الكلمة الأخيرة في قيمة العمل الفني هل يحدّدها الناقد أم السوق

الثلاثاء 2017/04/25
عمل فني غير معنون للفنان الأميركي جان ميشال باسكيات

ما الذي يحدد قيمة العمل الفني؟ ولماذا يدفع البعض 60 مليون دولار لاقتناء لوحة رسمها شاب قضى نحبه بجرعة زائدة من الهيروين وهو في سن السابعة والعشرين.

دار سوثبي للمزادات في نيويورك توقعت أن يباع عمل فني غير معنون يرجع تاريخه إلى عام 1982 للفنان الأميركي جان ميشال باسكيات، عندما كان غير معروف تقريبا في عالم الفن، بأكثر من 60 مليون دولار في أيار/ مايو القادم.

وأشارت سوثبي إلى أن تلك “التحفة” تم عرضها في البداية في معرض قبل أن تباع في مزاد عام 1984 مقابل 19 ألف دولار، وأصبحت جزءا من مجموعة مقتنيات خاصة لأكثر من ثلاثين عاما.

ويشار لباسكيات، الذي توفي عام 1988، اليوم كواحد من الفنانين الأميركيين الأكثر أهمية في العقود الماضية.

الأرقام التي يصفها البعض بالفلكية تثير جدلا من حين لآخر طارحة السؤال حول قيمة العمل الفني.

هل القيمة التي تضفيها صالات المزادات وتجار الفن على الأعمال الفنية قيمة حقيقية أم قيمة مزيفة؟ وهل حقا أن تسويق الأعمال الفنية هو في جزء منه عملية تبييض للأموال وبيع للوهم؟

عندما يمر يوميا آلاف الزوار لمتحف اللوفر من أمام لوحة الجوكندا (الموناليزا) لفنان عصر النهضة ليوناردو دافينشي ماذا يرى كل منهم؟ هل المشهد واحد بالنسبة للجميع؟

كم من هؤلاء الزوار الذين ترتسم على وجوههم علامات الإعجاب والخشوع، يقدر عددهم بستة ملايين زائر سنويا، يعلم قيمة اللوحة. يبدو أن هذا ليس بذي أهمية.

غالبا يقف معظمهم، إن لم يكن جميعهم، أمام الابتسامة الغامضة، مسلّحين بمعلومات وأحكام مسبقة سمعوها أو قرؤوا عنها في مكان ما، لا يستطيعون تحديده.

بالنسبة للمشاهد العادي أهم ما يميز لوحة الجوكندا هو نظرة عينيها وابتسامتها الغامضة، التي قيل إن دافينشي كان يستأجر مهرجا لكي يجعل الموناليزا تحافظ على تلك الابتسامة طوال الفترة التي استغرقتها عملية الرسم.

الفن اليوم بالنسبة للمقتنين لا يختلف البتة عن سبائك الذهب بالنسبة للمستثمرين، إنه ملجأ آمن في عالم اقتربت فيه نسبة الفوائد التي تمنحها البنوك إلى الصفر، أو أدنى من ذلك أحيانا

اختلف النقاد والمحللون حول تفسير البسمة، منهم من يشك في أن تكون نتيجة لشلل خفيف أصاب الوجه، ومنهم من رأى فيها تجليات لعقد جنسية مكبوتة لدى الفنان.

ولكن هل تستحق تلك الابتسامة مهما بلغت درجة غموضها كل هذا الاهتمام وكل هذه الحراسة.

استطاع نقاد الفن ومؤرخوه والقائمون على إدارة المتحف إضفاء قيمة على العمل ساهمت في وضع اسم اللوفر كمعلم يجذب 10 ملايين زائر سنويا.

موسوعة غينيس للأرقام القياسية أشارت إلى أن لوحة الموناليزا حظيت بأعلى قيمة تأمين للوحة فنية في العالم. تم تأمينها بمبلغ 100 مليون دولار وذلك عام 1962. لكن متحف اللوفر اختار أن يصرف المبالغ المخصصة للتأمين على الحراسة والأمن بدلا من ذلك. وعند تقدير نسبة التضخم منذ ذلك التاريخ فإن اللوحة تقدر قيمتها اليوم بأكثر من مليار دولار. عند الحديث عن قيمة عمل فني يجب أن نميز بين مفهومين؛ الأول هو القيمة الفنية للعمل، والثاني القيمة المادية. قيمة العمل الفنية تحددها عوامل عديدة متداخلة لا يمكن فهمها إلا في محيط الحركة التشكيلية والفنية عموما، وهذا يحتاج إلى أهل الخبرة والتخصص. أما القيمة المادية فهي لعبة خبراء التسويق وصانعي الخرافة.

الفن اليوم بالنسبة للمقتنين لا يختلف البتة عن سبائك الذهب بالنسبة للمستثمرين، إنه ملجأ آمن في عالم اقتربت فيه نسبة الفوائد التي تمنحها البنوك إلى الصفر، أو أدنى من ذلك أحيانا.

آلاف الأعمال الفنية، دفع مقتنوها ملايين الدولارات، تنتهي إلى أقبية معتمة مصفحة بالفولاذ ومحصنة بأقفال ضخمة، تعتق هناك كما قوارير الخمر، لا تبارح العتمة إلا لتعرض ثانية في صالات المزاد طمعا في تحقيق ربح خرافي.

يقال إن بريق الذهب يجذب المستثمرين، وكذلك هو أيضا حال العمل الفني، يحتاج إلى صاغة يضفون عليه اللمعان، سلاحهم في ذلك حكايات تثير الخيال، عن فنان فقد عقله، وآخر غرق في بحر المخدرات، وثالث عاشر بائعات الهوى في المولان روج متنكرا لجذوره الارستقراطية، ورابع قطع أذنه وأقدم على الانتحار في حقل قمح تحوم في سمائه الغربان.

ابتسامة الجوكندا وأعمال باسكيات وفان كوخ وتولوز لوتريك وجاكسون بولوك وآندي وورهول خرافات لا تقدر قيمتها بالنسبة لصالات الفن بثمن، خرافات صنعها النقاد والزمن.

للمزيد:

◄ المزادات الفنية كذبة.. هل علينا أن نصدقها

◄ ضرورة الفن تكمن في معناه وغايته

12