الكلاسيكو طبول حرب تقرع اليوم في الميادين الرياضية

السبت 2015/11/21
البارسا والنادي الملكي في صراع تنقبض له أنفاس مئات الملايين في العالم

برلين- الكلاسيكو مصطلح رياضي يطلق على المباريات ذات الطابع الخاص للأندية التي يجمعها انتماء مكاني لبلد ما أو مدينة ما، لكن ما إن تقال كلمة كلاسيكو حتى يشرد ذهن الرياضي إلى مباراة تجمع قطبي أسبانيا “ريال مدريد” و”برشلونة”، فبات الكلاسيكو علامة مسجلة للمباريات التي تجمع الفريقين، لكنه في أسبانيا ليس كسواه لأنه تجاوز النطاق الرياضي إلى نطاق سياسي يحمل في خباياه الكثير من الأسرار والتي سنحاول استكشافها.

لا بد من تقسيم تاريخ الكلاسيكو إلى مرحلة ما قبل الجنرال فرانكو ومرحلة ما بعده، لأن فرانكو يمثل نقطة تحول رئيسية في تاريخ الكلاسيكو بعد أن حوّل التنافس بين الفريقين من تنافس رياضي إلى سياسي وربما كان في بعض الأحيان يحتاج لأسلحة فتاكة حتى يصح التعبير ليتحول إلى “صراع عسكري” أيضاً.

الكلاسيكو والجنرال

منذ تأسيس برشلونة عام 1809 كان واضحاً أن النادي بني على أسس قومية كتالونية، بينما تأسس نادي ريال مدريد بعد ثلاثة سنوات وكأنما أدرك المؤسسون أن النادي الذي حمل فيما بعد صفة النادي الملكي أو نادي مدريد الملكي سيكون الند المناوئ لسياسة كتالونيا الانفصالية على الساحة الرياضية، أي في الجهة المقابلة للمعركة التاريخية الأزلية.

اللقاء الأول جمع الناديين في العاصمة مدريد ضمن مباريات كأس كوروناسيون في الثالث عشر من شهر مايو عام 1902، وانتهى لمصلحة برشلونة بثلاثة أهداف لهدف، وأكد برشلونة تفوقه في أول لقاء رسمي جمعهما في السادس والعشرين من شهر مارس عام 1906 بذات النتيجة، إلا أن الندية السياسية لم تكن موجودة فالريال حينها كان نادياً لا يمثل سياسياً طرفاً من الأطراف، إلى أن منحه ألفونسو الثالث عشر عام 1920 صفحة النادي الملكي، هنا بدأت العلاقة تتوتر بين الريال الذي ألحق به التاج الملكي والبارسا المدافع عن القومية الكتالونية أمام هيمنة ملوك مدريد، لكنها بطبيعة الحال لم ترق إلى مستوى الصراع ويمكن أن توصف بمرحلة إرهاصات ما قبل الصراع وقبل أن يشعل الجنرال فرانكو فتيل الأزمة.

الكلاسيكو الأشهر يتمثل في لقاء برشلونة مع ريال مدريد الذي ظهر فيه لاعبو برشلونة وهم يتحركون وكأنهم دمى تقيدها خيوط بأيد مشلولة، وكانت مفاجأة مثيرة، فالنتيجة تجاوزت ما يقوله المنطق وانتهت بأحد عشر هدفاً للريال مقابل هدف يتيم لبرشلونة، يومها دخل جنود الجنرال فرانكو إلى غرفة ملابس لاعبي برشلونة رفقة عمدة مدريد، وقاموا بتهديد اللاعبين بمصير مشابه لما حدث للشاعر لوركا

في الثامن عشر من يوليو عام 1936 قام الجنرال فرانسيسكو فرانكو المدعوم من الأنظمة النازية والفاشية بانقلاب عسكري في أسبانيا ضد الجمهورية الأسبانية بقيادة حزب الجبهة الشعبية، ليتمتع بعدها بسلطة مطلقة، ولم يكن هناك من يقف بوجهه سوى صيحات أبناء إقليم كتالونيا المناهضة لحكومة مدريد المركزية، لذلك أراد فرانكو أن يجهض كل الدعوات التي تشكل خطراً على عرشه ورغم أن النادي الكتالوني لم يكن النادي الوحيد الذي يمثل إقليم كتالونيا إلا أنه يعتبر رمزاً للقومية الكتالونية.

أمر الجنرال فرانكو قواته بقصف منشأة النادي ليترافق ذلك مع سياسته التي فرضها بمسح كل معالم القومية الكتالونية، واعتقل رئيس نادي برشلونة جوسيب سونال الذي حمل أعباء الهوية القومية لنادي برشلونة خلفاً لخوان غامبر وأعدمه ميدانياً دون أن يخضعه لمحاكمة.

