الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية والبحث عن كرسي أنطاكيا المقدس

الأحد 2015/10/11
حرب دينية جديدة يجلبها بوتين إضافة إلى حرب داعش والولي الفقيه

سألت ذات يوم أستاذ مادة اللاهوت العقائدي في بطريركية الروم الكاثوليك الملكين بباب شرقي في قلب دمشق، حيث كنت أدرس اللاهوت، لماذا لم تسامح الكنيسة الكاثوليكية إلى اليوم الأسقف “نسطوريوس” الذي رفض الخلط بين ناسوت ولاهوت الدين؟

وعارض استخدام تعبير “والدة الله” كاسم للسيدة مريم العذراء، وميّز بين طبيعتين للسيد المسيح، الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية، وقال بأن مريم هي والدة يسوع ولا يجوز أن نقول عنها “والدة الله”، وعاند في ذلك ودافع عن رأيه، وأنا دافعت عنه بأن لرأيه بعض عقلانية، فهل رفضُ المسامحة لكونه أنطاكي المولد بالمعنى الرهباني؟ أي أنه مشرقيّ الثقافة واللسان والحال، أم لأنه أراد لكرسي القسطنطينية أن يسود برأيه على كرسي الإسكندرية الذي كان يرأسه أسقف جسور وشديد هو من بات يعرف لاحقا باسم “كيرلس عامود الدين”، أم هو صراع اللغة والثقافة بين اليونانية والسريانية.

التزمتُ الصمت لأسمع بعدها محاضرة غاضبة لم تجب عن سؤالي أبدا، بل انفجر مدرّس المادة وهو كاهن أيضاً، وبدأ يقصفني بتهم الجهالة وعدم الدراية بالتاريخ، وأننا أبناء جيل ملوّث العقل بالأفلام والكتب النقدية وغيرها من الكلام الفارغ، وضرب لي مثلا رواية “شيفرة دافنشي” رغم أني لم أقترب منها أبدا، واستغرق أكثر من 30 دقيقة قبل أن يتاح لي الكلام ثانية، وأعيد عليه السؤال بأن الكنيسة الكاثوليكية قدّست الكثير من الرهبان والكهان رغم أنهم وصموا ذات يوم بالهرطقة، فلماذا نسطور لا، وهم نعم؟

الغلبة للأقوى

بقي سؤالي معلقاً إلى يومنا هذا، ولكني الآن وبعد سنوات من القراءة والمتابعة ليس فقط للمسيحية بل لمعظم ديانات الأرض، يمكنني فهم لماذا لم تقبل الكنيسية الكاثوليكية الجامعة أن تقدّس نسطور أسقف القسطنطينية؟ والذي حُرم ونفي إلى صعيد مصر حيث مات، وبقي مذهبه إلى اليوم في العراق وبعض بقاع الأرض، والحقيقة أنه لو كان الكرسي الأنطاكي الذي كان مواليا لنسطور أقوى يومها، لغلب الأخير كيرلس أسقف الإسكندرية في ذلك الوقت، ولكن كرسي الأخير كان الأقوى سياسياً وذا نفوذ وشأن ولذا كان له الأمر كله.

إشكالية النسطورية وموقف مجمع أفسس المسكوني 431 للميلاد، وما تلاه من رفض النسطورية وحرمان صاحبها من رحمة الكنيسة ونفيه، حكاية، كم تشبه معظم الحكايات الدينية، ولكنّ لها بعداً تفصيلياً صغيراً ذا طابع رمزي، ألا وهو علاقة نسطور المولود في “جرمانيقية” أي مدينة مرعش شمال سوريا، والذي ترهّب في دير قرب أنطاكيا في أرض تركيا اليوم، وتلك البقعة صاحبة الكرسي الرسولي الأول، الذي أسسه بولس الرسول في أربعينات القرن الميلادي الأول، ومنها انطلق في بشاراته إلى باقي بقاع الأرض وختامها روما حيث قُتل.

