الكمبيوترات الكمية توسع دائرة معرفة البشر بالكون

يسعى العلماء نتيجة نفاذ التكنولوجيا بكل أدواتها وخصوصا أجهزة الكمبيوتر أكثر فأكثر إلى حياة البشر إلى إدخال المزيد من التحديثات على مجال الحوسبة، ويعتقد البعض أن إحداث ثورة في عالم الحوسبة الكمية من شأنه معالجة أعتى المشكلات المستعصية على البشر.
الاثنين 2017/04/10
حل مشكلات البشر المستعصية

لندن – يعتقد بعض الباحثين أن مستقبل البشرية رهين ما تحرزه الحوسبة الكمية من تقدم يقود إلى ثورة تكنولوجيا، معللين ذلك بأنه لا يوجد شيء يعمل على تغيير العالم أكثر من قدرة البشر على التعامل مع الحوسبة الكمية.

ووفقا لتقرير نشر مؤخرا بصحيفة “فاينانشيال تايمز”، فإن الحوسبة باتت تشكل حاجة أساسية في حياة البشر، إذ أن جزءا كبيرا من سكان العالم أصبحوا مرتبطين بكمّ هائل من البرمجيات التي ترافقهم أينما حلوا بفضل سرعة وسهولة الوصول إلى الإنترنت، بالإضافة إلى أغلب الوظائف الحالية صارت مربوطة بكابلات أجهزة الكمبيوتر، بحيث أضحت معظم الشركات على وشك أن تكون جميعها شركات معلومات.

أما الشركات الـتـي تقدم خدمات الحوسبة فأصبحت تحظى بالمزيد مـن الاستثمارات، إذ أعلنت شركة خدمات الحوسبة السحابية الناشئة “سنو فليك” حصولها على استثمارات مالية جديدة بقيمة 100 مـليون دولار قادت تمويلها مجموعة “آيكونيك كابيتال ومادرونا فينشر غروب”.

وتعتزم سنو فليك استخدام هذه الأموال لتوسيع نطاق أنشطتها، بما في ذلك القيام بالمزيد من الأبحاث والتطوير. كما تنوي زيادة مبيعاتها في الولايات المتحدة وبريطانيا ودخول أسواق أخرى في الاتحاد الأوروبي ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وجمعت الشركة استثمارات بلغت قيمتها 205 ملايين دولار حتى الآن.

ونقل موقع “سيليكون آنجيل” عن الشركة القول إنها الآن “في طور النمو حيث ضاعفت من عدد عملائها وزادت طاقتها التخزينية بمقدار 4 أمثال”.

أجهزة كمبيوتر كمية للعلم والبزنس

تقدم الشركة، الموجود مقرها بمدينة سان ماتيو بولاية كاليفورنيا الأميركية، الوحدات الكبيرة لتخزين البيانات المقامة خصيصا لتقنية الحوسبة السحابية وتعتمد على هيكل أبسط وأسرع من منافسيها القدامى.

وأفادت شركة أي بي إم بتدشين مبادرة “أي بي إم كيو” من شأنها إطلاق أجهزة الكمبيوتر الكمية للعلم والبزنس.

أجهزة الكمبيوتر يمكن أن تساعد البشر في كل شيء تقريبا، حتى في مجالات قد لا يتوقعونها

وسيتم تشغيل أنظمة أي بي إم كيو التي تفوق سرعتها سرعة أجهزة الكمبيوتر الحديثة الخارقة بمقدار الآلاف من المرات في مجالات تجد أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية نفسها عاجزة عن تقديم خدماتها فيها مثل البحث عن الأدوية والعقاقير وبناء دوائر منطقية أكثر فاعلية، والبحث عن سبل جديدة لنماذج البيانات المالية وحماية الحوسبة الحسابية باستخدام قوانين الفيزياء الكمية.

ويتوقع أن يصبح مجال الكيمياء أول مجال سيستخدم فيه جهاز الكمبيوتر الكمي.

وأطلقت الشركة نظام إيه بي أي الذي يمكّن أي مستخدم من أن يتصل بالمعالج عبر استخدام نظام أي بي إم كلود، الأمر الذي سيسمح بتشغيل الخوارزميات وإجراء البحوث ودراسة المناهج ونمذجة كل شيء له علاقة بالحوسبة الكمية.

