الكهرباء تربط ما انقطع من علاقات التجارة العربية

البنك الدولي يقدّر عوائد ربط شبكات الكهرباء العربية بنحو 180 مليار دولار.
الخميس 2020/02/27
وضع أسس سوق الكهرباء المشتركة

نجحت عمليات الربط الكهربائي بين الدول العربية في إصلاح ما انقطع من حركة التجارة البينية للسلع والخدمات، التي تراجعت إلى مستويات متدنية للغاية متأثرة بالتوترات السياسية في بعض دول المنطقة وتباطؤ النمو الاقتصادي.

القاهرة - فتحت عمليات الربط الكهربائي بين دول المنطقة العربية آفاقا جديدة لتعزيز حركة التجارة البينية، بعد أن بزغ نجم الطاقة كرافد تصديري بين مختلف دول المنطقة.

وقدرت دراسة أعدها البنك الدولي حول “تحفيز تجارة الكهرباء بين البلدان العربية” عوائد ربط شبكات الكهرباء العربية بنحو 180 مليار دولار، بما يفوق حجم التجارة العربية البينية للسلع البالغة 110 مليار دولار بنحو 63 في المئة.

وتضع القاهرة حاليا اللمسات النهائية لمشروع الربط الكهربائي مع السعودية بقدرة 3 آلاف ميغاواط، وهو محور رئيسي لربط دول المشرق العربي بدول أفريقيا العربية تمهيدا لإنشاء سوق مشتركة للكهرباء.

وانتهت وزارة الكهرباء من خط الربط مع السودان بقدرة 300 ميغاواط ترتفع في مراحل لاحقة لنحو 3 آلاف ميغاواط، وتستهدف من خلالها الربط مع إثيوبيا ومنها لمختلف دول أفريقيا.

وتعتمد الأردن وليبيا حاليا على الكهرباء المصرية بعد دخول عمليات الربط حيز التنفيذ الفعلي، وتعكف وزارة الكهرباء على إعداد دراسات جدوى لزيادة سعة الطاقة نحو الأردن لتصل إلى نحو 2000 ميغاواط بدلا من القدرة الحالية البالغة 450 ميغاواط.

محمد شاكر: وضعنا لبنات سوق عربية للكهرباء لإنشاء 26 محطة
محمد شاكر: وضعنا لبنات سوق عربية للكهرباء لإنشاء 26 محطة

ودخل العراق ودول الخليج في مرحلة متقدمة من ترتيبات الربط الكهربائي في وقت تضغط فيه الإدارة الأميركية لإيقاف استيراد العراق للكهرباء من إيران، إضافة إلى خطوات الربط مع الأردن.

وقال البنك الدولي إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أقل المناطق عالميا في التكامل الاقتصادي، فحجم التجارة البينية بين دول الاتحاد الأوروبي تصل لنحو 63 في المئة في وقت قدر فيه صندوق النقد العربي معدل التجارة العربية البينية بنحو 6.4 في المئة فقط.

وكشف باروميتر الطاقة للبنك الدولي عن أن تجارة الطاقة في المنطقة يمكن أن تحدث فارقا حقيقيا يعزز المنافسة، ومن ثم يمكنها إطلاق العنان لقوة الدفع المترتبة على ذلك لتحفيز التجارة والتعاون في مجالات أخرى.

وتتواكب تلك الخطوات مع تعديل البنك الدولي لتوقعات للنمو بالمنطقة إلى السالب ورجح ألا يتجاوز متوسط نسبة الناتج الإجمالي لهذا العام نحو 0.6 في المئة وهو أقل بنحو واحد في المئة عن التقديرات والتي كانت تشير إلى 1.4 في المئة.

ويعوّل البنك على تحفيز التجارة الإقليمية في الكهرباء بما يسهم بقوة في النمو بالمنطقة، حيث تؤمّن تجارة الكهرباء الطاقة للاستثمارات الرأسمالية، وتعزز من تحسن المالية العامة للدول من خلال تنويع مصادر التمويل عبر تجارة الكهرباء.

وقال محمد شاكر وزير الكهرباء والطاقة المتجددة في تصريح خاص لـ “العرب”، “لقد وضعنا أولى لبنات سوق الطاقة العربية من خلال عمليات الربط الكهربائي والتي أصبحت رافدا تصديريا مهما لمصر، حيث أضفنا قرابة 25 ألف ميغاواط جديدة من الكهرباء، تعادل 12 مرة حجم كهرباء السد العالي”.

