الكهرباء اللاسلكية ثورة تكنولوجية لا تحظى بثقة كافية

بعد ظهور تقنيات الشحن اللاسلكي للهواتف الذكية، يمكن لوسائل نقل الطاقة لاسلكيا أن تضع نهاية لإحدى مشكلات الأجهزة الكهربائية عبر توفير طريقة جديدة تتجنب عيوب استخدام الأسلاك والكابلات.
الأربعاء 2019/03/06
الطاقة اللاسلكية تتيح مستوى غير مسبوق من الرفاهية في وسائل النقل

لم يعد مستبعدا الاستغناء عن نقل الكهرباء بالوسائل التقليدية بسبب ما أفرزته الثورة التكنولوجية بنظام الاتصالات اللاسلكية، ومن المتوقع في المستقبل القريب أن يقع التزود بالكهرباء لاسلكيا حيث لن تكون الكهرباء مقيدة بمكان ويمكن الحصول عليها في أي مكان غير مجهز، وقد استخدمت الهواتف الذكية مثل نوكيا أو في مجال السيارات مثل شركة “وينتريسيتي” الشحن اللاسلكي والكل أشاد بفاعلية العملية وبما يمكن أن توفره من رفاهية غير مسبوقة سيحظى بها المستهلك حال اعتماده على الكهرباء اللاسلكية، ويدفع التطور التكنولوجي المذهل إلى نمو نقل الطاقة اللاسلكي العالمي، لكن هذه الثورة لا تخلو من عيوب ومخاطر، إذ يبدو من الصعإقناع المستهلك بمدى أمان وسلامة نقل الكهرباء لاسلكيا.

ينتظر العالم في غضون السنوات القليلة القادمة تحولا في طريقة تأمين احتياجات البيوت والمصانع والبنية التحتية من الطاقة. ويعتمد اليوم قطاع كبير من الناس على شبكات كهرباء يتم الاتصال بها بوسائل مادية، فتعمل مثل مقبس كهرباء عملاق، لكن من الواضح أن هذه الطريقة غير فعالة بالقدر الكافي، كما تذهب 50 بالمئة أو أكثر من التكلفة التي يتحملها المستخدم مقابل نقل الطاقة عبر الشبكة، إضافة إلى تكاليف الصيانة الدورية التي تزداد سنويًا.

ولفتت مجلة “فوربس” الأميركية، في تقرير مطول لها صدر مؤخرا، إلى حجم الثورة التكنولوجية التي أحدثها نظام الاتصالات اللاسلكية، ورأت أنه من المرجح خلال السنوات القليلة القادمة أن يحظى مجال الطاقة أيضا بنفس التأثير، فلو اعتمدت شبكات الطاقة على نظام لاسلكي أسوة بأبراج الاتصالات، ستكون الكهرباء غير مقيدة بمكان ويمكن الحصول عليها في أي مكان غير مجهز، الأهم أن ذلك مقابل جزء صغير من التكلفة الحالية لنقل الكهرباء عبر ذات الكابلات.

ويمكن تعريف الطاقة اللاسلكية، بأنها عملية نقل الطاقة الكهربائية من مصدر الطاقة إلى الحمل الكهربائي دون ربط أسلاك، وتكون هذه الطريقة مفيدة في حالات الحاجة لتوصيل الكهرباء إلى مناطق تكون فيها الأسلاك غير ملائمة أو معرضة إلى خطر، ويتم إرسال الطاقة اللاسلكية باستخدام ما يعرف بالحث المباشر أو عن طريق الحث المغناطيسي الرنيني، بحسب موقع “ماركت وتش” المختص بتحليل أخبار المال والأعمال وسوق الأوراق المالية.

وبدأ العلماء أولى خطواتهم الفعلية على طريق إنتاج الكهرباء اللاسلكية عام 2006 تحت إشراف مارين سلوجاك، حينما نجح فريق من قسم الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وقسم الهندسة الكهربائية وعلوم الكمبيوتر في إجراء تجارب استهدفت إضاءة مصباح كهربائي بقدرة 60 واط لاسلكيًا من مسافة تجاوزت المترين، وبكفاءة وصلت إلى ما يقرب من 45 بالمئة. حقق العلماء تلك النتيجة باستخدام ملفين نحاسيين تم توصيل أحدهما بمصدر الطاقة، والآخر بالمصباح المراد تشغيله، وتحققت المعجزة العلمية بإنارة المصباح رغم وجود عازل خشبي بين الملفين. تتابع منذ ذلك الحين تقدم العلم على طريق تحقيق تجارب على نطاق أوسع وبفاعلية أكبر.