وتكمن الميزة الرئيسية لأجهزة كمبيوتر الكمية في قدرتها على امتلاك حالتين في وقت واحد، إذ أنها قادرة أولا على إجراء العديد من الحسابات بشكل متواز وثانيا بإمكانها تشفير قيمتين في وقت واحد.

وقال العلماء إن فاعلية أجهزة الكمبيوتر التي يقوم عملها على إنجازات فيزياء الكم تفوق فاعلية أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية بمقدار 3600 مرة. وستسمح تلك الكمبيوترات الكمية بتوسيع معرفتنا عن الكون واختراع شيفرات لا يمكن فكها وما إلى ذلك.

مراقبة الحيوانات عن بعد

بحسب تقرير صحيفة فاينانشيال تايمز وصلت تأثيرات التكنولوجية الحوسبية الكمية الحديثة إلى متابعة حياة الحيوانات عن بعد، إذ يجري تجهيز المواشي بأجهزة استشعار لمراقبة حالتها الصحية عن بعد، إلى جانب الاستعانة بالذكاء الاصطناعي من خلال نماذج حاسوبية معقدة -توفر توقعات حول أنشطة السوق والتوقعات الاقتصادية المحتملة- عند اتخاذ قرارات خاصة بالزراعة ونوع المحصول، فضلا عن مقدار الريّ والأسمدة.

وأشار التقرير إلى أن أجهزة الكمبيوتر يمكن أن تساعد البشر في كل شيء تقريبا حتى في مجالات قد لا يتوقعونها على سبيل المثال إمكانية إنشاء الأسمدة نفسها وتحسينها من خلال الحوسبة.

ويعد التدخل التكنولوجي في إنتاج المزيد من الأسمدة التي توفر الطاقة من بين العديد من المشكلات الخطيرة التي يمكن حلها إذا كان بإمكاننا إنشاء محاكاة دقيقة للطريقة التي تتصرف بها الجزيئات، فهناك مشكلات مماثلة توجد في تغير المناخ والرعاية الصحية والطاقة، حيث يمكن للحوسبة أن تغير حياة البشر بشكل عميق.

ومن بين الأمثلة على ذلك والتي تتطرق لكل هذه المجالات تصميم عملية مجدية اقتصاديا لاقتناص الكربون من الغلاف الجوي الذي يمكن أن يحقق فائدة جانبية تتمثل في توليد الوقود للسيارات والتدفئة والكهرباء على شكل ميثانول.

التحكم في الكون

ويرى القائمون على التقرير أن الفضل في حقيقة أن يبدأ العلماء بمعالجة هذه المشكلات من خلال الحوسبة، يعود إلى الخيال العلمي مثلما هو الحال بالنسبة إلى قدرتهم على صناعة رقائق أجهزة الكمبيوتر من السيليكون.

وأضافوا أن الكثير من المسائل التي يبدو حلها مناسبا للغاية باستخدام الحوسبة لا تزال صعبة بشكل لا يصدق وأن أجهزة الكمبيوتر التقليدية ليست فقط غير كافية حاليا لكنها ستبقى كذلك إلى الأبد.

وفي الماضي كان يمكن الاعتماد على الزيادات العادية في قوة الحوسبة وهو اتجاه يعرف باسم قانون مور، لكن هذا القانون بلغ منتهاه في الوقت الراهن. ففي عام 2015 تنبّأ توم كونتي، رئيس جمعية الكمبيوتر التابعة لمعهد جمعية المهندسين الكهربائيين والإلكترونيين، بأن “قانون مور يصل الآن إلى حدوده. وأن مضاعفة عدد الترانزستورات لكل وحدة مساحة آخذة في التباطؤ (..) ومن المتوقع أن تنتهي عند مسافة 7 نانومتر نحو عام 2020”.

ووفقا للتقرير، فإن هذه المشكلات الكبيرة التي يراد من الحوسبة أن تتولى حلها صعبة جدا، حيث أنه حتى لو استمر قانون مور لا يمكن لأجهزة الكمبيوتر التقليدية أبدا حلها.

وأفاد بأن هناك حلا في متناول اليد، وهو نهج مختلف جذريا للحوسبة وعميق من حيث القوانين الأساسية للفيزياء التي يستغلها أو من حيث التحولات التي سيجلبها لحياة البشر. وذلك من خلال أجهزة الكمبيوتر التي بإمكانها أن تتبنى موقفا فريدا كميّا فائقا للحالتين المنطقيتين، وبالتالي فإن تغيير المستخدم لكيفية حوسبته يفتح أمامه طرقا جديدة للتعامل مع المسائل.

