الكلاب سرقت القافلة

السبت 2014/03/22

تجاوزت الكلاب السائبة كل الحدود، فخلال فترات متباعدة؛ قضمت أسنان الكلاب السائبة أنوف وأصابع وخدود ضحاياها من دون رحمة، كما أودت عضّات (نافدة) بحياة بعض الأطفال الأبرياء الذين راحوا ضحية سوء طباع بعض الكلاب، التي أفسدها دلال مالكيها وقوانين الحماية والرأفة التي تغدقها عليها الجمعيات (الحاضنة) لها.

في حادث قريب، نجح كلب العائلة المعروف بسلوكه العدواني في نهش طفلة بريطانية رضيعة لم تكمل عامها الأول، وأثار وفاة الطفلة البريئة مجموعة من الأسئلة الشرعية تتعلق بمستوى الأفضلية التي تتمتع بها الكلاب مقارنة -ببني البشر- وما إذا كانت بعض المنازل (التي تأويها) بحاجة إلى تحصينات أمنية معينة، أم أن الأمور ستترك هكذا سائبة تبعاً لمزاج الصدفة.

في عرف الصحافة، لا يشكل هذا الخبر أهمية تذكر عدا الأهمية التي ستغدقها عليه جمعيات الرفق بالحيوان التي (ستعبّر) عن قلقها حتما بخصوص مصير الكلب، المتهم، خوفاً من أن يتحول إلى ضحية محتملة.

أما الخبر الذي أثار اهتمام وفضول الصحافة حقا، فكان يتعلق بشخص روسي كان نجح في عض كلب حراسة مكمم (لحسن حظ الكلب) الضحية. أما الرجل، السائب، الذي نجح في تحطيم بعض ممتلكات الشارع قبل شروعه في عضّ الكلب، فتبيّن أنه مصاب باضطراب نفسي شديد.

كل خبر يخالف المألوف فهو نجم الساعة، وكلما اجتمعت الإثارة بالطرافة، ارتفع منسوب الخبر الصحفي وعظم شأنه. وفق هذا المفهوم نشأت نظرية الخبر الصحفي التي تقول، “عندما يعضّ الكلب رجلا فليس هذا بخبر.. لكن عندما يعضّ الرجل كلباً فهذا هو الخبر بعينه!”. هذه العبارة الطريفة روّج لها ألفريد هارمز وورث، الصحفي البريطاني الرائد، وهي تحرّض على الأخبار ذات المذاق الحاذق التي تنطوي على كل ما يخالف المألوف ويثير اهتمام الجمهور.

أما الكلاب التي نجت من عضات الإنسان، فهي أنواع؛ بعضها يعضّ بصمت وبعضها ينبح من دون أن يعضّ، فيما تكتفي الأنواع الأخرى التي لا تعضّ ولا تنبح، بدور المتفرج أو الحارس البيتي الذي يتقاضى أجره فتاتا وعظاما وقلة احترام.

وعلى الرغم من ذلك، لم تسجل الحوادث التي تشتبك فيها الكلاب وتعضّ بعضها البعض سوى أرقام متواضعة في قائمة الأفعال العدوانية الموجهة ضد (الآخر)؛ فالكلب لا يعضّ أخاه الكلب ولا أذن صاحبه الإنسان إلا إذ كان مختلا، أما صاحبه الإنسان فيمكنه أن يعضّ كلبه أو كلاب الشارع إذا دعت الضرورة، كما يمكنه أن يعضّ صاحبه في الإنسانية إذا دعت المصلحة.

والمصالح تتنوع وتتشعب؛ فحين يقل منسوب الوفاء في ضمير الفرد فمن السهل عليه أن يعضّ اليد التي مدت له العون في الماضي، كما يميل قليل الصبر الذي تحكمه الأنانية لأن يعضّ من خبزة خرجت لتوّها من تنور صاحبه أو جاره الفقير، وهنالك النمام الذي يعضّ ويأكل لحم أخيه ميتاً، فيقضي ليالي سمر طويلة في تذكر نواقصه وهفواته دون سبب معلوم. والظالم؛ يعضّ على يديه يوم القيامة حسرة وأسفا لأنه فارق طريق الحق وسلك طريق الباطل.

أما أكثر أنواع “العضّ” البشري قسوة، فهو العضّ على النواجذ؛ حيث يقضي بعض الناس معظم أيام حياتهم كمدا وندما وحسرة وألما وعضّا على النواجذ، بسبب الظلم الواقع على رؤوسهم؛ حيث يشهدون بأم أعينهم الدامعة كلاب السياسة السائبة وهي ترتدي سروج خيول ليست على مقاسها وتعيث في الأرض فسادا، تنبح وتعضّ وتقتل وتنهب ما تبقى من كنوز القافلة.

هذه الأخبار لا ترقى إلى مستوى الإثارة والتشويق، فهي لا تخالف المألوف ولا تثير اهتمام الجمهور الذي تعب من لعب دور الضحية.

21