وبدأت شركات تصنيع السيارات الكبرى، مثل نيسان وتويوتا موتورز وهوندا، بالتركيز على تطوير السيارات الكهربائية المشحونة كبديل للمركبات التقليدية، ما يعني أن استخدام الطاقة اللاسلكي سيتيح مستوى غير مسبوق من الرفاهية والفاعلية في وسائل النقل، وسوف يغير في حياة نسبة هامة من الناس، خاصة إذا دخلت هذه التقنية إلى الطائرات والصواريخ. وبعد ظهور تقنيات الشحن اللاسلكي للهواتف الذكية، يمكن لوسائل نقل الطاقة لاسلكيا أن تضع نهاية لإحدى أكبر مشكلات الأجهزة الكهربائية.

وتعد زيادة انتشار تطبيقات إنترنت الأشياء، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا من العوامل الرئيسية لنمو سوق نقل الطاقة اللاسلكي العالمي، بالإضافة إلى أن تغيير مستويات المعيشة وزيادة الدخل المتاح هي عوامل أخرى تدفع نمو سوق نقل الطاقة اللاسلكي العالمي.

الهواتف والطاقة

تعد زيادة انتشار تطبيقات إنترنت الأشياء، من عوامل نمو سوق نقل الطاقة اللاسلكي العالمي، ومن المتوقع أن يخلق تكامل الطاقة الشمسية مع نقل الطاقة لاسلكيا فرصا استثمارية مستقبلا
تعد زيادة انتشار تطبيقات إنترنت الأشياء، من عوامل نمو سوق نقل الطاقة اللاسلكي العالمي، ومن المتوقع أن يخلق تكامل الطاقة الشمسية مع نقل الطاقة لاسلكيا فرصا استثمارية مستقبلا

من المتوقع أن يخلق تكامل الطاقة الشمسية مع نقل الطاقة لاسلكيًا فرصا استثمارية ضخمة لرواد هذه التقنية خلال السنوات العشر المقبلة، بعد أن ازداد مؤخرا الوعي بأهمية دور الطاقة المتجددة في العالم العربي، وتزايد أعداد الألواح الشمسية، على صعيد الاستخدام المنزلي أو غيره.

وتستحوذ أميركا الشمالية على أعلى حصة من الإيرادات في السوق العالمية لهذا المجال، ومتوقع أن تسجل معدل نمو سنوي مركب خلال فترة وجيزة. وقد تشهد سوق منطقة آسيا والمحيط الهادئ نموًا ملحوظاً. ويعزى هذا النمو إلى وجود كبار المستثمرين في مجال الطاقة في دول مثل كوريا الجنوبية والصين واليابان.

وأعلن إيريك غيلر، الرئيس التنفيذي آنذاك لشركة “وينتريسيتي” الأميركية، عام 2009 في مؤتمر تيد العالمي، عن نجاح تشغيل أجهزة تلفاز وشحن هواتف محمولة باستخدام الطاقة المنقولة لاسلكيا.

ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي سي” عن غيلر قوله بأن نظام إمداد الطاقة اللاسلكية يمكن أن يحل محل الكابلات الكهربائية التي تمتد لأميال وتتكلف المليارات، وأضاف أن شركته قادرة على توصيل الكهرباء للأجهزة الكبيرة والصغيرة بالطريقة ذاتها.

يبدو أن غيلر استشعر مخاوف الحضور من معايير السلامة المرتبطة بعملية نقل الكهرباء لاسلكيًا، إذ إنه أسرع إلى التأكيد على أنه بخير، وذلك في أثناء سيره حول جهاز التلفاز الذي تم تشغيله بواسطة الكهرباء اللاسلكية، وصرح قائلا “النظام يعمل بأمان فالطاقة تنتقل من خلال المجالات المغناطيسية”.

