألمانيا، في 2018، 3800 منها أصيب فيها الجنين بالتثلث الصبغي

وبفضل الأبحاث الطبيّة تم الكشف عن أنواع مختلفة من التثلث الصبغي، لكن يعد التثلث الصبغي 21 أو متلازمة داون الأكثر انتشارا في صفوف الأطفال حديثي الولادة. ويزيد أيضا من خطر إصابة الجنين به مع تقدم الأم في السن. لكن الأطفال المصابين بهذا النوع يمكنهم العيش إلى ما يصل 70 سنة في المتوسط. وكشفت بعض الدراسات عن أن الذكور هم الأكثر إصابة مقارنة بالفتيات. ومن أعراض هذا النوع تأخر نمو الطفل بشكل عام.

ويقول هاينتس يوآخيم شميتس، رئيس الشبكة الألمانية لرعاية المصابين بمتلازمة داون في مدينة كولونيا الألمانية، “الناس يخافون قليلا في البداية، فيتراجعون خطوتين إلى الوراء، ولكنهم يتقدمون ثلاث خطوات إلى الأمام حين يكون بينهم وبين المصابين تواصُل”.

ويبرّر ذلك بأن المصابين بمتلازمة داون غالبا ما يكونون أشخاصا سعداء وأقل تجهُّما من غيرهم. ويضيف شميتس قائلا “لديهم عالمهم الخاص الذي لا يخرجون عن حدوده ويعيشون فيه بسعادة”. لكن شميتس يَأسَف كثيرا نظرا لردود الفعل الحذرة التي تصدر عن الناس حين يصادفون مصابين بمتلازمة داون. ويضيف “الأشخاص الذين يعانون من متلازمة داون هم جزء من مجتمعنا ولا يمكن استبعادهم من المجتمع”.

17