الكنيسة الكاثوليكية والصين:  حين يلتقي الدين بالجغرافيا السياسية

في ظل تعرض الكاثوليكية للتحديات في مختلف أنحاء العالم، قد يجد الفاتيكان في سكان الصين البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة ما يغري كفاية لعقد صفقة.
الجمعة 2018/05/11
مصالحة ضرورية

بكين- في سنة 1594 رحب المبشر اليسوعي ماتيو ريتشي بحماس بقدوم الديانة الكاثوليكية إلى الصين بعد “أن تم منعها لآلاف السنين بواسطة جبال شاهقة وتلال عالية وعن طريق حواجز إسلامية منيعة”. وأشاد بالتطابق الواضح بين تقاليد الصين والكنيسة الكاثوليكية الرومانية بالرغم من انفصالهما لزمن طويل، “والتماثل المدهش بين المبادئ المسيحية والتفكير العقلاني للحكيم الصيني قديما وتعاليمه”.

وبالفعل عرف ريتشي نجاحا في زمانه في الصين حيث أصبح مستشارا للإمبراطور كانغشي لكن النزاعات التي سببت المشاكل للمسيحية كدين صيني سائد كانت في الطريق.

الصعوبات التي واجهت الكاثوليكية في الصين ليست مقتصرة على هذا الدين بعينه، بل هي تتعلق أكثر بكفاح السلطات المركزية الصينية من أجل فرض حكمها على الإمبراطورية مترامية الأطراف التي تسمّي نفسها الآن بلدا.

 

بدأت الصين تطبق توجهات دولية جديدة تخدم توجهها السياسي الجديد الذي يميل نحو الانفتاح مع الحفاظ على الخصوصية الصينية. ولا تقتصر هذه الخطط على الجانب السياسي والاقتصادي فقط، بل أيضا على الجانب الديني، فمن خلال طريق الحرير الذي يعيد إحياء العلاقات مع العالم الإسلامي، تسعى بكين إلى تجاوز خلافات الماضي مع الفاتيكان. ويسلط المحلل في مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية ايفان ريس الضوء على هذه العلاقة المعقدة وتاريخها وحظوظ الفاتيكان وهو يقترب من حل وسط مع بكين

على امتداد عدة قرون مضت، كانت المسيحية ككل، بالتوازي مع عدة أديان أخرى، في خلاف دائم مع السلطات العلمانية في الصين. واليوم، بينما تواجه الكاثوليكية المنافسة على الأتباع في كافة أنحاء العالم، يحاول الفاتيكان الإبحار في المشهد السياسي الصيني المعقد وهو يسعى إلى إقامة حضور رسمي في البلد.

فوائد ومزالق الدين في الإمبراطورية

 تأتي الأديان بالتحديات والفرص في ذات الوقت لأي إمبراطورية، فهي من جهة تدعي امتلاك الحقيقة الشمولية، وهو ما يمكن أن يدفع المؤمنين للخروج عن إملاءات الإمبراطورية. ومن جهة أخرى يمكن للأديان أن توفر أداة قيّمة للشرعية يمكن أن تستخدمها الدولة.

بالنسبة إلى صين القرن السادس عشر، تبنّي المسيحية كان يعني الوصول إلى التكنولوجيات من أوروبا والمعلومات عن أوروبا التي كان نفوذها يزحف عبر المحيط الهادئ. لكن هذا الوصول للتكنولوجيا لم يكن ذا قيمة إلا متى لم يؤد إلى تقويض سلطة الدولة. وخلال تاريخ الصين على مدى 3000 عام كانت الغلبة دائما للسياسة على حساب الدين.

وصل انتشار الكاثوليكية في الصين إلى ذروته في عام 1692 عندما أصدر الإمبراطور غانغشي مرسوم تسامح جعل المسيحية في موقف الند للند مع الأديان العريقة في الإمبراطورية. لكن هذا المرسوم تضمّن تحذيرا متخفيا في إشارته إلى أن الأوروبيين “هادئون جدا” وأن دينهم، على عكس “الملل الزائفة” لا يحمل “أي نزوع إلى التحريض على الانشقاق”.

لقد أوضح ذلك بأن المسيحية مقبولة فقط طالما بقيت “هادئة” ولم تحاول إضعاف أسس النظام السياسي في الصين. وبالفعل اعتمد نجاح الكاثوليكية في الصين في البداية على الجهود الهائلة التي قام بها رجال الدين في تعلم الفلسفة والثقافة الصينيتين والتقرّب من نخب البلاد. وفي سنة 1615 منح الفاتيكان المسيحيين الصينيين الحظوة الفريدة من نوعها لتأدية الطقوس باللغة الصينية بدلا من اللاتينية.