وتكون الكثير من المشكلات المستعصية على أجهزة الكمبيوتر التقليدية مناسبة تماما بالنسبة إلى الكمبيوتر الكمي.

ومن شأن الكمبيوتر الكمّي، الذي يحتوي على عدة مئات من الكيوبت المنطقية، أن يكون قادرا على معالجة مشكلات نمذجة تثبيت النيتروجين وتصميم عوامل مساعدة لتحفيز استخراج الكربون من الهواء.

ويمكن أن يساعد جهاز الكمبيوتر الكمي مستقبلا على ابتكار أدوية جديدة وأجهزة طاقة نظيفة وأغشية البوليمرات لخلايا الوقود.

ووفقا لما جاء في التقرير يمكن تطبيق الحوسبة الكميّة على تصميم أي مادة لأي غرض بدءا من النقل والبناء وصولا إلى أجهزة الاستشعار والأطراف الصناعية لأن هذه المواد مصنوعة في نهاية المطاف من جزيْئات وذرات، وفهمُ خصائصها وتفاعلاتها يعتبر من اهتمامات علم ميكانيك الكم.

وهذه هي إحدى السمات الأكثر إلحاحا للحوسبة الكمية كونها تكنولوجيا توسع الطريقة التي يمكن أن يفكر بها البشر ومدى الحلول الممكنة التي يمكن التحقق منها.

وهناك حتى خوارزميات الكم التي يمكن أن تقوم بأداء العناصر الرئيسية لمهام التعلم الآلي، والتي تعتبر حيوية لتحليلات أعمال البيانات الكبيرة وفي مجالات متنامية من الذكاء الاصطناعي، مثل السيارات ذاتية القيادة.

وبدأت معالم تكنولوجيا الحوسبة الكمية التي يرى بعض الباحثين أنها قادرة على تغيير العالم من خلال تطوير نظم النماذج الأولية في مختبرات البحوث الصناعية والجامعية بجميع أنحاء العالم.

وأبدى العديد من الناس تحمسهم لهذه التكنولوجيا الحديثة لأنها ستساعدهم في الحصول على النتائج للكثير من المعضلات لا يمكن لأي كمبيوتر متطور تقديمها.

ومن شأن ذلك أن يكون دليلا على قوة النظام الكمي والتي يطلق عليها البروفيسور جون بريسكيل من كالتك اسم التفوق الكمي.

ويعتقد أن العلماء سيكونون في غضون السنوات القليلة المقبلة قادرين على تحقيق طفرة في الحوسبة الكمية. ورغم عجز المستخدمين في الوقت الراهن عن معرفة كيفية استخدام مثل هذا الكمبيوتر الكمي البسيط نسبيا لحساب أي شيء مفيد، فإنه من المتوقع أن البشر مستقبلا سيحتاجون للحصول على دورات تدريبية تبسط ذلك.

ويظل السبيل الوحيد الذي قد يتمكن من خلاله العلماء من صنع كمبيوترات كمية في وقت قريب نسبيا هو أن يستغلوا قدرات تصنيع السيليكون المذهلة المستخدمة حاليا في تصنيع رقائق الكمبيوتر.

وربما تكون التكنولوجيا الموجودة في جهاز الكمبيوتر المكتبي هي بالضبط ما يحتاجه العلماء لإنشاء كمبيوتر كمي وقد يكون نقطة الانطلاق لثورة حاسوبية أكبر.

ومن المتوقع أن يعتمد مستقبل البشرية على قدرتها على إحداث ثورة في عالم الحوسبة الكمية التي من شأنها التأثير على تغير المناخ وتوليد الطاقة والرعاية الصحية.

إنقاذ الأرواح

صرح علماء، بحسب ما جاء في صحيفة الإندبندنت البريطانية، بأنهم أعدوا أول مخطط على الإطلاق لبناء كمبيوتر كمي كبير الحجم بإمكانه إحداث ثورة تقنية تعادل في أهميتها ثورة اختراع الكمبيوتر ذاتها.

