الكلمات توجعني وأكتبها

الأحد 2016/04/24
الشعلة التي تقاوم الرّيح

وأنا طفلة، كان من ضمن ما تسرّب في صفحة الوعي الباكر محفوفًا بأسئلة الاستفهام، مشهد دموي لم تمح كل السنوات التي عشتها هوله من ذاكرتي حتّى والوهن يتهدّدها، مشهد رجل منكفئ على جسده الهامد مذبوحًا والدم يلطّخ ثوبه، خيّم بالصدمة والهول على صبيحة قريتنا الهادئة.

مشهد تكفّلت أخبار لاحقة بجعل تقبّلنا له على غير الحدّة المتوقّعة، خصوصًا أن أهالينا أجمعوا على التشفّي في الخائن الذي نال ما يستحقّ من جزاء فقد وشى للمستعمر الفرنسي حينها ببعض المقاومين من جبهة التحرير بالجزائر. كان الحدث مناسبة لأدرك ما كان يدور في الجزائر الشّقيقة وفي فلسطين بالخصوص من حرب وقهر وظلم ومقاومة، وأنّ الخيانة لا تواجه بغير الدم. والوطن لا يسترجع بغير الدم.

متى كانت قلوبنا نحن أبناء الشعوب العربية خالية من شبح الدم! نراه بالعين في ما عشناه أجيالًا من معارك وحروب، ونتصوّر دفقه عبر صفحات تاريخنا "الموشّى" بالمعارك والمرقّش بالجراحات والمآتم والمناحات.

الدم مقترن بأفراحنا، منذ يراق دم الصّبي بالختان ومنذ تلطّخ قطراته دانتيلا البنت دليلًا للعفّة.. حين بكيت جزعًا يوم نُحر خروف تعلّقت به أيّامًا، صاح بي والدي أنّه فداء لإخوتي الذكور الذين كانوا سيذبحون تباعًا لولاه.. صعقني جوابه فتداخلت أمام عيني مشاهد الذبح بالجـملة لإخـوتي الـذّكور.

مع تقدّم الوعي وتداعي الأحداث في الشرق العربي وقد وعيتها باكرًا تلك التي أقضّت أخبارها مضاجعنا، بات لديّ شبه قناعة أنّ الدم من ثوابت الأقدار العربية القاسية، يزهق بأيد معروفة وبأيد مجهولة، بأيد الغريب وبأيد الأخ وابن العم.. دماء تهدر في العتمة وزوايا النسيان، وتارة في وضح الضوء وعلى واجهة الجهر.

دماء تراق هونًا ومجانًا تلاشت نداءات الثأر لها حتّى أخرست الشهقات دونها.. بتنا ننام على أخبار قتلى الحروب والمعارك غير المتكافئة والاغتيالات والمداهمات والاعتداءات.. لا تستثني أدوات الموت رضيعًا لم يدرك الفطام، أو صبيًا لا يميّز التمر من الجمر، أو شيخًا نال منه الوهن.

كل الدّماء مباحة، والأمرّ أنّها زهيدة لا تساوي في كفة العدل الإنساني حبّة خردل. الدم العربي كدمع اليتامى، عوّدتنا النكسات على هدره وزهد ثمنه، وتيبّست في حناجرنا المراثي والنّواح. لا أستثني نفسي ممن امتشق الكتابة منفى لروحه.

هي حصن يقيني الانهيار، مصل ضدّ الجنون أمام سريالية المشهد العربي بالذّات، أشهر كلمتي إدانةً ورفضًا في محاولات لهمز الحسّ الجماعي الذي بات يلتقم من ثدي العادة بلادته حيال الأحداث وبرودته ويأسه.

أقف بعزيمتي ككاتبة بين رفع وخفض، بين قنوت وأمل، وخمود وثورة، في دوّامة زمن ينزف فيه الجسد العربي دم الخذلان والفرقة، أنزف بنصل الكلمات، توجعني وأكتبها عساها تصبح ذات مرّة نصل الثأر. والشعلة التي تقاوم الرّيح وتحفظ التاريخ الصادق من الزّيف والنسيان. نكتب الوجع بكل مراتبه خارج القوالب أحيانًا كما تستدعي منعرجات الحال.

كاتبة من تونس

13