سيطر فرانكو عام 1938 على إقليم كتالونيا وقام طيرانه بقصف النادي واحتل جنوده منشآته ونهبوا محتوياتها، وعيّن أحد مواليه الذي يدعى إنريكي بينيرو رئيساً للنادي، منع إنريكي جماهير برشلونة من عزف النشيد الكتالوني وأمر باستخدام اسم النادي باللغة الأسبانية بدلاً من الاسم الأصلي باللغة الكتالونية، وحذّر من استخدام أي دلائل تشير إلى ارتباط نادي برشلونة بالهوية الكتالونية للإقليم بناءً على أوامر من الجنرال فرانكو.

في شهر يونيو عام 1943 التقى ناديا برشلونة وريال مدريد في الدور نصف النهائي لكأس ملك أسبانيا، انتهت مباراة الذهاب لصالح برشلونة بثلاثة أهداف نظيفة، وكان نادي ريال مدريد اليد التي يضرب بها فرانكو ويثبت فيها جبروته على الساحة الرياضية، خاصة وأن النادي المدريدي يعتبر رمزاً للملكية الأسبانية منذ أن منحه الملك ألفونسو الثالث عشر لقب النادي الملكي.

الجميع كان ينتظر أن يصعد برشلونة على منصة التتويج وهذا ما لا يروق للجنرال فرانكو بطبيعة الحال، انطلقت مباراة الإياب ولاعبو برشلونة يتحركون وكأنهم دمى تقيدها خيوط بأيد مشلولة، لقد كانت مفاجأة مثيرة، فالنتيجة تجاوزت ما يقوله المنطق وانتهت بأحد عشر هدفاً للريال مقابل هدف يتيم لبرشلونة، قيل يومها إن جنود الجنرال فرانكو دخلوا إلى غرفة ملابس لاعبي الفريق الكتالوني برفقة عمدة مدريد، وقاموا بتهديد اللاعبين بمصير مشابه لما حدث للشاعر لوركا وغيره من الرموز الكتالونية، وتناقلت وسائل إعلامية الرسالة التي نقلها رجال فرانكو للاعبي برشلونة “لا تنسوا أن سخاء النظام الذي تغاضى عن نقص وطنيتكم، هو السبب الرئيسي والوحيد في استمراركم باللعب”.

لازالت تلك الحادثة تعصف بأذهان الكتالونيين والمدريديين رغم أن مجرياتها كانت كصندوق أسود عثر عليه دون أن يسجل تفاصيل تروي الحادثة، هكذا جعل الجنرال فرانكو للكلاسيكو أبعاداً سياسية لم تخمد نيرانها حتى ساعة كتابة هذه السطور.

مباريات الكلاسيكو نادرا ما تنتهي دون أن تسجل رقما تاريخيا، فالصراع فيها لا يقبل القسمة على اثنين

دي ستيفانو وفيغو ورأس الخنزير

يعتبر الكتالونيون ارتباط اللاعب بعقد مع البارسا كالزواج الكاثوليكي الأبدي السائد في مدينة برشلونة، بينما الفارق بينهم وبين الريال أنه لا توجد موانع دينية أو قانونية تحرّم انتقال اللاعب إلى نادي ريال مدريد، لكن عليه أن يعلم أن المجتمع الكتالوني لن يتقبل ذلك ويشبهه بالطلاق غير الشرعي ويعتبره خيانة غير قابلة للغفران.

عام 1953 وقع نادي ريال مدريد عقداً مع النجم الأرجنتيني ألفريد دي ستيفانو لاعب نادي ميوناريوس الكولومبي آنذاك، وفي ذات الفترة وقع برشلونة عقداً مع نادي ريفر بليت الأرجنتيني يقضي بانتقاله إليه بعد انتهاء عقده مع النادي الكولومبي، لكنه في تلك الفترة كان مرتبطا مع النادي الكولومبي حتى 1954 ومطالبا بالعودة إلى ريفر بليت في 1955، وفي شهر مايو عام 1953 توجه دي ستيفانو إلى مدينة برشلونة للالتحاق

بالبلوغرانا، لكن الداهية سانتياغو برنابيو رئيس النادي الملكي آنذاك أقنع دي ستيفانو بالعدول عن قراره والتوجه إلى العاصمة مدريد، رفعت القضية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي وقف عاجزاً عن حلّ الصراع الحساس بين ناديين تتجاوز فيه ساحة الصراع أبعادها الرياضية، ورفض الاتحاد الأسباني اعتماد عقد دي ستيفانو مع كلا الناديين.

وعليه تم التوصل إلى صيغة توافقية يلعب بموجبها دي ستيفانو في أسبانيا أربعة مواسم مناصفة بين الفريقين تبدأ الفترة الأولى مع الريال ثم يعود إلى برشلونة، إلا أن الكتالونيين قرروا فيما بعد الاستغناء عن خدمات دي ستيفانو الذي قاد الملكي لإنجازات تاريخية وحمل معه خمسة ألقاب في دوري أبطال أوروبا وثمانية ألقاب في الدوري الأسباني.

مرت سنون طويلة على قضية دي ستيفانو وباتت طي النسيان، إلى أن أعلن النادي الملكي تعاقده مع النجم الأول لنادي برشلونة البرتغالي لويس فيغو عام 2000، فكان ذلك القرار أشبه “برمي قنبلة يدوية بين الناس”، هذا ما قاله النجم الهولندي فرانك ديبور لاعب برشلونة تعليقاً على الحادثة.

