الكنيسة المعلقة في مصر هيبة التاريخ وبركة القديسين

الاثنين 2015/04/06
توافد الأقباط على الكنيسة للصلاة ولطلب بركات مريم العذراء

الكنيسة المعلقة بحي مصر القديمة تكتسب من بين عشرات الآثار المسيحية الهامة هيبة ووقارا تستمدهما من طريقة بنائها الفريدة، التي تقف وراء تسميتها، وكذلك سمعتها وشهرتها الواسعة لدى بسطاء الأقباط، بأن السيدة مريم العذراء تنثر بركتها على من يزور الكنيسة.

الكنيسة التي يعود تاريخ بنائها حسب بعض الشواهد إلى حوالي 1700 عام، في حي مصر القديمة المعروفة تاريخيا باسم الفسطاط -وهو المكان الذي اختاره عمرو بن العاص ليقيم فيه عاصمته بعد فتح مصر- وهي منطقة تمثل نموذجا فريدا في العالم لاحتوائها على مزارات مهمة للأديان السماوية الثلاثة. وبنيت الكنيسة المعلقة مكان مغارة، احتمت فيها السيدة مريم مع طفلها المسيح عيسى والقديس يوسف النجار لمدة ثلاث سنوات تقريبا، هربا من بطش هيرودس حاكم فلسطين.

وفي ذات الحي يوجد مسجد عمرو بن العاص أول مسجد بني في مصر، بجوار معبد بن عيزرا اليهودي الذي تقول أساطير يهودية أن النبي موسى استخدمه للصلاة بعد أن أصاب البلاد الطاعون، وهناك أيضا الكنيسة المعلقة وكنيسة القديس مينا بجوار حصن بابليون، وكنيسة الشهيد مرقوريوس (أبوسيفين).

تعد الكنيسة المعلقة من أقدم كنائس مصر، وسميت بالمعلقة لأنها ترتفع عن الأرض 13 مترا، حيث بنيت على برجين قديمين من حصن بابليون، الذي أسسه الإمبراطور تراجان في القرن الثاني ميلادي، ويتوجب على مرتاديها الصعود إليها على درجات سلم مقامة بالقرب من البرج الأوسط، وقد شيدت على الطابع البازيليكي الشهير. وهي تتكون من صحن رئيسي وجناحين صغيرين، وبينهما ثمانية أعمدة على كل جانب، وما بين الصحن والجناح الشمالي صف من ثلاثة أعمدة عليها عقود كبيرة ذات شكل مدبب، والأعمدة التي تفصل بين الأجنحة من الرخام فيما عدا واحد من البازلت الأسود، وبها عدد من تيجان الأعمدة “كورنثية” الطراز.

وفي الجهة الشرقية من الكنيسة توجد ثلاث مذابح أوسطها يحمل اسم مريم العذراء، والأيمن باسم القديس يوحنا المعمدان، والأيسر باسم القديس مارغرغس. وأمام المذابح الثلاث توجد الأحجبة الخشبية، وأهمها الحجاب الأوسط المصنوع من الأبنوس المطعم بالعاج الشفاف، والذي يعود إلي القرن الثاني عشر، ونقشت عليه أشكال هندسية وصلبان، وتعلوه أيقونات تصور السيد المسيح على عرش، وعلى يمينه مريم العذراء والملاك جبرائيل والقديس بطرس، وعلى يساره يوحنا المعمدان والملاك ميخائيل والقديس بولس.

البطريرك خريستودولوس اتخذ الكنيسة المعلقة مقرا لبابا الإسكندرية في القرن الحادي عشر

وعلى حوائط الجناح الأيمن للكنيسة، علقت صور زنكوغرافية لصفحات من مختلف الصحف المصرية، ترصد أحداث ومشاهد من التاريخ الحديث للكنيسة، كما تتضمن صورا للصفحات الأولى لأغلب الجرائد المصرية التي نشرت عن ظهور السيدة مريم العذراء في كنيستها بحي الزيتون في القاهرة في مايو 1968، وهو حدث خرافي شغل المصريين لعدة أسابيع.

كانت الكنيسة المعلقة مقرا للعديد من البطاركة منذ أن اتخذها البطريرك خريستودولوس مقرا لبابا الإسكندرية في القرن الحادي عشر، ودفن بها عدد من البطاركة بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ولا تزال توجد لهم صور وأيقونات بالكنيسة تضاء لها الشموع، وكانت تقام بها محاكمات الكهنة والأساقفة، والمهرطقين.

أما من الناحية الروحانية فللكنيسة قيمة كبرى بين الأقباط، ويقول كاهنها الأنبا يعقوب سليمان لـ”العرب”: هنا يرقد رفات القديسين دميانة وأبو سيفين وغيرهما، ولهذا يشعر كل من يدخل المكان بأمان وسلام وطمأنينة قد لا يشعر بها في مكان آخر.

أصبحت الكنيسة المعلقة مزارا أساسيا لأقباط مصر على مدار العام، خصوصا القادمين من صعيد مصر (منطقة الصعيد تمتد من محافظة بني سويف التي تقع على بعد 124 كم جنوب القاهرة، وحتى أسوان التي تعتبر آخر محافظة قبل الحدود المصرية السودانية). حيث يأتي هؤلاء طلبا للسكينة النفسية والهدوء، واعتقادا في ائتمان السيدة العذراء على مجموعة من الأماني يبوحون بها في أروقة الكنيسة، التي تفوح برائحة العائلة المقدسة، كما تقول مريم نعيم القادمة من محافظة المنيا في صعيد مصر، ومعها ابنتها الشابة التي لم تنجب رغم مرور 4 سنوات على زواجها وهو أمر يراه كثيرون من أهل الصعيد نقيصة هائلة تستدعي طلب المساعدة والبركة من الأولياء والقديسين.

الكنيسة بنيت مكان مغارة احتمت فيها السيدة مريم مع المسيح عيسى هربا من بطش هيرودس حاكم فلسطين

وأضافت الأم لـ”العرب”: هنا أنعم بالسلام والطمأنينة وأنا في حضرة العذراء والمسيح، وأطلب منهما ما أشاء وكلي يقين أنهما سيكونان شفيعيّ عند الرب لتحقيق أحلامي.

وتبدو الكنيسة المعلقة شاهدة على التسامح الديني بين مسلمي مصر ومسيحييها، بداية من العبارات التي كتبها عمرو بن العاص بنفسه على جدران الكنيسة، عندما زارها بعد فتح مصر، وأوصى فيها المسلمين بالحفاظ على هذا البناء المقدس عند الأقباط، مرورا بحرص الخليفة العباسي هارون الرشيد، والفاطميين ومنهم العزيز بالله والظاهر لإعزاز دين الله، على تجديد وترميم الكنيسة.

أما أحدث الترميمات فقد استغرقت ستة عشر عاما، حيث بدأت عام 1998 حتى أعيد افتتاحها في شهر أبريل من العام الماضي (2014) بعدما تضررت مبانيها بشدة خلال الزلزال الذي ضرب مصر عام 1992، وتم التركيز خلال عمليات الترميم التي بلغت حسب مصادر حكومية 101 مليون جنيه مصري (تحو 15 مليون دولار) على إيجاد آلية لمنع المياه الجوفية التي تراكمت أسفل مقر الكنيسة وهددت بانهيارها. لكن فريق المهندسين المصريين الذي تولى عملية الترميم بمساعدة من معماريين روس وإيطاليين، توصل إلى عمل أنفاق لتجميع المياه وتصريفها، وتظل هذه الكنيسة شاهدة على تاريخ وبدايات التسامح بين مختلف الأطياف في مصر.

12