الكلمة بين الأديب والسياسي

الاثنين 2016/08/01

يظلّ السؤال عن ماهيّة الكتابة متجدّدا، ولا يزال الأدباء يحاولون تقديم مقترحاتهم انطلاقا من تجاربهم الذاتيّة ورؤاهم لعالم الكتابة والفكر، وتصوّراتهم ومعايشاتهم ومعايناتهم في الوقت نفسه. ويكون السؤال التالي عن هذا السرّ المتعلّق بالكلمة المكتوبة وتأثيرها وصداها عبر الزمن، وكيف أنّها تكون عابرة للحدود المكانية والزمانيّة، لترسم معالم المنعطفات التاريخيّة التي تمرّ بها الشعوب في مسيرتها نحو الحداثة المأمولة.

ربّما يعتقد البعض أن توصيف الكلمة بالبضاعة قد يسيء إلى مضمونها وجوهرها، لكن في الواقع يتمّ إخراجها في الكثير من الأحيان من مسارها المتخيّل إلى مسارات موظّفة بحسب الرغبة، وهنا يكون الخطر كبيرا حيث التلاعب بالعقول، وقد تساهم في خلق آراء مغالطة عن وقائع بعينها، وما التعاطي الإعلاميّ مع الكثير من الحوادث في الشرق والغرب إلّا دليل بسيط على إخراج الكلمة من سياقها أو توظيفها في سياقات مسيّسة.

الكلمة بالنسبة إلى الأديب عالم مشبع بالحساسيّة، هي غاية ووسيلة في الوقت نفسه؛ تكون سبيله إلى ذاته والآخرين، ينطلق عبرها إلى عوالم أكثر رحابة، يمهّد للمساهمة بقسطه في التنوير الذي ينشده ويفترضه، ويبقي على جذوة الأمل متّقدة لكن بوعي ومن دون تجاهل الحواجز والعوائق المحتملة، في حين أنّ الكلمة نفسها تكون وسيلة لدى الكثير من السياسيّين للمناورة والإيهام بما لا يكون، وترقيع الواقع وإبقاء التابع والمتابع على أمل لا يتحقّق.

لا يخفى أنّ الثورات العربيّة منحت الكُتاب العرب هامشا أكبر للتعبير عن آرائهم، وأعادتهم إلى الواجهة لفترة، وقد حاول البعض منهم لعب أدوار سياسيّة، ظانّين أنّ الكاتب الذي يحترف التعامل مع الكلمة، يمكن أن يؤدّي دور السياسيّ الذي تكون الكلمة زاده ووسيلته أيضا.

لا يخلو العمل الكتابيّ من معوقات ومشقّات تعترض سبيل الكُتّاب بين الحين والآخر، قد توصل بعضهم إلى هجر عالم الكتابة، والتخلّي عن هذا الحلم الذي يتحوّل بالنسبة إليه إلى كابوس، حين يصطدم بالواقع وعوائق النشر، والتسويق، والشلليّات التي تكاد تحبطه وتخرجه عن طوره، فينزوي وينعزل ويسعى إلى كتابة شخصيّة قد لا يدفع بها إلى النشر. لكنّ هناك من السياسيين الذين لا يقنطون من ألاعيب السياسة ولا يفكرون في هجرها، بل تراهم غارقين فيها غائصين في وحولها، لا ينظرون إلى مسار آخر.

قد تمضي الكلمة، في مسار آخر تتحوّل لدى البعض من ممارسي السياسة، وتجّار الدين، إلى بضاعة للمخادعة وتسويق الأفكار البائسة، لكنّها تظلّ عالم الكاتب الأثير الذي قد يراجع نفسه يوما، أو يعترف بخطئه بعد فترة من الممارسة، ويواجه نفسه بمنطق مسؤولية الكلمة، لا بمنطق انتهازية المنقضّ على انتفاع مؤقّت في حقل السياسة والدين.

كاتب من سوريا

15