الكفّار ومستقبل العالم

الجمعة 2017/12/01

التحول التقني الاجتماعي من نظام تقليدي سائر على السمع والطاعة إلى نظام مفتوح قائم على علمية العلاقات ما بين أفراد الأسرة الواحدة ومن ثم الحي والبلدة والمدينة والدولة، أتاح اليوم نمطا جديدا من التواصل لا يتخذ من التقنية جسرا وحسب، بل بابا جانبيا يمكن التسلل منه للخلاص من ضغط الجميع.

ومع الوقت اتسعت قدرة المجتمع البشري على الاقتراب من بعضه البعض عبر العلم، وبذلك حقق الإنسان قفزته الهائلة في التحرر من الأوامر، وفي العثور على رجليه وقد سارتا على دروب التواصل مع الآخر.

لكن الخوف ما يزال يتحكم بالعقول، كما رأى الفيلسوف الجزائري الفرنسي ألبير كامو الذي كتب إنه “إذا كان القرن الـ17 هو قرن الرياضيات، والقرن الـ18 هو قرن الفيزياء والقرن الـ19 هو قرن البيولوجيا، فإن القرن العشرين هو قرن الخوف”.

كان كامو محقا بالطبع فالإنسان ما يزال خائفا من كل شيء.

ومرة سيطر الخوف على الجميع، حين اقترب الفنان المصري توفيق الدقن، والذي اشتهر بأدوار الشر، من طاولة المخرج السوري مصطفى العقاد في إحدى الحفلات، وسأله “لمؤاخذه هو أنا ليه مكنش ليه دور في فيلم (الرسالة)”؟ فخاف العقاد وحاول أن يهدئ من روع الدقن الغاضب.

وقال له “أستاذ توفيق أنت فنان كبير. ولكنك تعرف خصوصية الفيلم الديني. وأنت لطالما قمت بأدوار الحرامي والبلطجي”. فأجاب الدقن متهكّما “والله عال، يعني إنتا خفت على سمعة الإسلام مني؟ طيب يا أخي كنت خدني مع الكفار! ولا تكونش خايف على سمعة الكفار كمان؟ طيب خلّيني أبولهب”. فضجت القاعة بالضحك.

وبالحديث عن الكفّار وصلة البشرية بالعلم، لا يغيب عنوان “مستقبل العلم”، الكتاب الذي كتبه فيلسوف فرنسي آخر هو إرنست رينان، للدفاع عن العلم والعقل. وبغض النظر عن التوافق معه أو الاختلاف، إلا أن نظرته السيئة إلى العرب لم تجعل رينان يتردد بالكتابة عن واحد من أهم الفلاسفة العرب، في كتابه “ابن رشد والرشدية”.

كانت نظرة رينان إلى العالم الإسلامي والعربي تتسم بـ“الاستعلاء المعرفي والتاريخي”، فقد قال ذات يوم إن مصر “ليست أمة، إنها مدار رهان، تكون تارة مكافأة لعملية سيطرة بحرية انتزعت بصورة شرعية، وتكون تارة أخرى عقابا على طموح لم يحسن تقدير قوته. وعندما يكون لبلد وأناس دور يطاول المصالح العامة للإنسانية، فإنه سيُضَحَّى بهم من أجل ذلك. لذلك ستكون مصر محكومة على الدوام من قبل مجموع الأمم المتحضرة”.

ولهذا وغيره، غضب البابا الكاثوليكي بيوس التاسع على رينان غضبا كبيرا، وهاجمه ووصفه بأنه “كافر أوروبي كبير”، من جماعة توفيق الدقن.

24