الكنيسة القبطية.. سجال الإصلاح وإبعاد المؤسسة الدينية عن السياسة

انطلاقا من مسلّمة تقول إن تدخل الدين في السياسة مسألة لا تقتصر على الفضاء الإسلامي، وأن خطوتها وأثرها يكادان يتشابهان في كل خلط يحصل في أي فضاء حضاري، فإن المطالبة بالإصلاح الديني، بدورها، مسألة لا تقتصر على الفضاء الإسلامي، بل تنسحب أيضا على المجال المسيحي، والتشابه يطال أيضا الجهات الرافضة للإصلاح والتجديد. الكنيسة المصرية، وبوصفها متأثرة بما يسود في العالم العربي الإسلامي، فإنها تشهد بدورها جدلا كبيرا بين دعاة الإصلاح وبين الرافضين له، وبصرف النظر عن وجاهة الدعوة إلى الإصلاح من عدمها، فإن السجال يمثل تأكيدا جديدا على ضرورة النأي بالمؤسسات الدينية عن الفعل السياسي وتثبيت العلاقات على أساس المواطنة لا على أساس الانتماء الديني أو المذهبي.
الخميس 2017/12/21
سلفية مسيحية تقف ضد الإصلاح؟

القاهرة - تمثل الكنيسة المصرية إحدى الركائز المسيحية الكبرى في العالم، لما حمله تاريخها من ثورات إصلاحية داخل أركان الدين المسيحي للمئات من السنين. ويرى مثقفون يقيمون خارج مصر، أن الكنيسة المصرية أصبحت في حاجة ماسة للعودة إلى دورها الإصلاحي التنويري بإعادة ترتيب أوراقها الداخلية وإطلاق خطة لفصل العمل الكنسي عن السياسي.

وبعد هدوء نسبي استمر ما يقارب العام، غاب خلاله الصدام بين القابعين في المقر البابوي بمصر والحركات القبطية، أعلن عدد من أقباط المهجر، وهم مجموعات من مسيحيي مصر هاجروا لدوافع سياسية أو اقتصادية، عن تدشين حركة جديدة أطلقوا عليها “حركة الإصلاح القبطي المعاصر”.

واتخذت الجماعة الجديدة من صورة القديس حبيب جرجس، رائد حركة الإصلاح المعاصر ومؤسس مدارس الأحد المسيحية، شعارا لها، ونشرت مبادئها في وثيقة موقعة من 91 شخصية قبطية في مصر وأوروبا والولايات المتحدة.

وحددت الحركة أهدافا ظاهرة تمثلت في إبعاد الكنيسة عن السياسة تماما، واقتصار تبعية كنائس المهجر للكنيسة القبطية الأم على الجانب الروحي فقط، بينما تخضع في الأمور الأخرى إلى قوانين البلاد الغربية وقيمها الحضارية، بالإضافة إلى تحديث النُظم الإدارية والمالية بالكنائس واستثمار تبرعات أقباط المهجر في “صندوق عالمي”.

وحذرت الجماعة من أن المؤسسات التي لا تنصت لصوت الإصلاح ستهوى، وتنقسم مهما كانت قوتها، في إشارة إلى أن هذه المؤسسات وقيادتها لم تعد صالحة للاستمرار في المستقبل.

وظلت معركة الإصلاح داخل الكنيسة خلال السنوات الأخيرة فكرة تُطرح وتجد صعوبة في التطبيق، ويحاصرها الأصوليون والحرس القديم، ويلصقون التهم بأصحابها معلّلين مواقفهم بالخوف على انشقاق الكنيسة، وحتى عندما جاء البابا تواضروس الثاني برؤيته الإصلاحية اصطدم ببعض أصحاب الأفكار المتجمّدة الذين حاولوا تقويضه، ووصل الأمر بأن طالبوا بمحاكمته وعزله من منصبه.

