الكنيسة المصرية تلتزم بإصلاحات الدولة رغم تمرد أقلية من المسيحيين

الخميس 2015/04/09
دير وادي الريان يتصدون لقرار الدولة إنشاء طريق قرب الدير رغم عدم قانونية النشاط الديني فيه

القاهرة - جملة من الأزمات المتنوعة تلاحقت على الكنيسة المصرية في الأسابيع الأخيرة، بشكل دفع المتابعين إلى توقع نتائج سلبية على الكيان الكنسي في مصر، الذي كانت سرية الخلافات والقدرة على احتوائها من أهم مظاهر نجاحه طوال فترة الراحل البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

مراقبون لم يستبعدوا أن تؤثر الأزمات المتلاحقة على تماسك المجتمع القبطي في الفترة المقبلة، خاصة أن المناقشات حولها وطريقة العلاج أخذت مسارا غير تقليدي.

وقد كانت أحدث تلك الأزمات العميقة، إصرار بضعة آلاف من الأقباط على تحدي قرار الكنيسة الثابت منذ سنوات طويلة بعدم السفر إلى القدس قبل أن تتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، وانضموا إلى برنامج رحلات لزيارة الأماكن المسيحية في القدس.

ترافقت مع ذلك أنباء عن إقدام عدد من الحركات والائتلافات المسيحية لبدء حملة لجمع استمارات من الأقباط، لسحب الثقة من البابا تواضروس الثاني نفسه، على خلفية موقفه من قــانون الأحوال الشخصيــة الجديد، ورفضه الزواج المدني الذي يسمح للأقباط بالــطلاق، إذا أرادوا بعكس القانون الحالي.

وقال إسحق فرنسيس، منسق عام حركة صرخة للأحوال الشخصية إن تجاهل البابا آلاف المعذبين من متضرري الأحوال الشخصية المسيحية، قد يدفع بعضهم إلى التخلي عن ديانتهم للتمكن من الزواج والطلاق المدني.

من ناحية أخرى، فإن أزمة اللائحة الجديدة لاختيار البابا التي أقرها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مؤخرا، وهي اللائحة ذاتها التي توافق عليها المجمع المقدس (أعلى سلطة دينية في الكنيسة)، في 20 فبراير الماضي، استفحلت بإصرار التيار العلماني على رفضه لتلك اللائحة، لوجود عدة ملاحظات عليها.

وقال جمال أسعد المفكر القبطي إن أبرز الملاحظات حولها، تكمن في تجاهل الحوار المجتمعي مع العلمانيين، وزيادة أعداد الناخبين، فضلا عن أنها أعطت الحظوظ الأوفر لرجال الكنيسة في اختيار البابا وتجاهلت رجال الدين عموما.

دير وادي الريان يتصدون لقرار الدولة إنشاء طريق قرب الدير رغم عدم قانونية النشاط الديني فيه

رغم تنوع الأزمات المتتالية على الكنيسة المصرية، التي تعد من أهم نقاط ارتكاز المسيحية في الشرق الأوسط والعالم، يبقى التحدي الأكبر الذي واجهه البابا تواضروس في الفترة الأخيرة، هو أزمة دير “الأنبا مكاريوس” السكندري، بوادي الريان بمحافظة الفيوم (غرب القاهرة)، والتي أسفرت عن مواجهة مسلحة، حسب وصف بعض وسائل الإعلام المصرية، بين رهبان مؤيدين للبابا وآخرين معارضين له. الدير يعود إلى القرن الرابع الميلادي، وظل مهملا لعدة قرون، إلى أن جاء إليه الأب متى المسكين عام 1960 وأعاد تعميره، وتوافد عليه عدد من الرهبان “المغضوب عليهم”، ولم تعترف به الكنيسة المصرية.

الأزمة الكبيرة اندلعت في 25 فبراير الماضي، عندما توجهت جرافات تابعة لهيئة رسمية إلى مقر الدير لهدم السور، من أجل البدء بشق طريق دولي مزمع إنشاؤه في إطار خطة الدولة لتطوير المنطقة، فتصدى الرهبان لعملية الهدم وألقوا بأجسادهم أمام الجرافات، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الأزمة، وتدخل البابا منحازا لموقف الحكومة ضد الرهبان المعترضين على الهدم، وقام بعزل ستة منهم.