لكن في مطلع القرن الثامن عشر أظهر خلاف نشأ بين الفاتيكان والسلطات الصينية مدى السرعة التي يمكن بها لهذه الديناميكية أن تنحلّ. أثناء ما سمي “الجدال حول الطقوس الصينية” ناقش الكهنوت الكاثوليكي مسألة السماح للكاثوليكيين الصينيين بالركوع للوحات تحمل صور أسلاف والمشاركة في مراسم كونفيشيوسية أخرى.

اعتبر اليسوعيون في الصين هذه الطقوس ممارسات علمانية لا تتماشى مع الممارسات الكاثوليكية، بينما رآها آخرون في الكنيسة بأنها ممارسات وثنية مبتدعة. ولم يكن هذا النقاش مجرد توافه كنسية بل تحدي جوهر الكونفشيوسية التي تمثل عماد النظام السياسي الصيني الذي كان يربط أدنى المزارعين بمرتبة الإمبراطور عبر تراتبية كبرى تمتد حتى إلى عالم الأموات.

كانت الطقوس الكونفوشيوسية الموسمية إحدى المسؤوليات الأساسية لدى البيروقراطية على امتداد كامل البلاد، وحظر تقديس الأسلاف فيه تحد لنسيج المجتمع الصيني بأكمله. ومن ثم فإن مجابهة الإمبراطور والبيروقراطية اللذين يضمنان تماسك البلاد يكاد يكون خيانة.

كانت المسيحية واجهت ممارسات مشابهة للطقوس الصينية من قبل، حيث تحدّت عبادة الإمبراطور التي كانت ممارسة حيوية لسياسة الإمبراطورية الرومانية منذ بداياتها إلى سنة 388 ميلادية.

وفي صين القرن الثامن عشر، كما كان الحال في الإمبراطورية الرومانية قبل فترة طويلة، أمر الفاتيكان المؤمنين بالوقوف على الحياد وذلك بإصدار البابا كليمنت الحادي عشر حكما نهائيا يمنع الطقوس الصينية في سنة 1704. وبانتشار مبشريها عبر العشرات من الأراضي غير المسيحية، كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد سلطتها. وردا على ذلك طرد إمبراطور الصين البعثة البابوية وحظر كل المبشرين الذين استجابوا لأوامر الفاتيكان.

ونُفي المسيحيون الذين لم يقبلوا التخلي عن دينهم إلى أماكن نائية من الإمبراطورية، وعزل القادة العسكريون في الإمبراطورية الذين لم يفعلوا الشيء نفسه وأمر بنفيهم، وانتظاروا معاهدة تيانجين في سنة 1858 التي أجبرت الحكم لعائلة كينغ لقبول المبشرين مرة أخرى. وتواصل ذلك التقدم الحذر إلى سنة 1951 عندما استهدفت جمهورية الصين الشعبية الشيوعية الدين المسيحي في إطار جهودها لمجابهة ما اعتبرته التهديدات الامبريالية الغربية للاستقرار.

البوذية: الاستثناء الذي يؤكد القاعدة

 من غير المفاجئ أن تعاقب الصين الفاتيكان بشكل شامل في أعقاب جدال الطقوس الصينية. في الإمبراطورية الرومانية كانت المسيحية قد كسبت في النهاية ما يكفي من المعتنقين لهذه الديانة (وقلب الإمبراطور ذاته) لتكون لها قدم راسخة هناك. لكن الصين كانت مختلفة إذ تعامل هذا البلد مع الديانات (بما في ذلك الكاثوليكية) عن طريق العمل على معاقبتها وتطويعها للنظام السياسي، وعند الضرورة كانت الصين تعمد إلى حظرها بالكامل دون تردد.

وحتى أكبر قصة نجاح ديني في الصين، أي البوذية، لم تخلُ من فترات صراع. فبعد أن ظهرت البوذية في الهند، حققت اختراقات في سلالة هان في أواسط القرن الأول، ثم انتشرت تدريجيا إلى كل أركان الإمبراطورية وكسبت عدة أباطرة كمناصرين أقوياء. وبالنسبة لسلالة سوي بين 581 و618 ميلادية وسلالة تانغ بين 618 و907 ميلادية، أصبحت البوذية أداة قيّمة بالنسبة إلى السلطة المركزية. لقد تبنّت الإمبراطوريتان رجال الدين البوذيين من أجل عملهم على الحلول محلّ سلطة الموظفين الحكوميين عبر الإمبراطورية وحتى من أجل ترسيخ مبدأ أخلاقي عام يقوم على التضحية بالنفس بين الجنود سما فوق الولاء للأسرة.