أليكس غروزن: لا حاجة لشخص يأخذ السيارة الكهربائية لإدخالها محطة الشحن، فقد أصبحت هذه العملية تتم لاسلكيا
أليكس غروزن: لا حاجة لشخص يأخذ السيارة الكهربائية لإدخالها محطة الشحن، فقد أصبحت هذه العملية تتم لاسلكيا

وعلى الرغم من أن مارين سلوجاك، هو من أخرج إلى النور أول نموذج لتوصيل الكهرباء لاسلكيا، إلا أنه أرجع الفضل الأول في هذا إلى المخترع الأميركي توماس أديسون في القرن التاسع عشر، والفيزيائي والمهندس نيكولا تسلا في اكتشاف هذا المفهوم، لكنهما واجها بعض الصعوبات المالية التي لم تمكنهما من الوصول إلى النتيجة المرجوة.

وأعلنت شركة نوكيا منذ حوالي عشر سنوات عن نموذج أولي لنظام شحن قادر على تشغيل هاتف محمول وجعله في وضع الاستعداد إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى توصيله بالتيار الكهربائي، وفقا لما ذكره ماركو روفالا، أحد الباحثين الذين طوروا نظام الشحن في مركز أبحاث نوكيا في كامبريدج بالمملكة المتحدة.

ونقل موقع معهد ماساتشوستس عن سلوجاك أنه ورفاقه يتطلعون إلى مستقبل لا تحتاج فيه أجهزة اللابتوب والهواتف المحمولة إلى أي أسلاك على الإطلاق، وتكون هناك شبكات كهرباء لاسلكية يمكنها تشغيل الأدوات المنزلية مثل المكانس الروبوتية، والتي على الرغم من أنها تؤدي عملًا رائعًا فإنها بعد تنظيف غرفة أو غرفتين، تنفذ بطاريتها ما يتطلب توقف العمل لإعادة الشحن.

وعلاوة على أجهزة الإلكترونيات المنزلية، يمكن أن تجد الطاقة اللاسلكية طريقها نحو آلات المصانع التي تتطلب كميات كبيرة من الطاقة لساعات طويلة، قد ينتج عن انقطاعها خسائر فادحة.

وعادت شركة “وينتريسيتي” للظهور مرة أخرى على الساحة العلمية بعد نحو عشر سنوات من ظهورها الأول، لتعلن أنها تجاوزت مرحلة شحن الهواتف والأجهزة الكهربائية لا سلكيا، لتبدأ في توفير خدمات شحن السيارات الكهربائية بالطريقة ذاتها.

وصرح أليكس غروزن، الرئيس التنفيذي لـ”وينتريسيتي” في أكتوبر الماضي بأنه لم يعد هناك حاجة لشخص يأخذ السيارة الكهربائية لإدخالها محطة الشحن، فقد أصبحت هذه العملية تتم لاسلكيًا، كما أعلنت الشركة إبرامها اتفاقية شراكة مع “بي.أم دبليو” لإطلاق نظام شحن عن بعد يفيد مستخدمي السيارات الكهربائية.

يرى غروزن أن صناعة السيارات على موعد مع تحول كبير بسبب ظهور تقنيات الشحن اللاسلكي للسيارات الكهربائية، وقد عززت من ذلك عدة عوامل، من بينها فضيحة الانبعاثات التي ضربت شركة سيارات فولكسفاغن، وانخفاض تكلفة البطاريات، ونجاح سيارات تسلا الكهربائية في جذب المزيد من المستهلكين. وقال غروزن “كل هذه الأشياء تجمعت، وأدت إلى ما نراه الآن من سباق غير عادي بين جميع صانعي السيارات الكهربائية.. السوق ينطلق”.

يشار أيضًا إلى أن هذا لا ينفي أن السيارات الكهربائية لا تزال تواجه مخاوف من شريحة كبيرة من المستهلكين، كما أن الأمر يتطلب بعض الوقت والمجهود لتغيير الثقافة السائدة لدى المستخدم وفكرته الثابتة عن السيارات الكهربائية، فهناك الكثيرون ممن يتخوفون من صغر السعة التخزينية للبطارية، والوقت المطلوب للشحن وتوافر مصادره، وهو ما يعمل مطورو تقنيات الشحن اللاسلكي على حله.

وقد أعرب غروزن عن تطلعه لأن يكون الشحن اللاسلكي أسهل من الحصول على الوقود التقليدي، لذا فمن المخطط أن تأخذ وسائل الشحن اللاسلكي عدة أطوار، بداية من بساط تقف عليه السيارة في الجراجات الخاصة، ووصولا إلى مصادر شحن لاسلكي مدمجة في أماكن الانتظار العامة ومواقف السيارات الأجرة.

