الكفاح الذاتي في الثقافة

الخميس 2017/10/05

لا يُعوّل على الحياة السياسية في العراق على أن تكون حياة نظيفة أبدا، وهذه ليست فرضية نفترضها بقدر ما هي حقيقة نعيشها بشكل يومي على مضض، وسنبحث في مستقبل هذا المقال عن بدائل السياسة الملعونة التي أدخلتنا في أنفاق ودهاليز طائفية ومذهبية وعرقية وقومية، وهو بحث قائم على معاينة الواقع الثقافي الناشط الذي يصلح أن يكون بديلا ناجحا عن إخفاق السياسة العراقية في أن تكون هي الواجهة المثالية لبلاد ما بين النهرين. وبالتالي فالثقافة بوحيها العام يمكن أن تصلح ما أفسدته السياسة الطفولية برؤوسها المعروفة.

وحينما نجد أن الثقافة هي الواجهة الأصلح للبقاء والديمومة وإصلاح الخلل في الحياة العامة فأن معطياتها الثرية حتى اليوم تكفي بدرجة جيدة على أن نقول إنها البديل الطبيعي للحياة العراقية المثقلة بالمآسي والكوارث وقلّة الوعي وانتشار الجهلة والأميين في مرافق الدولة كلها، الأمر الذي يعيق مواصلة الحياة السوية بشكل طبيعي، لهذا تبدو الثقافة نوعا من الكفاح الذاتي والمدني لمواجهة التصحر اليومي الذي تنتجه السياسة.

في ظروف العراق الحالية انفتاح واسع على الآخَر. والآخَر هو الثقافي والمعرفي بكل تصنيفاته الإنسانية والأدبية والروحية والعلمية والتقنية؛ مثلما الآخَر هو المنتِج والفاعل والمتفاعل؛ فلا رقابة تمنع كتابا لأنهم لا يقرأون، وهذه نعمة فضيلة يجب أن نكرّسها فيهم، وليست هناك مؤسسة ثقافية أو وزارة معنية بتقنين الهواء الثقافي، وهذه من أفضال الأمية السياسية والإدارية المنشغلة بأمور أخرى غير الثقافة.

وعلى هذا الانفتاح استنشقت الأجيال القديمة والجديدة هواء الحرية الثقافية فنشطت منافذ الكتابة والقراءة والأمسيات والجلسات وتعددت مقاهي اللقاءات ومراكز الفكر والندوات ومهرجانات القراءة التي أشاعت جوا كبيرا من المعرفة والتلقي، وخرجت من إطارها البسيط إلى فضاء التلقي العمومي فاستقطبت الكثير من الموهوبين والمتابعين والقرّاء، مما أحدث موجة ثقافية امتدت خارج بغداد إلى المحافظات كلها تقريبا بشوارعها الثقافية وأيامها الأدبية وجلساتها الشعرية والنقدية والقصصية، مثلما حظي المد الروائي الكبير على استحواذ القارئ العراقي الذي يشكل الشباب نسبة كبيرة منه فصارت الرواية هي الديوان الأقرب لذائقة القراءة، وما تزال الرواية ترفد المشهد الثقافي بإصدارات متتالية وبأسماء جديدة سيكون لها رصيدها النقدي مستقبلاً. مثلما هو الشعر بأصبوحاته وأمسياته يقدم الأسماء الجديدة عبر جلسات لم تنقطع على مدار الأسبوع في بغداد والمحافظات وكل مراكز التأثير الثقافي مهما صغرت.

المركز الثقافي العراقي تشهد له جمعة المتنبي بأكثر من جلسة صباحية وربما هي الحالة الأجمل أن تتعدد الجلسات بأكثر من قاعة في آنٍ واحد، روادا وأجيالا جديدة ومحاضرات فنية وعلمية وجمالية وتشكيلية واستقداماتٍ لظواهر سياسية وعسكرية محلية وعربية كدروس معتبرة لأجيال لم تعاصرها، مثلما بقيت مؤسسة المدى الأهلية رافداً جيداً بندواتها الأسبوعية وهي تقتطع مساحة جيدة من شارع المتنبي الثقافي بمكتباته التي تتسابق على توريد الكتب الجديدة من مصادرها العربية. كما تتسابق طباعيا لإصدارات متلاحقة في الشعر والقصة والرواية بشكل بارز، ناهيك عن مقاهي وبوتيكات ثقافية توزعت في منطقة الكرادة.

هذه الحياة المتألقة التي أخذت تتطور وتنضج واتضحت معالمها الإيجابية منذ سنتين أو ثلاث، ربما هي رد فعل على السياسي الأحمق الذي بذر بذوراً سيئة في أرض لا تتقبل إلا أن تُبذَر فيها جينات الوعي والفكر والثقافة والمعرفة منتمية إلى إرثها الرافديني التنويري العملاق.

الرد الثقافي هو الواجهة التي يستنير بها المواطن العادي بعيدا عن المؤثرات الدينية – الطائفية المعروفة، وهو البديل الممكن جدا في عصر سياسي خفيف جدا، وبالتالي علينا أن نقتفي آثار الثقافي ونمدّ يد الجمال إليه حيثما كان، بوصفه فعلا كفاحيا ذاتيا في ظروف تحيط بها الفجائع من كل جانب.

كاتب عراقي

14