"الكمال" قصيدة بصرية بطلها شخص يغامر في متاهة غامضة

فيلم "الكمال" يخرج على النمطية السائدة في اتجاه تحريك ذهن المشاهد نحو القراءة المختلفة والاستنتاجات والتأويلات غير النمطية.
الاثنين 2020/03/09
يعيش تجربة في عالم الصور والكوابيس

عنصر الاكتشاف والمفاجأة هو أحد العناصر المميزة في سينما الخيال العلمي ونجدها حاضرة في فيلم “الكمال” للمخرج إيدي ألكازار وذلك من خلال تكثيف استخدام عناصر الصورة والحركة والأحداث لكي تقودنا باتجاه اكتشافات أخرى لم تكن في الحسبان. هنا تبرز قيمة المكان المتخيل وكذلك الأحداث المتخيلة والتي خرجت في هذا الفيلم عن إطار الزمان والمكان الواقعيين. هنا سوف تتكامل عناصر الصورة والحركة والأحداث لكي تقودنا باتجاه اكتشافات أخرى لم تكن في الحسبان.

دأبت التجارب السينمائية على توسيع مساحة الترقب ومتعة الاكتشاف. وفي موازاة ذلك كان عنصر الخيال هو الذي يحرك تلك الفاعلية الإبداعية في أفلام الخيال العلمي. من هنا نجد أن ثيمة الخروج على الزمان والمكان، وإن كانت تتكرر في العديد من أفلام الخيال العلمي، إلا أنها في كل مرة تكتسب جاذبيتها الخاصة وخاصة مع الشخصيات الإشكالية التي تحاول إنقاذ نفسها من إطار الواقع المطبّق عليها.

من هذا المنظور سوف نتوقف عند هذا الفيلم للمخرج إيدي ألكازار الذي سوف ينقلنا إلى سيل كثيف ولافت للنظر من الصور والرموز والتأويلات وجميعها ترتبط بشخصية لا نعرف اسمها.

الشخصية الرئيسية هنا هي شاب (الممثل كاريت وارينك) يجد نفسه في مأزق مفاجئ عندما يستيقظ  فيجد صديقته وقد تلطخت بالدم وفارقت الحياة.

لا يكاد عقل الشاب يتحمل هول الصدمة فلا يجد ملاذا وحلا سوى مساندة والدته (الممثلة آبي كورنش) التي سرعان ما تنتزعه مما هو فيه وتنقله إلى عالم آخر غرائبي بالكامل. وهنا سوف تتحقق فكرة الاكتشاف والدهشة التي تحدثنا عنها. المكان أشبه بمنتجع هائل حيث يجد ذلك الشاب نفسه وقد خضع مباشرة إلى سلسلة من التقييمات التي تجعله جزءا من منظومة متكاملة إذ يتناوب على التواصل معه بشر وروبوتات وخلال ذلك يبدأ بالانفصال التدريجي عن الواقع.

متاهة رسمها المخرج على أساس وجود الممثل الواحد في خيار استثنائي مثير
متاهة رسمها المخرج على أساس وجود الممثل الواحد في خيار استثنائي مثير

في القسم الأول من الفيلم كانت هنالك مجرد الرغبة من طرف الشاب في التخلص من مأزق فقدان الصديقة لكن المراحل الأخرى لم تكن إلا سلسلة من التداعيات الغامضة وشديدة التعقيد.

وكأن ذلك الشاب يعيد اكتشاف الحياة وكل ما حوله من جديد وكأنه يدخل في دوامة أشخاص يعرفهم بشكل مّا ويعرفونه لكنهم في الوقت نفسه يتوارون بعد تواصلهم معه.

البيئة الرقمية المتطورة التي وجد الشاب نفسه فيها لم تفارقها الطبيعة والماء بشكل خاص والامتدادات الكثيفة للأشجار وكأننا في وسط بيئة استوائية.

ومع كونها بهذه المواصفات إلا أن المشاهد المتتابعة حمل كل منها تفصيلا مكانيا مختلفا في إطار اكتشاف المكان وبذلك يخرج الفيلم عن النمطية ومحدودية المكان إلى عناصر جمالية ومتعة اكتشاف مختلفة أسبغها المخرج على المكان. كل ذلك جعل الشخصية تدور مع نفسها في دوامة لا نهاية لها وقد أسرف المخرج في تلك الدوامة حتى جعلها مغلقة على الشخصية التي بدت مستسلمة للواقع الجديد الذي بدأت تعيشه وتتفاعل معه ما بعد واقعة موت الصديقة والاستغراق في هذا العالم الجيد.

في المقابل هنالك تكثيف شديد للصورة وتتابع مونتاجي يذكرك بتلك الفصيلة من الأفلام الانطباعية والتجريبية حيث تتوالى التداعيات الذهنية والرمزية وتتسع مساحة التأويل إلى مدى بعيد.

وهنا سوف نتوقف عند نسيج المجهول الذي صار امتدادا تكامليا لحياة ذلك الشاب الذي انغرس في وسط المتاهة الحسية والمكانية. متاهة رسمها المخرج على أساس وجود الممثل الواحد وهو في حد ذاته خيار استثنائي مثير تم من خلاله رفد الأحداث بمزيد من الأماكن المغلقة التي تستكشفها الشخصية.

هذا النوع التعبيري من أفلام الخيال العلمي يقدم لنا صياغات مفتوحة وحلولا بصرية ولونية واسعة قابلة لكثير من التأويل لاسيما مع غياب أو تغييب عنصر الدراما والشخصيات التي تواجه بعضها بعضا والأحداث التي تنبثق من خلال الصراع.

كل ذلك لا بد وأن يعيدنا إلى إشكالية أخرى تتعلق بمتعة الاكتشاف المكاني، فالفيلم يقدم كثافة تعبيرية فيما يتعلق بجغرافية المكان، والتي تتزامن مع ما يشبه حالة الانسلاخ التي تعيشها الشخصية وهي تخرج من طورها السابق إلى طور جديد باتجاه التخلص من محنة الفقدان التي عاشتها.

الشخصية الرئيسية شاب يجد نفسه في مأزق غير متوقع عندما يستيقظ فيجد صديقته وقد تلطخت بالدم وفارقت الحياة

المكان المدهش والمتحول تعززه صور كثيفة ومستويات لونية واسعة، واستخدامات للإضاءة الخافتة والتصوير في أماكن مظلمة، وبذلك يجري تكثيف عنصر الغموض في هذا الفيلم وجعل مواكبة الشخصية الرئيسية مبررا لمحاولة الخروج من العتمة الثقيلة.

ولو توقفنا، من جهة أخرى، عند مرحلة من تحولات الشخصية، فكأن ما كانت تحمله من تبعات قد توارى لنجد في مقابل ذلك شخصية غرائبية تعيش الاكتشافات المتلاحقة للعديد من الشخصيات والعديد من الأماكن علّها تعثر على ذاتها في وسط تلك الدوامة شديدة الصرامة.

لا شك أن فيلما من هذا النوع ووفق هذه المعالجة السينمائية هو ليس فيلما يمكن أن يحظى بشعبية، بل إنه فيلم يمكن أن يصنف ضمن دائرة ما هو نخبوي وذو مميزات خاصة في المشاهدة، لكونه يخرج على النمطية السائدة في اتجاه تحريك ذهن المشاهد نحو القراءة المختلفة والاستنتاجات والتأويلات غير النمطية، من خلال تحليل العناصر البصرية والسمعية والكيفية التي تم فيها بناء المشاهد وتتابعها المونتاجي.

16