لعنات جماهير برشلونة لاحقت لويس فيغو وصيحات الاستهجان لم تكن لتهدأ دقيقةً واحدة في كل مباريات الكلاسيكو التي لعب فيها أمام ناديه الأم برشلونة، ورمى عليه أحد مشجعي برشلونة رأس خنزير وهو يستعد للعب ركلة ركنية في موسم 2011 تعبيراً عن غضبه، عقّب فيغو على تلك الحوادث قائلاً “أكره مواجهة برشلونة فأنا أحب هذا النادي ولكنه يجبرني بجماهيره على الإصرار على وضع الأهداف في شباكه”.

الباسيلو عقدة الكلاسيكو

عندما يحسم النادي المتصدر لقب الليغا يتوجب على لاعبي الفريق الخصم الوقوف على ممر، ويصفقون ويحيون الفريق الذي حسم لقب الدوري لحظة دخوله، لقد حصلت تلك الحادثة ثلاث مرات في تاريخ الليغا فتلقى الريال التحية مرتين مقابل مرة واحدة تلقى فيها برشلونة التحية

أكثر ما يخشاه البارسا والريال أن يجبر أحدهما بإلقاء تحية الباسيلو للآخر، وهي تقليد متبع في الليغا الأسبانية فعندما يحسم النادي المتصدر لقب الليغا يتطلب على لاعبي الفريق الخصم الوقوف على ممر ويصفقون ويحيّون الفريق الذي حسم لقب الدوري لحظة دخوله، لقد حصلت تلك الحادثة ثلاث مرات في تاريخ الليغا فتلقى الريال التحية مرتين مقابل مرة واحدة تلقى فيها برشلونة التحية، إلا أن ثلاثة حوادث أخرى عفوية حصلت نال خلالها لاعب من الناديين التصفيق من قبل جماهير النادي الآخر وهذا قلّما يحدث وإن حدث فاعلم أن أمراً عجيباً أقرب إلى المستحيل قد حدث، عام 1980 تلقى لوري كونينغهام لاعب ريال مدريد تصفيقاً حاراً من جماهير برشلونة لحظة خروجه من أرض الملعب بعدما تألق وكان نجماً مميزاً حسم النتيجة لصالح ناديه وقلب التوقّعات، وبعدها بثلاثة مواسم بادرت جماهير ريال مدريد بالتصفيق للنجم الأرجنتيني ماردونا لاعب برشلونة حين ركض من منتصف الملعب متجاوزاً اللاعبين الواحد تلو الآخر إلى أن وصل المرمى وجعل المدافع يصطدم بالقائم بينما الكرة تدخل الشباك، وكانت آخر مرة تكررت فيها الحادثة عام 2005 عندما فرض رونالدينيو نفسه كالساحر الذي يبهر جماهيره وهو يقدم ألعابه العجيبة.

صراع الأرقام

نادراً ما تنتهي مباريات الكلاسيكو دون أن تسجل رقماً تاريخياً، فالصراع في الكلاسيكو لا يقبل القسمة على اثنين، تقول الإحصائيات التاريخية إن زملاء الهولندي يوهان كرويف أسطورة برشلونة سجلوا نتيجة كبيرة على أرض البرنابيو بخمسة أهداف نظيفة لا تزال ذكراها حاضرة، ولعب الفريقان في الليغا 170 كلاسيكو حقق الريال فيها 71 انتصاراً بينما فاز برشلونة 67 مرة وتعادل الفريقان 32 مرة.

تقول إحصائية الأهداف إن الريال سجل في مرمى البارسا 278 هدفاً بينما سجل الكتالونيون في مرمى الملكي 268 هدفا، ويحمل ليونيل ميسي مع مواطنه الأرجنتيني الأسباني دي ستيفانو الرصيد الأكبر من الأهداف في لقاءات الكلاسيكو ضمن الليغا الأسبانية برصيد 14 هدفاً، بينما يتفوق ميسي بالحصيلة الإجمالية لكل المسابقات برصيد 21 هدفاً، كما يتصدر ميسي قائمة اللاعبين الأكثر مشاركة في الكلاسيكو من بين تشكيلة اللاعبين الحالية حيث شارك 30 مرة، بينما يتصدر كل من تشافي هيرنانديز من برشلونة ولاعبا الريال فرانكو خينتو ومانويل سانشيز قائمة اللاعبين الأكثر مشاركة في تاريخ الكلاسيكو بـ42 مرة، ويحتفظ البرتغالي كريستيانو رونالدو برقم مميز بتسجيله سبعة أهداف في ستة مباريات كلاسيكو متتالية أقيمت بين 2011-2012 وموسم 2012-2013، وسبق وأن أقيم الكلاسيكو في مثل هذا اليوم عام 1954 على أرض النادي الملكي وحسم المدريديستا نتيجة المباراة لصالحه بثلاثة أهداف نظيفة. واليوم لا أحد يعرف كيف ستجري الأمور في حرب الكلاسيكو التي تُقرع طبولها عبر العالم.

15