من المتوقع أن يعتمد مستقبل البشرية على قدرتها على إحداث ثورة في عالم الحوسبة الكمية التي من شأنها التأثير على تغير المناخ وتوليد الطاقة والرعاية الصحية

وحتى الآن فإن الكمبيوترات الكمية تنتج فقط أجزاء من قوة المعالجة التي يفترض نظريا أن تكون قادرة على إنتاجها، لكنّ فريقا دوليا من الباحثين يعتقدون أنهم تجاوزوا المشكلات الفنية التي منعت من بناء أجهزة أكثر قوة. وقالوا إنهم يبنون حاليا نموذجا أوليا استنادا إلى تلك المخططات وأنه قد يجري بناء كمبيوتر كمي بالحجم الكامل أسرع بالملايين من المرات من أفضل الكمبيوترات الحالية في غضون عقد من الزمن.

وقال البروفيسور وينفريد هينسينغر، رئيس مجموعة أيون كوانتوم تكنولوجي في جامعة سوسيكس البريطانية والذي قاد البحث إنهم يعدون الآن المخططات لبناء كمبيوتر كمي كبير الحجم.

وأضاف أن قوة المعالجة المذهلة للكمبيوترات الكمية ستقود إلى علاجات جديدة تنقذ الأرواح وتساعد في حل أعقد المشكلات العلمية وفك ألغاز الكون.

وأوضح أنه تم بناء كمبيوترات كمية صغيرة في الماضي لاختبار النظريات، مشيرا إلى أن المشكلة في الحواسيب الكمية الحالية أنها تتطلب أشعة ليزر مركزة بدقة على الذرات المفردة، وكلما كان الكمبيوتر أكبر كلما تطلب ذلك وجود أشعة ليزر أكثر وبالتالي ازدياد فرص حدوث شيء خاطئ.

وأضاف أنه وفريقه استخدما تقنية مختلفة لمراقبة الذرات تتعلق باستخدام مجال أشعة مايكرويف وكهرباء ضمن أداة تدعى “أيون-تراب” أو “مصيدة الأيونات”.

وأكد هينسينغر أن هذه الحال تتيح زيادة نطاق قوة الحوسبة وأنه في غضون عامين سيكملون نموذجا أوليا يدمج كل التقنية التي ذكروها في المخططات.

ووفقا لدراسة نشرت بمجلة العلوم عمل عالمان من جامعة كولومبيا ومركز الجينوم في ولاية نيويورك على إيجاد حل لتخزين الكميات الهائلة من البيانات التي تتناقلها المجتمعات وأصبحت الحوسبة السحابية القديمة عاجزة عن استيعابها من خلال وضع نظام كامل لتشغيل الكمبيوتر وفيلم فرنسي منذ عام 1895 بالإضافة إلى ملفات أخرى على سلاسل الحمض النووي.

وتوجد العديد من المزايا لاستخدام الحمض النووي، حيث يمكن لغرام واحد استيعاب كمية من البيانات أكبر بـ215 ألف مرة من واحد تيرابايت في القرص الصلب.

وتمكن كل من يانف إيرليخ ودينا زيلنسكي من تخزين أكبر كمية نظرية من المعلومات في مركب النكليوتيد، وهو وحدة أساسية في بناء حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين، باستخدام طريقة جديدة مستوحاة من أسلوب عرض الأفلام عبر الإنترنت.

وقال يانف “نحن نحدد تفاصيل أصغر الوحدات الحاملة للمعلومات بتات الملفات في نيوكليوتيدات الحمض النووي، ثم نُجمّع هذه النيوكليوتيدات ونخزن الجزيئات في أنبوب الاختبار ونسلسل الجزيئات لسهولة استرداد المعلومات، حيث نستخدم استراتيجية ‘دي نايه فونتان’ المرتكزة على المفاهيم الرياضية لنظرية الترميز”.

وعلى سبيل المثال يستخدم مزود البث الحي عبر الإنترنت نتفليكس نظام الترميز الذي يقسم البيانات إلى حزم صغيرة وفي حال فقدان عدد من الحزم يستطيع نتفليكس إعادة بناء البث بأكمله.

وتوجد لدى الحمض النووي مشكلة مماثلة، حيث يقوم العلماء بإنشاء سلسلة من الأحماض النووية على دفعات صغيرة، وهذا يعني أن البيانات الكبيرة تحتاج إلى التقسيم.

وعلى الرغم من أن مايكروسوفت تبحث حاليا عن استخدام الحمض النووي كخيار للتخزين، فإن الباحثين يقولون إن الأمر ربما يتطلب أكثر من عقد من الزمن للتطبيق.

12