الآشوريون والكلدان، يرصدهم التاريخ حين أيدوا ما اعتبر \'بدعة\' عند نسطوريوس ورفضوا الحرمان الذي لحق به، فانفصلوا عن الكنيسة الأنطاكية واتخذوا مقرا لكنيستهم في المدائن، ثم بابل، ليتلو ذلك انفصال (السريان والأرمن)

لهذا الكرسي رمزية وأهمية كبيرة وخاصة بالنسبة إلى الكنيسة المشرقية، لأن أنطاكيا مع دمشق، كانتا بوابتي عبور المسيحية إلى كل العالم، وخصوصاً باتجاه الشرق حيث زرع مبشروها بذار الدين المسيحي، مما جعل لها حقوقاً شرعية على الكنائس الجديدة في العالم. لذلك نرى أسقف “بطريرك” أنطاكيا متقدماً منذ عهود المسيحية الأولى على سائر أساقفة الشرق، فهو الذي ترأس المجامع المكانية في الشرق “أنقرة 315 – قيصرية 316” واعترف المجمع المسكوني الأول “نيقية 325” للكنيسة الأنطاكية بالرئاسة على سائر أساقفة الشرق، وثبت المجمع المسكوني الثاني “القسطنطينية 383” هذه الرئاسة، في حين قرر المجمع المسكوني الثالث “أفسس 431” استقلال كنيسة قبرص عن أنطاكيا برئاسة رئيس أساقفة.

ويقول الباحث جوزيف زيتون، إن حوادث عاصفة كانت قد مرت بالكرسي الأنطاكي المقدس عبر تاريخه العريق، سلخت من حظيرته أبناء أحباء، وارتبطت في معظمها بصراعات قومية وخلافات لاهوتية متعلقة بتفسير مغلوط للغة الكنسية الرئيسة في ذلك العصر وهي اللغة اليونانية إضافة إلى النزعة الاستقلالية للكنائس الشرقية عن كنيسة الدولة الرسمية.

وكان أول انفصال في الكرسي أنطاكيا عام 498 هو الذي فصل النساطرة (الآشوريون والكلدان) بعدما حرم مجمع أفسس، هرطقة “نسطوريوس” أسقف القسطنطينية وكان الآشوريون والكلدان، قد أيدوا بدعة نسطوريوس ورفضوا الحرمان، الذي لحق به فانفصلوا عن الكنيسة الأنطاكية واتخذوا مقراً لكنيستهم في المدائن، ثم بابل، وتلا ذلك انفصال “السريان والأرمن” عن أنطاكيا، “والأقباط، والأحباش” عن الإسكندرية، نتيجة رفضهم لمقررات خلقيدونية (المجمع المسكوني الرابع 451 م) والتي أكدت طبيعتي السيد المسيح الإلهية والبشرية ومشيئتيه، وأنه شخص واحد. في حين قالت العائلة الشرقية بالطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة، وهكذا نشأت الكنيسة السريانية المستقلة عام 513. واتخذت من ماردين مقراً لها وكذلك الحال بالنسبة إلى الأرمن.

ربما يكون تاريخ الكنيسة من أكثر أشكال التاريخ تعقيداً وبذات الوقت حضورا، فرغم السنوات البعيدة لتاريخ هذا الكرسي المقدس على حد تعبر الكنيسة المشرقية، فهو ما يزال في عين اهتمام الأرثوذوكسية العالمية والتي تتزعمها اليوم سياسيا على أقل تقدير، الكنيسة الروسية، التي عادت اليوم، مع أول حروب فلاديمير بوتين خارج حدود القارة الأوروبية، لتضفي القدسية على قتال طائراته وجنوده في سوريا، رغم أن حرب الروس السابقة وقبل وقت قصير كانت في أوكرانيا ولكنها لم تكن مقدسة، فكيف تقدس هذه، وتلك لا؟ ولماذا؟

قدسية خلعتها الكنيسة الروسية ورفضتها الكنائس المشرقية بالطبع، خوفا من رد الفعل على هكذا تصريح غير مسؤول، ورغم أن الكنيسة الروسية تنصلت أو حاولت أن تهرب من التعبير على أقل تقدير بأن أصدرت بياناً قالت فيه بأن حديث رئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة فسيفولود تشابلن، والذي قال إن “القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة اليوم، وربما تكون بلادنا هي القوة الأنشط في العالم التي تقاتله”، بأنه تُرجم بطريقة مغلوطة وأنه قال “أيّ حرب لنصرة المساكين يمكن أن نقول عنها حرباً مقدسة” وبأنه كان يتحدث عبر برنامج إذاعي ولم يأت هذا القول في بيان رسمي من الكنيسة، ولكن الصور والمباركات والمواقف المسبقة تؤكد صدقية التقديس لتلك الحرب، ما دفع ببطريركية أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس لإصدار بيان توضيحي أشارت فيه إلى أن “وسائل الإعلام المحلية تناقلت ترجمةً غير دقيقة تدل على سوء فهم أو استخدام لتصريح تشابلن”.

