الكمامات تصيب حيوانات السيرك المصري بالاكتئاب

الأسود والنمور وجدت في الأفلام ملاذا لتعويض غياب العروض.
الثلاثاء 2020/10/06
إحساس متبادل

عادت تدريجيا عروض السيرك المصري بما تحويه من استعراضات فنية مثيرة. لكن الحيوانات المفترسة ما زالت لا تستطيع التأقلم مع الوضع الراهن، بعد فترة طويلة من التوقف أبعدتها عن الجمهور، إثر غلق دور السيرك لأشهر طويلة ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة فايروس كورونا.

القاهرة – لم تغب فاتن الحلو، التي أسّست مع والدها أول سيرك مصري خاص في ثمانينات القرن الماضي، عن اصطحاب بناتها لتدريب الحيوانات المفترسة وتقديم الطعام والشراب، وإخراجها من الحالة النفسية السيئة التي أصابتها بسبب الوحدة، مع تقلّص عدد عروض السيرك المصري وفق الإجراءات الاحترازية لمواجهة تفشي الوباء.

كانت الأسود والنمور بحاجة لإعادة فتح السيرك أمام الجمهور بشكل دائم، لتعلو بزئيرها وقفزاتها المثيرة والمروّعة أمام مروّضيها على صوت تصفيق الحاضرين.

ومع اقتصار العروض على يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، بنسبة حضور 25 في المئة من سعة القاعة، أصبحت الحيوانات حبيسة الغرف الحديدية وقتا طويلا.

عندما يحين موعد العرض بحضور الجمهور، تصطدم الحيوانات بمشاهد غير مألوفة داخل القاعة. نعم هناك أناس يصفقون ويتفاعلون، غير أن ملامحهم تكاد تختفي وراء الكمامة التي تغطي نصف الوجه، ولأنها ذكية وتركّز في التفاصيل الدقيقة، تشعر الحيوانات بالريبة تجاه الحاضرين وقد لا تقدّم أفضل ما لديها من عروض.

وقالت فاتن الحلو لـ”العرب”، “إن الحيوانات لم تعد حالتها النفسية كما كانت، وأصبحت تقضي أغلب الوقت في الاسترخاء والنوم، ويكفي النظر إلى عيونها لاكتشاف مدى الحزن الذي يسيطر عليها لتبدل أحوالها، ولو كانت تتحدّث لتوسّلت لوباء كورونا أن يرحل بلا رجعة، كي يعود إليها الجمهور بكامل العدد والعدة مرة أخرى، وتقدّم العروض الشيقة مع مدربيها داخل الحلبة”.

تمتلك الحلو، أكثر من 30 أسدا ونمرا، إضافة إلى عدد من القطط والكلاب والثعابين والطيور بمختلف أنواعها، ولكل من هذه الحيوانات مدربها الخاص. وتختصّ حديقة حيوانات الجيزة، أقدم وأكبر الحدائق في مصر بتوفير متطلبات السيرك من الحيوانات، شريطة الحصول على التراخيص الرسمية اللازمة.

تدريب مستمر

الوباء يسرق البهجة من العروض
الوباء يسرق البهجة من العروض

لم تتوقّف التدريبات والبروفات يوما واحدا، لكنها تكون مقتصرة على الحيوان ومروّضه دون مشجعين، وتستغرق نحو ساعتين، بهدف تجنّب وجود فجوة نفسية بين المدرب وبين الحيوان المسؤول عنه، فالأسد بحاجة دائمة إلى أن يتدرّب حتى لا ينسى ما تعلمه من حركات وقفزات أو يفكّر في أن يكون مفترسا حتى تجاه مروّضه.

وأكثر ما يخشاه المسؤولون عن السيرك أن تكون هناك موجة ثانية لجائحة كورونا، حينها ستصل الأمور إلى نقطة النهائية، فقد ينقرض هذا الفن من البلاد كليّا، أمام تعاظم الخسائر المادية، وندرة الموارد، وحاجة الحيوانات إلى تكاليف باهظة نظير التدريبات وتوفير الطعام والشراب والإقامة والعمالة الدائمة.

وتأسّس السيرك المصري خلال عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، عندما كانت لديه إستراتيجية شاملة بأن يصبح الفن قوة ناعمة للدولة، فاهتم بكل ما يرتبط بالفنون. واستعان حينها بإبراهيم الحلو باعتباره الأب الروحي للمهنة آنذاك، واستقبله بقصر عابدين واتفق معه على قيادة المهمة، وتعهّد بتوفير كل احتياجاته من حيث المكان والحيوانات بأعداد كبيرة.

وتعدّدت أجيال عائلة الحلو، وتخصّص أغلب أفرادها في تربية وترويض الحيوانات، وقرّروا أن تكون لهم مدرسة خاصة مستقلة عن الحكومة، فأسّسوا السيرك المصري الأوروبي، واستعانوا بخبرات دولية من روسيا وكولومبيا وإيطاليا، وحظوا بشهرة عالمية، إلى درجة أنهم أبرموا شراكات مع السيرك الروسي، وسيرك ريفيرا الفرنسي، وسيرك هوليوود، فصاروا أكثر خبرة وكفاءة وجماهيرية.