لكن السلطات العلمانية في الصين بقيت دائما مرتابة من أن رجال الدين البوذيين كانوا بعيدين جدا عن الرقابة الدنيوية. وقامت المؤسسات الحكومية بجهود ثابتة لإخضاع الأديرة البوذية لسلطتها والإشراف بشكل أكثر مباشرة على الشؤون الدينية.

ولمّا فقدت سلالة تانغ قبضتها على السلطة في المحافظات الصينية في العشرية التي تنطلق من 840 ميلادية، دبرت السلطات الإمبراطورية عملية تطهير ضخمة من البوذية وذلك بمصادرة الأراضي الرهبانية وتجريد الرهبان من السلطة وتدمير المعابد عبر البلاد. (وفي الوقت نفسه تقريبا، كانت الصين تضع نهاية لأول موجة من المسيحية في البلاد التي قدمت عبر طريق الحرير القديمة). ولما كانت البوذية تعمل على استرجاع السلطة في القرون الموالية كانت في شكل أدخل المزيد من العناصر الثقافية الصينية وشكلت تتمة لنهضة الكونفيشيوسية. وكانت البوذية، على خلاف المسيحية، مستعدة بوضوح للتأقلم مع السلطة السياسية في الصين.

بالنسبة إلى الفاتيكان، منطق المصالحة مع بكين أمر بديهي، فالكاثوليكية توجد في موقف صعب في كافة أنحاء العالم إذ تكافح من أجل الحفاظ على موقعها في الوقت الذي تتحداها فيه أشكال أخرى من المسيحية في أماكن كانت مسيطرة فيها سابقا، وخاصة في أميركا اللاتينية، كما مع تزايد أعداد المسلمين، حتى في معاقل المسيحية في دول كبريطانيا.

وفق بعض التقديرات غير الرسمية، يفوق عدد البروتستانت في الصين عدد الكاثوليك بنسبة ستة مقابل واحد. لكن الكنائس البروتستانتية مستقلة وتشكو من انقسام عميق، بينما لدى الفاتيكان ميزة إيجابية تتمثّل في القدرة على التفاوض مع بكين كهيئة موحدة، فإذا استطاعت دمج الكنيسة غير الرسمية مع الكنيسة الكاثوليكية الصينية الرسمية، يمكن أن تخرج ذلك الجهاز المتخفي إلى العلن مرة واحدة وتكسب المزيد من الأتباع.

لكن بالنسبة إلى البروتستانت ما يحدث مع الكنيسة الرسمية ليس له تأثير على الكنيسة المتخفية مما يصعّب على البروتستانت تنفيذ تغييرات عبر الهيئة. التوقيت هو أيضا مهم، إذ أن القوانين الدينية التي سنّت في فبراير تجعل من الصعب العمل في السر، وتدعيم سلطة الرئيس الصيني شي جينبينغ يؤشر إلى عهد جديد من المركزية التي لا تبشر بالخير بالنسبة إلى النشاط الديني غير المشروع. وربما يرى الفاتيكان أن هذا التوقيت هو الأفضل للظفر بالمصادقة الرسمية. وبالنسبة إلى بكين فإن إرجاع الكنيسة الكاثوليكية إلى الأرض الصينية الرئيسية هو بالأساس انقلاب دبلوماسي ضد تايوان. الفاتيكان هو آخر سلطة أوروبية تعترف بتايوان كبلد، فإن فكت هذه الروابط ستتبع خطاه العديد من العواصم في أميركا اللاتينية.

وكذلك يمكن لتأكيد بكين مجددا على نشر التنمية إلى المناطق النائية أن تساهم فيه الكنيسة الكاثوليكية التي تعمل هي أيضا على تقليص الفقر. وأخيرا، يشير التهرم السكاني في الصين إلى فجوة تلوح في الأفق في الخدمات الاجتماعية الحكومية وخاصة في المناطق الريفية، وهو فراغ يمكن أن تملأه الزيادة في عدد المؤسسات الدينية.

وليست هذه المرة الأولى التي يبدي فيها الفاتيكان وبكين إشارات تقارب بينما تبقى المعضلات بينهما. ليس من الواضح إلى أيّ درجة ستسمح بكين لسلطة خارجية بأن تملي القيادة الدينية على الأرض الصينية، وسيكون على الفاتيكان أن يبرهن على المدى الذي يكون فيه مستعدا للرضوخ لما تريد بكين. لكن، في ظل تعرض الكاثوليكية للتحديات في مختلف أنحاء العالم، قد يجد الفاتيكان في سكان الصين البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة ما يغري كفاية لعقد صفقة.

اقرأ أيضا: الصين – الفاتيكان: صفقة مثيرة للجدل

12