الكلاسيكي برداء معاصر

يكون الروائيّ المنقّب في حياة شخصية أدبية أو تاريخية شهيرة كمَن يبحر في غابة من التخمينات.
الاثنين 2018/11/19
بين مانغويل ولويس ستيفنسن

تشكّل حياة بعض الأدباء والقادة الراحلين مادة ثريّة لأدباء معاصرين ينهلون منها أعمالهم الروائية، ينبشون خباياها ويستنطقون ما يعتقدون أنّ الراحلين قد تكتّموا عليه أو حاولوا حجبه عن قرّائهم، أو لم يسعفهم الزمن لتدوينه وحكايته.

يكون الروائيّ المنقّب في حياة شخصية أدبية أو تاريخية شهيرة كمَن يبحر في غابة من التخمينات، لأنّه سيكون في مواجهة مع التاريخ والواقع معاً، كما أنّه سيكون في تحدٍّ أدبيّ يتمثّل في تقديم الكلاسيكيّ برداء معاصر، من دون أن يفقده روحه وجوهره.

استقى الأرجنتيني ألبرتو مانغويل في روايته “ستيفنسن تحت أشجار النخيل” شخصية الروائي والرحالة الاسكتلندي الشهير روبرت لويس ستيفنسن (1850 – 1894) ليتماهى معه ويستخدم القرين كقناع روائي، ينقل من خلاله تصوراته ورؤاه عن العالم الذي يقوم بتصويره، والذي يكون خليطاً غرائبيا من الوعي والحلم، من اليقظة والغفوة، من التعقل والجنون.

يصوّر مانغويل في روايته بطله ستيفنسن، يقترب عبره من عالم الكتابة أكثر، يصوّره وهو يحاول كتابة رواية، وكيف تتدفق الكلمات على الورقة أمامه، يشعر كأن معجزة حدثت، تنساب الكتابة جميلة أمامه، يستعين بملاحظة لهنري جيمس يقول فيها إن ما يتمنى فعله هو تجويع حاسة البصر حتى إماتتها في كتبه، وذلك في سياق البحث عن صيغة مفترضة للكتابة بعيدة عن النعوت الكلاسيكية، وما يمكن تسميته بالتوصيف المجاني.

يدير مانغويل سجالاً بين بطله ستيفنسن وقرينه بيكر عن جدوى الكتابة ودورها في العالم، يقول بيكر إنه ليس لديه الوقت لسفاسف الروايات، وإنها أكاذيب، وإنه حري بمقامنا القصير على الأرض أن يكون وقتاً للإصلاح والتعلم، لا للتبذير والتوهمات، وأن هناك كتاباً واحداً يوليه كل انتباهه وهو لا يهرف بالقصص الخرافية.

يحاول ستيفنسن الدفاع عن نفسه، يشعر كأنه متهم، وهو الذي كان قد جهر له بأنه كاتب، ويذكر له أنه كل ما يرمي إليه من وراء حكاياته هو تقديم العون عبر قليل من المتعة، وقليل من السعادة، ويرى أن ذلك واجب الكتاب. وحين يسأل صديقه عن ذلك، يجيبه بأن السعادة ثواب وليست حقا من الحقوق. يقول له إنه لا يؤمن بواجب السعادة.

كما تقدم الروائية الإيطالية ريتانا أرميني في روايتها “عشق سري.. حكاية إينيسا ولينين” صورة مختلفة عن المألوفة والشائعة للزعيم السوفييتي الراحل فلاديمير لينين الذي تشير إلى أنه كان يحتفظ بسر خاص به، وهو علاقة عشقه برفيقته إينيسا أرماندي التي كانت رئيسة قسم الشؤون النسائية في اللجنة المركزية للحزب البلشفي.

تناولت أرميني سيرة إينيسا أرماندي التي تعدّ رائدة من رائدات الحركة النسوية العالمية، من أكثر من جانب، تجمع الحكايات والروايات عنها، إضافة إلى قراءتها وتفكيكها واستنطاقها وتأويلها للأحداث والمواقف، تسرد ما دونه التاريخ الرسمي، بالموازاة مع التاريخ المضمر الذي ظل في الظل من الرسمي وبعيداً عنه.

لعلّ التحدّي الذي سيبقى متجدّداً بالنسبة للروائيّين النابشين في خفايا الشخصيات التاريخية هو إضفاء المعاصرة عليها من دون أن يستلبها بهجة كلاسيكيّتها المثيرة.

15