وقد كان البابا تواضروس الثاني قد أصدر بيانا تعليقا على تصدي الرهبان لجرافات هيئة الطرق، شدد فيه على أن هذا المكان “ليس ديرا كنسيا معترفا به”، وأعطى للحكومة الحق القانوني في التصرف، مع مراعاة الحفاظ على الطبيعة الأثرية والمقدسات والمغارات والحياة البرية بالمنطقة، مشددا على تبرؤ الكنيسة من ستة رهبان بالدير خالفوا تعليمات البطريرك واللجنة البابوية.

القس بولس حليم المتحدث الرسمي باسم الكنيسة، يرى أن هناك حملات منظمة ضد البابا تواضروس، وصفها بأنها “موجة وتنتهي”، فالكنيسة أغلى من أي شيء في الوجود، وقامت بدورها لحل المشكلة، لكن جهدها ضاع هباء إزاء تعنت قلة قليلة من قبل بعض القاطنين بالمكان.

في المقابل، قال مارتيروس أحد رهبان الدير إن المشكلة أكبر من شق طريق، لأنها تمثلت في نزع المكان وتسليمه لأشخاص آخرين ليست لهم علاقة بمنطقة وادي الريان ويقطنون بمناطق أخرى، بالإضافة إلى أنه سيتم حرمان الرهبان المقيمين بالدير من الحصول على المياه التي يعيشون عليها، وترك عين واحدة فقط للمياه الطبيعية لهم، تبعد عن الدير 8 كم، وهنا تدفع الدولة الرهبان إلى المواجهة مع الأهالي. وهو ما اعتبره مراقبون “ملامح انشقاق وتوتر عميق داخل المسيحيين في مصر”.

البابا تواضروس الثاني قد أصدر بيانا تعليقا على تصدي الرهبان لجرافات هيئة الطرق، شدد فيه على أن هذا المكان “ليس ديرا كنسيا معترفا به”، وأعطى للحكومة الحق القانوني في التصرف

أما الباحث القبطي يوسف إدوارد فقد أكد لـ”العرب” أنه لا يرى انشقاقا في الصف القبطي، وما يحدث من خلافات نتيجة حتمية لمحاولات البعض الوقيعة بين الكنيسة وأقباطها، لزرع الفتن ونشر الأكاذيب من خلال صفحات مشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقاموا بالعزف على وتر التعاطف مع رهبان صحراء وادي الريان، وللأسف نجحوا في إشعال حرب نفسية واتسعت الفجوة بين الرهبان والكنيسة.

وأبدى إدوارد قلقه من تصاعد الموقف، خاصة أن الحكومة لم تستخدم القوة حتى الآن تجاه رهبان الدير، مؤكدا أنه سيسافر بصحبة العديد من النشطاء والحقوقيين إلى الدير لمحاولة تقريب وجهات النظر بين الكنيسة والرهبان، لتجنب سيل الدماء مرة أخرى.

وقال ميخائيل ويصا الناشط القبطي لـ “العرب” إن الأزمات المتتالية التي تمر بها الكنيسة ناجمة عن عدم تفهمها خروج بعض الأقباط من تحت عباءتها، وأن احتجاجاتهم على قراراتها تأتي من الإيمان بضرورة كسر الأغلال التي تقيدهم بها الكنيسة، متجاهلة رأيهم في ما يخص الكثير من قضاياهم.

واتهم الكنيسة صراحة بالتفريط في الدير، وأنها كانت قادرة على التفاوض مع الحكومة للاحتفاظ به خاصة بعد المعاناة التي بذلها القائمون عليه ليصلوا إلى تلك الحالة، لكنها أصرت على موقفها، والتزمت الصمت، ونددت بهم في وسائل الإعلام المختلفة، وهو ما أثار حفيظة قطاع كبير من الأقباط.

13