الأنظمة الشمسية

نظام إمداد الطاقة اللاسلكية يمكن أن يحل محل الكابلات الكهربائية التي تمتد لأميال وتتكلف المليارات
نظام إمداد الطاقة اللاسلكية يمكن أن يحل محل الكابلات الكهربائية التي تمتد لأميال وتتكلف المليارات

عندما يتعلق الأمر باستخدام الطاقة الشمسية في المرافق العامة، مثل إضاءة الشوارع أو تشغيل جهاز السلامة بالسكك الحديدية، نجد أن أنظمة الطاقة المتجددة لا تحظى بالثقة الكافية، إذ لا يمكن للإدارات المحلية تحمل مسؤولية مرور عدة أيام تغيب فيها الشمس، لذلك يحتاج مقدمو تلك الخدمات الاعتماد على مصدر الطاقة الخاص بهم على مدار الساعة.

وفي الولايات المتحدة ظهر استخدام الطاقة الشمسية الهجينة كحل فعال، وهو نظام يتم فيه تزويد مولدات الألواح الشمسية ببطاريات مساعدة لتأمين استمرار تزويد الطاقة في حال عدم توافر أشعة الشمس، وحققت شركات مثل سولار إيدج في عام 2018 عائدات قياسية من بيع هذه الأنظمة بلغت 236.6 مليون دولار، بزيادة سنوية وصلت حوالي 42 بالمئة، بحسب مجلة
فوربس. وسعت شركات مثل تسلا إلى تحسين سعة تخزين وكفاءة شحن البطاريات المساعدة للأنظمة الشمسية، لجعلها أكثر موثوقية، حيث طورت الشركة ابتكار تسلا “باور وول”، وهو حل يتم

استخدامه لتخزين الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة على نطاق واسع. وفي دراسة عرضت عام 2013 في المؤتمر الدولي للطاقة والمعلومات والاتصالات، بحث العلماء إمكانية استخدام الطاقة الشمسية ونقلها لاسلكيا، عبر عدة مراحل، أولاً: تخزين الطاقة الشمسية في بطارية ليتم نقلها بعد ذلك عبر وسيط لاسلكي يستند إلى أداة ربط
حثي.

زيادة الاعتماد على التكنولوجيا من العوامل الرئيسية لنمو سوق نقل الطاقة اللاسلكي العالمي
زيادة الاعتماد على التكنولوجيا من العوامل الرئيسية لنمو سوق نقل الطاقة اللاسلكي العالمي

وقال القائمون على تلك الدراسة أن ميزة هذا المشروع تتمثل في زيادة استخدام موارد الطاقة المتجددة لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، المسببة للاحتباس الحراري، كما أن نظام نقل الطاقة اللاسلكي طريقة جديدة لنقل الطاقة تتجنب عيوب استخدام الأسلاك والكابلات.

ويمكن لأفكار دمج الطاقة اللاسلكية بمشاريع الطاقة الشمسية أن تكون طوق النجاة للكثير من البلدان العربية التي تواجه تحديات في مجال إمدادات الطاقة، مثل مصر، بعد الإعلان العام الماضي عن افتتاح أكبر حقل لتوليد الطاقة الشمسية على مستوى العالم في مدينة أسوان جنوبي البلاد، وتحديدًا في منطقة “بنبان” التي أثبتت الدراسات أنها واحدة من أكثر المناطق التي تنعم بسطوع الشمس في العالم.

وتكمن أهمية المشروع المصري في أنه يضم 40 محطة شمسية لتوليد الكهرباء  تحت الإنشاء، تبلغ قدرة كل منها 50 ميغا واط، ويبلغ إجمالي الطاقة الشمسية التي ينتجها 90 بالمئة من إنتاج السد العالي للطاقة الكهربائية، ويعد أكبر تجمع لمحطات طاقة شمسية بنظام الخلايا الفولطية دون تخزين على مستوى العالم، على مساحة 250 فدانا، بتكلفة مالية تقدر بمليار جنيه (نحو 60 مليون دولار)، بحسب صحف محلية مصرية. بذلك يمكن التأكد من أن النقل اللاسلكي سوف يكون مستقبل قطاع الكهرباء والطاقة بصفة عامة، والذي بدونه يصعب تحقيق مستوى الرفاهية في مجالات المواصلات والاتصالات ومختلف الصناعات، التي تعتبر بدورها حلقة في سلسلة تقدم البشرية ورخاء الشعوب.

12