وأوضح أن بلاده تبنت خطة لإصلاح منظومة إنتاج الكهرباء من خلال ضخ استثمارات خلال الخمس سنوات الماضية بنحو 18.5 مليار دولار لتدشين 26 محطة توليد كهرباء جديدة.

وتتيح التجارة الإقليمية للطاقة الفرصة للانتقال بمزيج الطاقة نحو الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي بدلا من استخدام السولار والمازوت، الأمر الذي يدعم خطط التحول في مجال الطاقة ببلدان المنطقة.

ويؤدي هذا التحول إلى تقليص الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، ويحدّ من التلوث الذي يتسبب في تدهور رأس المال البشري، ويزيد الضغوط على كاهل الأنظمة الصحية.

وتعزز الطاقة من التحول إلى تكنولوجيا الطاقة الأحدث والأنظف بما يكون له تأثير إيجابي على الوظائف، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن مشاريع الطاقة الشمسية تجلب مثلي ما تجلبه مشاريع الطاقة التقليدية في المتوسط من الوظائف لكل وحدة كهرباء مولدة.

وائل النشار: الخطوة تتيح تجارة الكهرباء وتعزز كفاءة تشغيل المحطات
وائل النشار: الخطوة تتيح تجارة الكهرباء وتعزز كفاءة تشغيل المحطات

وأثبتت مشاريع الطاقة المتجددة أيضا أنها تعظم الاستفادة من المكون المحلي، فمتوسط المكون المحلي بمشاريع الطاقة الشمسية في مصر والمغرب يقدر بنحو 40 في المئة.

وتعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة عمليات لاستثمارات القطاع الخاص في مجال الطاقة المتجددة بأسعار تنافسية للغاية.

وأكدت جامعة الدول العربية، والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والبنك الدولي، تقديم جميع أشكال الدعم لتدشين السوق العربية المشتركة للكهرباء.

وتخطط السعودية خلال الفترة المقبلة لاستضافة أول اجتماع إقليمي لآليات تسعير الطاقة بمشاركة جميع البلدان العربية لاختبار مناهج التسعير وإتمامها لتسريع وتيرة التجارة المتبادلة.

وبدأ المجلس الوزاري العربي للكهرباء التصديق على اتفاقيات السوق العربية المشتركة للكهرباء وعلى أن تكتمل عملية التصديق عليها قبل نهاية العام الحالي.

وقال الخبير في شؤون الطاقة وائل النشار لـ”العرب”، إن “عمليات الربط الكهربائي بين الدول العربية تعزز الاستفادة من فائض الطاقة في أوقات الذروة، حيث تختلف ذروة الاستهلاك في دول المنطقة بما يزيد من فرص الاستثمار في هذا المجال”.

وأشار في هذا الصدد إلى أن محطات توليد الكهرباء في مصر لا تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية بسبب زيادة القدرات الكهربائية المولدة عن الاستهلاك المحلي.

وتصل القدرة المولدة في مصر لنحو 56 ألف ميغاواط، ولا تزيد معدلات الاستهلاك عن 33 ألف ميغاواط، بما يجعلها تمتلك فائضا بنحو 23 ألف ميغاواط، يحتاج للتصدير بشكل فوري.

وأكد النشار إلى أن محطات الكهرباء لا بد أن تعمل بطاقة 75 في المئة من طاقتها لكي تحقق اقتصاديات تشغيلها فنيا.

وتتحرك القاهرة على العديد من المحاور لتنويع مقاصدها التصديرية للكهرباء لتصريف فائض إنتاجها، ووقّعت مذكرة تفاهم للربط الكهربائي شمالا مع قبرص واليونان أملا في فتح السوق الأوروبية أمام الكهرباء المصرية.

وتتواكب هذه التحركات مع توسع القاهرة في تدشين مزارع لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح باستثمارات من القطاع الخاص، الأمر الذي يضعها أمام واقع خطط الربط الكهربائي لتواكب الفورة المتسارعة في توليد الطاقة.

ويستغرق إنشاء سوق عربية متكاملة للكهرباء بعضا من الوقت، حيث تحتاج إلى تأسيس مركز للربط بين السعودية والعراق والأردن، غير أن هذا المثلث يعد معبرا إلى شبكات الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي ويشكل نواة تجعل حلم السوق العربية المشتركة لتجارة الكهرباء حقيقة.

10