الكمال وفخ التأويل

الاثنين 2018/01/15

يبدو الكمال منشود الإنسان ومراده المتجدّد عبر الزمان، يدفع صاحبه إلى بذل ما يمكن من أجل الوصول المستحيل إليه، وتكون الاستحالة محرّضة أكثر على المحاولة والاجتهاد لتحصيل ما يتيسّر منه، بحيث يكون الكمال عبارة عن سلسلة من الأمنيات الرابضة على درب حياة الإنسان المحدودة.

النقصان يلازم الإنسان طيلة حياته، يظهر كصفة ملتصقة به، يلوّن تجاربه ويضفي عليها نوعاً من التشويق والتحريض معاً، تشويق لمعرفة مكامن النقص الذي يتخلّل التجربة في محطة من محطات حياته، والتحريض على تجاوز ذاك النقص وتلافي الخلل بحثاً عن الكمال المتعذّر على المحاصرة والبلوغ.

يحكي تولستوي في اعترافاته التي لا تخلو من جلد للذات، ونقد لتجربة الحياة التي عاشها، عن الوهم البشري المتمثل في الكمال، وكيف أنه قد جرب الوصول إلى الكمال الفكريّ، ودرس كلّ ما بلغت إليه قوته من مواضيع الحياة، وجاهد طويلاً لإنماء قوّة إرادته واضعاً لنفسه قواعد للعمل بها بدقة وصرامة، وبذل قصارى جهده لتقوية جسده بالرياضة المتنوعة التي تعمل على صلابة العضلات والاحتفاظ بالقوة البدنية، وعوّد نفسه الصبر واحتمال المشقات والآلام الاختيارية، وكان ينظر إلى جميع ذلك نظرته إلى أعظم وسائل بلوغ الكمال المنشود.

كما يذكر أنّه في بداية عمله كان يعتقد أنّ الكمال الأدنى هو غايته الرئيسة، ولكنه لم يلبث أن وجد نفسه ساعياً وراء الكمال العام في جميع الأعمال. أو بعبارة أخرى أنه لم يرغب في الكمال أمام نفسه أو أمام الله، بل بالكمال أمام جميع الناس، ولكن هذا الشعور بمحبة الكمال في عيون جميع الناس لم يمضِ عليه ردح حتى تحوّل إلى رغبة في الحصول على قوة ليس للناس مثلها، والبلوغ إلى أقصى ما يكون من الشهرة والثروة والمجد. ثمّ عاد بعد ذلك إلى تقديس الإيمان وكيف أنّ الحياة تخلو من المعنى بصيغة مؤلمة حين تغرق المرء في أوهامه القاتلة.

ربّما تظلّ صفة “الأعمال الكاملة” لكاتب ما مشوبة بالنقصان، وإن كان القصد منها غالباً الإشارة إلى كلّ ما نشره الكاتب طوال مسيرته الكتابية، لكن الإشارة تحمل في ذاتها معنى الكامل الخالي من أي نقص أو خلل، وهنا فخّ المعنى والتأويل. ويزداد الأمر توريطاً في المجاز، حين يكون كاتب ما على قيد الحياة، وينشر أعماله الكاملة، وكأنّه يحكم على نفسه بالانتهاء ككاتب، والاكتمال في دائرة النقصان التي يبقى نزيلها.

لعلّ ميزة الإبداع متمثّلة في النقصان، وأنّه يلغي فكرة الكمال، ويبقي المرء متحفّزاً للبحث عن دروب تفسح له المجال للإبحار نحو فضاءات الحلم بالكمال العصيّ على البلوغ.. هنا يكون جمال الأدب بالنقصان.. وما الكمال إلّا خدعة أدبيّة لإبقاء جذوة الحلم والأمل والإبداع متّقدة في أرواح أصحابها.

كاتب سوري

15