الكلمات والصور

الاثنين 2017/01/16

العلاقة بين الكلمة والصورة تظلّ مثار ولع للكثير من الأدباء والروائيّين، يعالجها كلّ واحد منهم بطريقته الخاصّة، ووفق رؤيته لعالم الصورة وميادينها، وساحات الكلمة وتأثيراتها، ينسج حبكة تجمع بين سحر الصورة وأثر الكلمة، بحيث تتجدّد العوالم بتجدّد الصور وقراءتها وترجمة ما تستبطنها أو تتكّتم عليها ومن ثم تكشفها لعين القارئ أو خيال الروائيّ المترجم لخباياها.

الروائية التشيلية إيزابيل الليندي كانت سباقة في معالجة ذاك الخيط اللامرئي بين الكلمة والصورة، اقتحمت في روايتها “صورة عتيقة” عالم التصوير من خلال عدسة بطلة من بطلاتها تحاول اكتشاف العالم والتقاط جمالياته، وإذ بها تكتشف حقائق صادمة عن محيطها، تتفاجأ بما تخبرها به الصور التي تلتقطها، والتي كانت تبدو لها في الواقع بسيطة وعادية، لكنها استبطنت الكثير من الأسرار والمعاني، وهنا كانت الصور كشّافة لما بعد الصور، لما في الصدور.

كذلك تناول الأرجنتيني ألبرتو مانغويل (بوينس آيرس 1948) في روايته “عاشق مولع بالتفاصيل” جانباً من سبل تخليد اللحظة وتثبيت الموقف بحصرها وتقييدها في صورة، بحيث أن الصور المختلفة المتعددة تخلق عالماً بديلاً لبطله، يمارس فيه سطوته ونفوذه واستحواذه على ما لا يمكنه في الواقع.

يشير مانغويل في روايته على لسان بطله فازانبيان في مذكراته إلى أن صوره تتيح له الاستمرارية التي يعجز عنها جسده، وتمنحه الزمن. ويكون منح الزمن استعارة عن منح تلك السعادة التي تضخّ الصور الملتقطة ديمومة فيها، تتجدد بمجرد استعادتها وإعادة التأمّل في تفاصيلها. ويكتب بطل الرواية فازانبيان في يومياته أن الفارق بين التصوير الفوتوغرافي والنظر هو أن فعل الأول يدوم إلى الأبد، فيما يحدث فعل الآخر في شذرة زمنية لا تشبع حواسه الشرهة على الإطلاق. ويقول إنه اكتشف منذ زمن أن الحزن والخواء اللذين يقهران فعل الحب يحيلانه ليصبح غير مرغوب فيه في نهاية المطاف. ويؤكد أن الوهم الأبدي لجنة أبدية لن يعزّيه، ولن يغرق في الاكتئاب.

يبدأ بالتقاط الصور من زوايا مختلفة لتفاصيل الجسد، أصبح الحمام العمومي بالنسبة إليه ميدان ولع بعدما كان مركز عمل ممل، بدأ يصطاد لقطاته، يقتفي أثر الزبائن، يتلصص عليهم من خلف الأبواب، يبقي كاميرته متأهبة لالتقاط أدنى تفصيل، ومن دون أن يتقصد تنويع فنه، كانت التغيرات تتسلل إلى صوره، انطلاقاً من التفاصيل التشريحية الدقيقة والمجهولة تطور إلى رؤية أوسع، أو أضيق، للجسد البشري.

الصور التي تكون نقطة ولع واستقطاب تتحوّل إلى لعنة ودمار، فكما أنّ الصور كشفت لبطلة الليندي عالماً مزيفاً وحباً محرماً وواقعاً عارياً كذلك دفعت بطل رواية مانغويل إلى اختيار نهاية مأساوية، يودي بنفسه وصوره، يلتقط صورة أخيرة لكن بعدسة أخرى غير مرئية، وكأنّه بتحديه لسلطة قاهرة انجذب إلى صراع خاسر في لعبة الخلود؛ التي تتبدّى لعبة من لعب الحياة، أو وهماً من أوهامها نفسها.

كاتب من سوريا

15