الكندية كابواني كيوانغا تجمع بين الفن والأنثروبولوجيا برؤى شاعرية

أعمال الفنانة الكندية مسكونة بالذاكرة الجمعية والشخصية، تُعدّد زوايا النظر بحثا عن تفكيك السرديات التاريخية.
الاثنين 2021/09/06
ذبول يحيل إلى الذاكرة المهدّدة على مرّ الأزمنة

احتضن مركز الفن المعاصر بإيفري، إحدى الضواحي الجنوبية المتاخمة لباريس، معرضا للكندية كابواني كيوانغا التي فازت العام الماضي بجائزة مارسيل دوشامب بفضل أعمال لها صلة بأصولها الأفريقية عامة والتنزانية خاصة.

 كابواني كيوانغا فنانة كندية المولد، فرنسية الإقامة، تنزانية الأصول. بعد دراسة العلوم الاجتماعية في جامعة مكجيل بمونريال، استقرت في فرنسا بداية من عام 2005 حيث تابعت برنامج البحث في مدرسة الفنون الجميلة بباريس.

هذا البرنامج يسمح للفنانين الشبان المُجازين من شتى الجنسيات بصياغة مشروع فني خلال ثمانية عشر شهرا، في جوّ يشجّع على التنافس. ثم التحقت بمركز التكوين بتوركوان شمال فرنسا، حيث الأستوديو الوطني للفنون المعاصرة لوفرينوا.

وقد أنجزت فيه أعمالا قامت بعرضها لاحقا في مركز بومبيدو عام 2013 ومركز جو دو بوم بحديقة التويلري عام 2014، قبل أن تتمّ دعوتها إلى نيويورك في العام الموالي للمشاركة في المعرض العالمي “أرموري شو”. وقد كللت أعمالها بعدة جوائز آخرها جائزة مارسيل دوشامب عام 2020 عن مشروع “أزهار لأجل أفريقيا”.

ما يهم الفنانة هنا هي زراعة النباتات ومكانتها كشواهد للتاريخ البشري ووظائفها المتعددة، فالنبتة تغذّي وتعالج، ولكنها تقتل أيضا سواء بشكل غير مباشر، أم باستعمالها سُمّا

في هذا المشروع ربطت كيوانغا بن التاريخ وعلم النبات لتبدع تشكيلة نباتية تحيل على الباقات التي تحضر في حفلات أعياد استقلال البلدان الأفريقية، وقد استوحت ذلك من الأرشيف البصري لتلك البلدان، حيث تركت تلك التشكيلات في مكانها لتواجه عامل الزمن، فيصيبها الذبول بمرور الأيام، كناية عن الذاكرة المهدّدة على مرّ الأزمنة.

وقد اعتبرت اللجنة التي منحتها الجائزة أن عملها تأمّلٌ بين الفن والأنثروبولوجيا يفتح مشروعا شعريا وسياسيا واسعا، مثلما هو مخبر للفكر الراهن حول الذاكرة والأرشيف بوصفهما مصادر أساسية لإعادة تشكيل العالم.

وكان من أثر تكوين كيوانغا المزدوج أن جمعت بين الفن والأنثروبولوجيا، فهي فنانة باحثة تهتم بالسرديات التي ترسم عدم التناسق السياسي، وتسلط الضوء على شواهد التاريخ، مثلما تهتم بتجسيد أرشيف نائم في الأدراج أو منسي أو غير معروف، وتضع المجتمعات المعاصرة ما بعد الكولونيالية موضع مساءلة.

ففي مشروعها أفروغالاكتيكا الفني الاستباقي استعملت ملصقات أفلام وكليبات موسيقية ووثائق أرشيف لتروي تاريخ الولايات المتحدة الأفريقية التي سترى النور عام 2058، مستعينة في ذلك بمنظري تفكيك الاستعمار مثل عازف الجاز الأميركي سان رع وفرانز فانون. ثم انتقلت إلى مشروع ثان هو ماجي ماجي، للحديث عن تمرّد عدّة قبائل من شرق أفريقيا (تنزانيا حاليا) ضدّ السلطات الكولونيالية الألمانية ما بين 1905 و1907، بتحريض من عرّاف كان يوزّع على أنصاره ماء مقدّسًا (ماجي) يزعم أنه يحميهم خلال المعارك ويحوّل الرصاص الألماني إلى ماء.