وما زالت العائلة تحظى بشعبية جارفة بين الأوساط المجتمعية والأسر الشغوفة بالسيرك، فأسماء المؤسّسين ما زالت راسخة في الأذهان، مثل الجد محمد الحلو، والجدة محاسن الحلو التي أطلق عليها المرأة الحديدية، لأنها كانت أول سيدة في العالم العربي والشرق الأوسط تدخل عالم ترويض الأسود، ثم توارثت أجيال العائلة المهنة منذ نعومة أظافرها.

اختفت الوجوه الأوروبية عن السيرك، وعاد الخبراء الأجانب إلى بلادهم، لتجد عائلة الحلو نفسها أمام مصير مجهول، فالشحّ المالي يطاردها، والحيوانات بحاجة إلى ثلاث وجبات طعام يوميا، والمفترسة منها لا تتناول سوى اللحوم الطازجة، والأكثر من ذلك، غلق الأبواب أمام الجمهور، ودخول كل حيوان في عزلة مع نفسه تكاد تعصف بحياته وتنهك قوته وتهوي بمهاراته.

علاقة حميمية

نجوم تلفزيون
نجوم تلفزيون

معاناة أشبال الأسود والنمور الصغيرة أقل من آبائها وأمهاتها، حيث يتم تربيتها داخل بيوت عائلة الحلو، تلهو وتلعب مع الأبناء الصغار ويشاركونها فراش النوم إلى حين بلوغها عامين، وبعدها يتم وضعها داخل غرف حديدية بالسيرك، وتهدف التربية المنزلية للمفترسات الصغيرة إلى أن تتعوّد على مروّضيها بعد الولادة مباشرة.

ارتبطت حيوانات السيرك بمدرّبيها حتى عودة الأمور إلى طبيعتها تدريجيا، بشكل قد لا يتخيله البشر، فالمتخصّص في ترويض الأسد أصبح يتعامل معه باعتباره ابنه، وأهم كائن في حياته، ويستحيل أن يتناول طعامه وشرابه دون وجود مروّضه، وهو الوحيد القادر على مؤازرته عندما أجبرت الظروف الجمهور على أن يقاطع العروض.

وتوفي أحد الأسود في السيرك المصري الأوروبي، في السبعينات من القرن الماضي، بعد أسبوع واحد من موت مدرّبه عندما هاجمه الأسد سلطان في نهاية العرض، فلم يتحمّل فراقه، وامتنع عن تناول الطعام والشراب، ورفض التدريبات، وانعزل مع نفسه داخل غرفته، حتى انتهت حياته تأثرا بوفاة مروّضه.

تبدو الواقعة خيالية، لكن ما يفعله المسؤولون عن السيرك تجاه حيواناتهم من أجل تجاوز أزمة كورونا كفيل بأن تدين لهم من أجله الحيوانات بحياتها. فقد اضطرت فاتن الحلو إلى بيع كل ممتلكاتها، من ذهب وسيارات وأراض وتستدين من البنوك والأشخاص لتوفير الطعام والشراب والمسكن الملائم لحيواناتها المفترسة.

وقالت لـ”العرب”، إنها تذهب كل يوم إلى السيرك الذي تمتلكه عائلتها لتلتقي الحيوانات في غرفها، وتقدّم لها الطعام والشراب وتجلس إلى جوار كل منها لبضع دقائق، وتهمس في أذنيه بهدوء وكأنه يسمعها، لتبلغه بأن الوضع الراهن لن يستمر طويلا، وتتلمّس جسده بهدوء لطمأنته والتهوين عليه ليشعر بالأمان والسكينة.

ولا تنسى فاتن الحلو نظرات الأسود إليها كلما جلست إلى جوارها، فرغم أنها حيوانات شرسة ومفترسة، لكنها بدت منكسرة ومحبطة. بعضها يرفض تناول الطعام إلاّ بعد تدليله ومداعبته وكأنه ناقم على حياته والظروف التي دفعته ليكون وحيدا ومحروما من التدريبات الشاقة والفقرات المثيرة، والتشجيع الجماهيري لحركاته.

وما زالت ابنتا فاتن، دهب وكاميليا، وهما مدرّبتان للحيوانات المفترسة، تقومان بأدوار أقرب إلى الطبيب النفسي لمساعدة الأسود والنمور والقرود تحديدا، على تجاوز صدمة التباعد بين العروض، فالجمهور لا يشاهدها سوى يومي الخميس والجمعة، وباقي الأيام بين أقفاص حديدية داخل السيرك، لا تخرج منها سوى وقت التدريبات.

صحيح أن الفقرات الجماهيرية صارت نادرة، لكن العلاقة بين الحيوانات ومدربيها أصبحت أقوى من أيّ وقت مضى، فهناك تقارب نفسي وإحساس متبادل بالمصير المشترك، وكل حيوان يُدرك ويفهم كم يجتهد مدرّبه لمساعدته في هذه الظروف الصعبة، فلم يتخل عن إطعامه وتدريبه واللهو معه حتى لو كانت فترات التلاقي مع الجمهور قليلة.