الصور والمباركات والمواقف المسبقة وتبخير الأسلحة والطائرات كلها تؤكد دافع تقديس الكنيسة الروسية لحرب بوتين، الأمر الذي أوقع مسيحيي المشرق في حرج كبير، ودفع ببطريركية أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس للنفي

سيادة الأرثوذوكسية من جديد

إذن هي أنطاكيا ثانية، كيف لا وهو الكرسي المسيد دينياً على الأرثوذوكسية العالمية، والتي تشهد خلافا يتعلق بأبرشية القدس، والتي أعلنت انتخاب أسقف يوناني لكرسيها، ورفضت أنطاكيا المنتخب وطالبت بحل الإشكال، لأن المنتخب من خارج حدودها القانونية ولا يمكن لها أن تقبل شخصا على كرسي هذه الأبرشية التابعة لها، حتى وصل الأمر إلى حد سحب وفودها في اجتماع الأساقفة في إسطنبول خلال مارس من العام الماضي وغيرها من التفاصيل، ولكن الكرسي الأنطاكي لم يرفض بشكل علني العنف الروسي في سوريا وعلى أرضها وبحق أبنائها، وربما هي عادة الكنائس، إذ تحاول قدر الإمكان أن تقف موقف الحياد وهذا رأي نابع من حسن نية مبالغ فيه ربما.

بعيدا عن النوايا تتحدث الوقائع، فاليوم الكنسية الروسية تبارك بالزيت والماء المقدس سلاح جنودها في بلاد الشرق، كيف ولماذا يعود الله مع قيصر؟ أإلى هذا الحد ارتبط الإيمان بسيّد بشري؟ كيف لا وهي روما الثالثة ولكل روما قيصرها، وحقها في إدارة البلاد المسيحية لحين من الدهر، فتلك روما الأولى أعلنت المسيحية ديانة الإمبراطورية، ومن ثمة القسطنطينية حمتها في الشرق حتى جاء عليها الغرب فقتل أهلها من المسيحيين كما قتل المسلمون، بحروب قيل إنها مقدسة.

نعم ما أشبه اليوم بالأمس، ومن ثمة كان لموسكو روما الثالثة، حق السيادة، إلا أن الشيوعية لم تتح لها فرصة كافية لتسود بل شُقت الكنيسة على نفسها فبات فيها كرسي مستقل وآخر أسير الدكتاتورية، واتفق الكرسيان في عهد قريب على الوحدة الشكلية تقريباً، ولكن بوتين كالإمبراطور “قسطنطين” يعلن اليوم برمزية السلاح المقدس بأن المسيحية الأرثوذوكسية دين البلاد والعباد ليس في روسيا وحدها بل في كل بقعة كان لهذا الدين وقع فيها، وبالذات هناك حيث ولد ونشأ وترعرع أول الكراسي البطريركية في العالم المسيحي، “أنطاكيا وسائر المشرق”.

مال قيصر

قال نسطور يوما قبيل حرمانه ونفيه، مخاطبا الإمبراطور الروماني في زمانه، “استأصل أيها الملك معي الهراطقة وأنا أستأصل معك جنود الفرس وأملِّكك فوق ذلك جنة خلد”، نعم هي كذلك، أعطيك الاسم الإلهي على كل أفعالك، وتعطيني الفرصة لأخصي خصومي، وأرسلهم إلى صحارى الأرض ومنافيها، ولكن كيرلّس يومها سبق نسطور بسيف الحرم والنفي، فقطع عليه الطريق بل دفعه إلى صعيد مصر حيث قيل إنه مات بعد أن كسر رأسه، وقيل إن مرضا عضالا أصاب لسانه فأكله الدود، وربما كل ما قيل أسطورة، ولكن الواقع الحق ليس إلا أمراً واحداً “ما كان مال قيصر لقيصر يوما، ولا كان مال الله لله يوماً”.

8