Thumbnail

وكان ذلك وسيلة لتحفيز المتمرّدين على القتال، استغلته كيوانغا لتصوير رسوخ الإيمان بالقوى الغيبية في المخيال الجمعي، مثلما استعانت به في مساءلة الذاكرة عن تلك الأحداث المؤلمة.

ويعتبر معرض كيوانغا الأخير بمركز الفن المعاصر بإيفري “كريداك” الذي حمل عنوان “سيما سيما” امتدادا لمعارضها السابقة، فعبارة “سيما” تحيل على “سيمارّونْ” أي ذوي البشرة البنية، ومصدرها لهجة قبائل الأراواكوس في جزر الأنتيل، انتقلت إلى اللغة الإسبانية للدلالة على من هم في وضع عبودية، ثم صارت تعني الفارين.

وقد عمد أولئك العبيد القدامى، بعد تخلصّهم من نير العبودية، وضع استراتيجيات للمحافظة على حريتهم، على إقامة قرى هشّة يمكن هجرها لاستئناف الارتحال، ومزاولة زراعة استثنائية تضمن عيشهم وبقاءهم، وتزوّدهم بنباتات جاؤوا بها من أراضيهم الأصلية كي يكيّفوها في بيئة جديدة. أي أن “سيما” تطرح مسألة حركات مخفية عمدا لضمان البقاء، وتتناول تاريخ مقاومة صامتة، وممارسة عناد خلاّق كنمط عيش، لضمان الحرية.

إن ما يهم الفنانة هنا هي زراعة النباتات ومكانتها كشواهد للتاريخ البشري ووظائفها المتعددة، فالنبتة تغذّي وتعالج، ولكنها تقتل أيضا سواء بشكل غير مباشر، أم باستعمالها سُمّا.

في هذا المشروع ربطت كيوانغا بن التاريخ وعلم النبات لتبدع تشكيلة نباتية تحيل على الباقات التي تحضر في حفلات أعياد استقلال البلدان الأفريقية

ففي القاعة الكبرى، تقترح كيوانغا في عمل عنوانه “موادّ أولية”، غابة ورق خام من ليف قصب السّكر، حيث ينحدر النسيج الورقي من السقف إلى الأرضية، ويمنع مقاربة الفضاء بنظرة واحدة، ما يدفع الزوار إلى التنقل بين ثناياها مرغمين، وحيث قطعٌ من نصال السواطير مهيأة بطريقة فنية كي تنزرع في الورق. كل ذلك للتذكير بفضاءات الهيمنة على أجساد من هم في وضع عبودية، وزراعة القصب السكري استعارة دالة عليها.

أمام فرجة بلورية، حقل أرز للتذكير بما روته السرديات الشفوية عن رحلة الأرز الأفريقي إلى الأميركيتين، مخفيّا في شعر نساء غرب أفريقيا، اللاّتي أرغمن على الهجرة بوصفهنّ إماء. وقد تمّت زراعة ذلك الأرز في شمال أميركا الجنوبية بفضلهنّ.

في القاعة الثانية سلسلة “لازاروس” وتتألف من أربع لوحات سيريغرافيا على الورق، استوحتها كيوانغا من رسومات يرجع عهدها إلى القرنين التاسع عشر والعشرين وتُظهر أنواعا حيوانية قيل إنها انقرضت ولكنها ظهرت في الطبيعة بعد عشرات السنين.

أما القاعة الثالثة فتحوي أعمالا من الأسلاك الفولاذية والورق الملون مزدانة بنبتة يقال لها زهرة الطاووس، وتقدّم هنا في شكل غصن مزهر وغصن آخر مبرعم، موضوعين على قاعدتين.

وجملة القول إن أعمال كابواتي كيوانغا مسكونة بالذاكرة الجمعية والذكريات الشخصية، تعدّد زوايا النظر بحثا عن تفكيك السرديات التاريخية المعهودة.

16