واتفق الكثير من الأقباط المصريين من حيث المبدأ، مع بعض بنود بيان الحركة الجديدة، لأنها داعمة لما يقوم به المصلحون كـ”فصل دور العبادة عن السياسة” و”تحديث النظم الإدارية والمالية بالكنائس″ و”تفعيل دور المجالس الملّية”، وطالما نادوا بذلك على مر العصور، لكنهم واجهوا إخفاقا بسبب تصاعد دور “أصحاب المصالح” و”حراس العقيدة” داخل المشهد القبطي.

حركة الإصلاح القبطي المعاصر حددت أهدافا ظاهرة تمثلت في إبعاد الكنيسة المصرية عن السياسة تماما

غضب داخل الكنيسة

رغم أهمية تلك المقترحات، فإنها رفضت من قبل البعض، وبرروا ذلك بأنه لا يجب أن يأتي الإصلاح من خارج الوطن وممن ليسوا من أعضاء داخل الكنيسة، لأن أصحاب تلك الدعوات يتعاملون مع الواقع المصري ومشكلاته انطلاقا من مفاهيم ومنطلقات غربية بحتة لا تراعي العديد من المحددات التي يجب أخذها في معالجة المشكلات المجتمعية لبلد له خصوصيته الدينية والسياسية والتاريخية من قبيل مصر، ومن ثم جاءت رؤيتهم تشوبها المصالح واللامنطقية إلى الحد الذي تجاوزت في أصلها مطالب الأقباط في الداخل.

وأشاروا إلى أن الحركة موجّهة بالأساس ضد الكنيسة المصرية بسبب تبرّئها الدائم من أطروحات أقباط المهجر فيما يتعلق بقضايا الأقباط في مصر.

وسبق وأن رفضت الكنيسة مطالبات لهم بتدويل القضية القبطية على إثر وقوع حوادث طائفية، وتبرّأت من إعلان سابق لهم بإقامة “دولة قبطية” داخل الأراضي المصرية، واعترضت على دعواتهم المستمرة لتظاهرات ضد النظام، أو للتنديد ببعض الحوادث الفردية كمقتل أحد القساوسة، أو الأحداث الجماعية كتفجيرات الكنائس وتهجير أقباط من ديارهم.

وانتهز أصحاب الحركة الظروف التي يمر بها الأقباط، وربما أغراهم مرض البابا تواضروس وذهابه للعلاج أكثر من مرة، فأرادوا التأسيس لوضع جديد لمرحلة ما بعد تواضروس، ووجدوا ضالتهم في احتفالات الكنائس الإنجيلية والكاثوليكية بالإصلاح ليضغطوا تحت ذريعة أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تبحث عن التنوير والإصلاح.

وهاجم رمسيس النجار، المستشار القانوني السابق للكنيسة، الفكرة، مشيرا إلى أن من يدعي أنه القائد لحركة الإصلاح لا بد أن يثبت أولا وجود فساد يحتاج إلى إصلاح. وأوضح لـ”العرب” أن جماعات المهجر لم تحدد ما يجب إصلاحه، فالكنيسة لديها العديد من الثوابت الإيمانية والطقوس الراسخة والقواعد التي لا يستطيع أحد الاقتراب منها.

وأضاف أن حركة الإصلاح الجديدة تبحث عن دور زعامة، مؤكدا أن البيان المنسوب للحركة حمل مخالفات كنسية واضحة تخالف القوانين الكنسية والكتاب المقدس، وتوقع بأن يختفوا سريعا.

ورفض مراقبون لغة “التطاول والافتراء على الكنيسة” التي ظهرت جليا في تصريح المجموعة بأن “الكنيسة وصلت إلى الحضيض، وقادتها أصبحوا عثرة في طريق الأقباط، وهو ما دفع الكثير من الشباب للتوجه نحو الإلحاد”.