أسود في المنزل

الحيوانات ذكية تشعر بالريبة تجاه حاضرين تختفي ضحكاتهم لذلك لا تقدم أفضل ما لديها من عروض
الحيوانات ذكية تشعر بالريبة تجاه حاضرين تختفي ضحكاتهم لذلك لا تقدم أفضل ما لديها من عروض

عندما يشعر البعض من مروّضي الأسود بوصول الحالة النفسية لأحد الحيوانات المفترسة إلى مرحلة متدنية، يأخذه معه إلى المنزل، ليرى جمهورا من الأهل والأصدقاء.

هناك من حوّل بيته إلى حلبة صغيرة، يضع فيها مناضد صلبة ومقاعد خشبية لاستخدامها في تدريب وترويض الأسد أكثر من مرة، حتى يتأكّد من أنه عاد إلى حالته الطبيعية، ثم يعيده إلى غرفته بالسيرك.

وأكّدت فاتن الحلو لـ”العرب”، أن “بروفات العرض لم تتوقّف حتى اليوم برغم غياب الجمهور لفترات طويلة، لأن حيوانات السيرك تصاب بحالة سيئة وتشعر بأنها لم تعد لها قيمة، وجسديا تصبح عضلاتها رخوة، وبالتالي، لذلك تحوّل المدرّبون إلى مروّضين ومشجعين ومعالجين نفسيين ومقدّمي طعام وشراب، وعمال نظافة”.

ولا يختلف الأمر كثيرا بين السيرك القومي (عمومي) والمصري الأوروبي (خاص). فالأزمة بكل تفاصيلها تبدو متقاربة إلى حد بعيد، ويظل التشابه الأكبر بينهما، في استمرار التدريبات، لأن الحيوانات المفترسة إذا توقّفت لفترة عن الترويض والتشجيع وممارسة هواية القفز واللعب قد تتحوّل إلى مفترسة، وتنسى ما تعلمته وتركّز في أن تكون على الطبيعة التي ولدت عليها.

فاتن الحلو: مروضو الأسود تحوّلوا إلى معالجين نفسيين للحدّ من شراستها
فاتن الحلو: مروضو الأسود تحوّلوا إلى معالجين نفسيين للحدّ من شراستها

الفارق الوحيد تقريبا بين السيرك الخاص والقومي، أن الأخير توفّر له الحكومة دعما ماديا يساعده على مواجهة صعوبات وقف العروض، فلا يركّز المدرب سوى في صقل مهاراته خلال فترة غياب الجمهور، والبعض استغل أزمة كورونا ليجعل منها فترة تزاوج للحيوانات، بحكم أن موسم التزاوج يحدّده المدرّب وفق موعد الراحة السنوية التي يحصل عليها من السيرك.

وقال وليد طه مدير السيرك القومي لـ”العرب”، “إن الأزمة الكبيرة تكمن في استمرار غياب الجمهور بكثافة عن حضور العروض، لأن ذلك يؤثّر سلبا على الحالة المزاجية للحيوانات، فهي تعتبر مشاهد الزحام خلال الفقرات أكبر حافز لها على إخراج كل طاقاتها لتحظى باستحسان الجميع، وهو ما يحاول المدرّبون تجاوزه بالتقارب النفسي مع الحيوانات المفترسة”.

ويرتبط نشاط حيوان مفترس مثل الأسد، بتشجيع جمهور السيرك له. فتراه سريع الحركة والنشاط كلما اهتزت القاعة بالتصفيق، ما يساعد مروّضه على القيام بحركات شيقة ومثيرة وجريئة، لكن عندما يخيّم الصمت على المكان، ويصبح الاثنان وحيدين في قاعة خالية كما هو الحال خلال هذه الفترة، فمن الصعوبة أن يبتكر أيّ منهما.

ولا يمتلك السيرك القومي بمصر أسوده ونموره، كما الحال بالنسبة للسيرك المصري الأوروبي، لكنها ملك لصاحبها، ويتم التعاقد معه خلال فترة العروض، نظير مقابل مادي معقول، وتوفير الإيواء والطعام والشراب للحيوانات.

ورغم غياب العروض لظروف كورونا، وتقديمها ليومين أسبوعيا، لم يتخل السيرك عن دوره، وتحمّل الكثير من الخسائر المادية حفاظا على الحالة النفسية للحيوانات. وتظل الحيوانات الأكثر حظا التي تخرج من جدران السيرك، بأجوائه المحبطة والكئيبة، للمشاركة مع مروّضيها في أعمال درامية وسينمائية.

وتتبع الأسود والنمور التي تظهر في بعض الأفلام والمسلسلات السيرك، لأنها مدرّبة بشكل كاف ويمكن ترويضها بسهولة، حتى صار العمل الفني الذي يتضمن مشاهد إثارة وعنف ومطاردة يقوم بها حيوان مفترس، هو الملاذ لتعويض غياب العروض.

20