الكمبيوتر في صناعة العوالم الافتراضية

الأربعاء 2015/06/03

بدأت صناعة السينما بعد اكتشاف خاصية فيزيولوجية في عين الإنسان، وهي أن العين تحتفظ بالصورة التي تراها لمدة ثمن الثانية، فلو لحقتها مباشرة صورة أخرى ستربطها العين بالصورة السابقة، ووجدوا أنه لو تلاحقت ثمان صور لحركة رفع اليد مثلا في ثانية واحدة سترى العين في الصور حركة اليد وإن كانت متلكئة.. ثم رفعوا عدد الصور إلى 16 صورة في الثانية، ثم 25 صورة في الثانية لتحقيق انسيابية الحركة كما نشهدها الآن بارتياح في السينما.

وطوال مئة سنة من عمر صناعة السينما سعى السينمائيون إلى رفع جودة الصورة على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة عبر تقنيات التصوير والإضاءة ومختبرات تصحيح الألوان، وجهود المبدعين والطموحين الذين سعوا لتحقيق عروض سينمائية جذابة. إلى أن جاء الكمبيوتر بتقنياته الرقمية المبهرة ففتح أبوابا ودروبا أمام صانعي السينما (والتلفزيون) لخلق دنيا سينمائية لا حدود فيها للخيال والابتكار.. بل إن الكمبيوتر بتقنياته الرقمية وبرامجه المتعددة، أصبح هو التحدي أمام صانعي السينما في العالم. فمن لا يلحق بتلك التقنيات ولا يملك مهاراتها لن يستطع صناعة أفلام تواكب حتى العروض في دور السينما التي تعتمد الآن الأفلام بالتقنيات الرقمية، وصار الفيلم يأتي إلى دور السينما ليس على عشرة أشرطة سيلولويد ثقيلة الوزن كبيرة الحجم، بل يأتيها الفيلم على هارد ديسك أو قرص عالي الجودة، بل إن الفيلم في بعض الدول صار يتم إرساله إلى دور السينما عبر الانترنت حيث تستقبله دور العرض وتخزنه على أجهزتها لتعرضه على المشاهدين محتفظة بجودة الصورة والصوت التي وصلت إلى أعلى المستويات وصارت تقاس بالبيكسل الذي هو أصغر وحدة قياسية لجودة الصورة وتجاوز عددها في الصورة الواحدة الثلاثة آلاف بكسل.

إن الانقلاب في صناعة الأفلام الذي أحدثه الكمبيوتر في الأربعين سنة الأخيرة كان مذهلا من الناحية الفنية والإنتاجية وحتى الاقتصادية ليس فقط لصناع أفلام الكارتون والتحريك المجسد، وإنما وفر أيضا لمخرجي ومنتجي الأفلام “الحقيقية” إمكانيات رائعة لخلق عوالم وهمية مجسمة ثلاثية الأبعاد تفوق عالم الواقع، وصار الممثلون يمثلون في استوديوهات فارغة تحيط بهم جدران أو ستائر زرقاء، وعليهم أن يتخيلوا العوالم التي سيضيفها التقنيون والمبدعون الحرفيون على تلك الجدران الزرقاء.. إن المشاهد الرائعة في وسط البحر التي شاهدناها في فيلم الحياة مع باي الحائز على الأوسكار وصراع الفتى الهندي مع أمواج البحر في زورقه تمت معظمها في استوديو فارغ إلا من الزورق وكان على الممثل أن يؤدي حركاته بين جدران زرقاء متخيلا أنه وسط البحر مما شاهدناه فيما بعد على الشاشة، وحتى صديقه النمر الذي هو من صنع فناني الكرافيك تمت إضافته إلى الصورة بواسطة التقنيات الالكترونية الرقمية ضمن حركات وأبعاد وتصرفات مرسومة من هيئة الإخراج وفريق المؤثرات الصورية الذين تجاوز عددهم على شريط الأسماء في نهاية بعض الأفلام الثلاثمئة مختص وخبير وفنان.

يؤكد معهد دراسات صناعة الأفلام الأميركي أن أهم أدوات الإنتاج السينمائي الآن هو الكمبيوتر، من كتابة السيناريو إلى التحضير الإنتاجي والتصوير ومونتاج الصورة والصوت ضمن برامج تتطور باستمرار، لذلك يصر المعهد على أن يتسلح طلبة صناعة الأفلام بالكمبيوتر ومعرفة إمكانياته الإبداعية المهمة.

لقد حقق الكمبيوتر لصناعة السينما عوالم افتراضية متخيلة بإتقان وجعلتان عملية الخداع نعتقد أن هذا العالم الافتراضي هو حقيقة وواقع يتحرك ضمنه الممثلون ضمن حسابات معينة في استوديوهات فارغة غالبا. الكمبيوتر يستطيع تجسيد الأفكار والشخوص وحتى الرموز الفكرية، بل يستطيع أن يجسد شخصيات متخيلة ليس لها وجود في الواقع. كما شاهدنا في الكثير من أفلام الفنتازيا والخيال العلمي أو الأسطوري… والكمبيوتر يحقق المشاهد التي يصعب تحقيقها في الواقع لأسباب عديدة. إن غرق الباخرة تيتانيك في الفيلم تم بالكمبيوتر، وأمواج البحر الهائجة تمت بالكمبيوتر، والحيوانات الأسطورية الضخمة والمخيفة ومشاهد الرعب والصراعات الحربية ورحلات الفضاء كلها بالكمبيوتر.. وحتى الكاميرا السينمائية أصبحت رقمية كمبيوترية.

18