واستنكروا تهديدهم الواضح بأن سلاح حركتهم هو “العمل القانوني”، وتساءلوا عن كيفية تفعيل هذا البند وهل سيلجأون إلى المحاكم الغربية لرفع قضاياهم باعتبار أن الكنائس في الغرب “تتبع قوانين دولها”؟

تواضروس عمل منذ توليه الكرسي الباباوي، على تحويل الإصلاح من مطلب جدلي إلى ضرورة حياتية

ورأوا أنه إذا كان ثمة من له “رؤية إصلاحية” وتمثل أولوية أو ضرورة ملحة باستطاعته المجيء إلى الكنيسة لمناقشة كافة القضايا بدلا من خلق بؤر خلافية تزيد من رصيد التوترات الداخلية لتتسع الهوة بين المؤيدين والمعارضين.

إصلاح الضرورة

مؤسسو “حركة الإصلاح القبطي المعاصر” رفعوا شعار “الإصلاح ضرورة ومسؤولية وشهادة للحق”، وأعلنوا أن تحركهم جاء نتيجة تردد الكنيسة في إقامة حوار حقيقي مع الأقباط حول ما يجري، وأن مسار تحركهم سيكون عبر الكلمة والعمل القانوني والبحث والدراسة والنقاش والمؤتمرات من أجل تنمية الوعي القبطي. وأوضح مصدر كنسي أن بعض الأقباط ضاقوا ذرعا بما تمر به الكنيسة والأقباط، خصوصا وأن أصحاب المصالح بالداخل يجاهدون لإبقاء الأمر على ما هو عليه، ويرفضون محاولات البابا تواضروس التجديد والإصلاح وترتيب البيت من الداخل وفق إطار مؤسسي، بحسب تصريحات كثيرة له في هذا الإطار.

ولكن المشكلة في الأسماء الموقعة على بيان تأسيس الحركة، فهي أسماء مثيرة للجدل بسبب هذا الخليط المتناقض من الأعضاء، ما يضفي عليها عدم مصداقية، إضافة إلى التشكيك في نواياها الحقيقية.

وأضاف المصدر الكنسي لـ”العرب” أنها بالفعل تضم عددا من الشخصيات المخلصة التي تدعو إلى الإصلاح والتنوير بوعي ومسؤولية ورقي في الطرح، لكنها تشمل أيضا مجموعة من الذين لهم باع في مماحكات أجّجت الصراعات داخل البيت القبطي، ومنهم من هو معروف بالبحث عن زعامة منقوصة أو مغمور يبتغي الشهرة سبيلا.

وأكد كمال زاخر، مؤسس التيار العلماني في مصر، وله باع طويل في المطالبة بالتجديد والإصلاح الكنسي، أن تلك الحركة حق يراد به باطل، فالإصلاح مطلب دائم في المؤسسات التقليدية، خاصة العريقة منها وتلك التي تتماس مع دوائر بناء الوعي والذهنية العامة، والمؤسسات الدينية في المقدمة والكنيسة واحدة منها. وأشار زاخر إلى أن القائمة التي أعلنت لهذه الجماعة تضم العديد من الشخصيات المصرية ذات الثقل الفكري والكنسي والتي لا يشكك أحد في توجهاتها.

لكن الأزمة تخص من يتصدرون الدعوة لتكوين هذا الكيان، ومعروفة عنهم مواقفهم الذاتية من القيادات الكنسية، والتي تقول بها كتاباتهم ومداخلاتهم، وتزيد التساؤلات حولهم عند رصد اتجاه البابا تواضروس إلى سياسة الأبواب المفتوحة.

وعمل تواضروس منذ توليه الكرسي الباباوي في فبراير عام 2012، على تحويل الإصلاح من مطلب جدلي إلى ضرورة حياتية، بتأسيس فكري جاد ودستور معاصر مؤسس على الزخم اللاهوتي والخبرات المتراكمة، لحسم أمر القضايا العالقة، وقام بإعادة ترتيب الحياة الكنسية اليومية، وقنّن العلاقات البينية في منظوماتها ومؤسساتها وطقوسها وممارساتها بوعي وموضوعية.

13