"الكهف" وثائقي عن يوميات سوريين داخل مستشفى سرّي تحت الحصار

الفيلم الوثائقي يركز على سيرة طبيبة شابة تدير مستشفى سريا على تخوم دمشق يرزح تحت الحصار منذ سنوات عدة.
السبت 2019/10/19
مأساة تتكرّر كل يوم

لوس أنجلس - بالرغم من كلّ التعذيب الذي قاساه المخرج فراس فياض، يصرّ هذا السينمائي السوري على مواصلة توثيق ممارسات النظام السوري، وهو يقدّم فيلما وثائقيا جديدا بعنوان “الكهف” بدأ عرضه، الجمعة، في الصالات الأميركية.

وبالرغم من انتزاع أظافره والصدمات الكهربائية التي تعرض لها، لا يزال هذا السينمائي السوري مصرا على سرد أهوال هذه الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات، والتي أعاد تأجيجها الغزو التركي لشمال شرق البلاد في مطلع الشهر الحالي.

ويركّز فيلمه الوثائقي الجديد بعنوان “الكهف” (ذي كايف) على سيرة طبيبة شابة تدير مستشفى سريا على تخوم دمشق يرزح تحت الحصار منذ سنوات عدة.

ويقول فراس فياض “لقد قاست الكثير، لا أظن أن أحدا على قيد الحياة باستثناء الناجين من الهولوكوست (المحرقة النازية لليهود)، قد عاش ما عاشته”.

فراس فياض: لا أظن أن أحدا على قيد الحياة عاش ما عاشته سوريا
فراس فياض: لا أظن أن أحدا على قيد الحياة عاش ما عاشته سوريا

ويضيف “هذا الحصار الهمجي للغوطة الشرقية، وهو الأطول في تاريخ سوريا المعاصر، لا يمكن لأحد تصوّره”.

وقد أدارت الطبيبة أماني بلور هذه الشبكة من الأنفاق وغرف العمليات البدائية في الجيب، الذي يسيطر عليه معارضو النظام السوري والذي يحاصره الجيش منذ 2013.

وقد كانت الطبيبة مع فريقها أول من يتحرك لمساعدة المنكوبين جراء قصف غير مسبوق في قوته من النظام السوري وروسيا سنة 2018، إلى أن أرغمهم هجوم كيميائي على الفرار.

ورغم عملها البطولي، يؤكّد المخرج أنه لم يكن من السهل إقناعها بأن قصتها قد تهم العالم. حتى أن أماني بلور سألته “ما الذي سيجعلهم يهتمون بذلك فيما ثمة مشكلات أكبر بكثير من حولنا؟”. وقد رد عليها قائلا “سأحاول. لا أظن أن الناس سيستطيعون تجاهل ما فعلتِه”.

وكانت النتيجة إنجاز فيلم وثائقي مدته ساعة و42 دقيقة، في تجربة مضنية أنجزها فريق لا يزال يعيش في الغوطة وتظهر الحياة على الأرض وتحتها على وقع انهمار القنابل، ومع نقل الضحايا بصورة طارئة على الحمالات والعربات.

وفي هذا الفيلم الذي أنتجته محطة ناشونال جيوغرافيك مع المعهد الدنماركي للأفلام الوثائقية، بقي فراس فياض على اتصال يومي بالفريق الموجود في الميدان، وحرص على إظهار حقيقة يومياتهم بنمط سينمائي واقعي من دون صوت مرافق للأحداث ولا مقابلات لأشخاص يتحدثون أمام الكاميرا.

ومن قلب المأساة، ينقل المخرج مشاهد من يوميات هؤلاء السكان المحاصرين، بينهم ممرضة شابة تبتكر أساليب لإطعام 150 شخصا مع موارد محدودة للغاية، أو حفلة عيد ميلاد سرية استخدمت فيها القفازات الجراحية المنفوخة بدلا من البالونات.

وقد دفع سبب آخر بفراس فياض إلى وضع أماني بلور في قلب قصته، إذ كانت من بين النساء القليلات وربما الأولى التي تولت إدارة مستشفى في المجتمع السوري الذكوري. وتظهر في الفيلم وهي تتعرّض لمهاجمة زوج إحدى المريضات.

والسينمائي السوري، الذي ترعرع في عائلة تضم أيضا سبع شقيقات، يقول إنه يدرك تماما حجم المضايقات والعنف الذي تتعرّض له النساء اللواتي يرفضن الانصياع للأنماط الاجتماعية السائدة.

ويضيف “لقد سمعت عن نساء يتعرضن للتعذيب لمجرد أنهنّ نساء. أحيانا كنت أسمع هذه الأصوات كما لو أنها صادرة عن أمي أو أختي”.

ونجحت أماني بلور في الهروب إلى شمال سوريا ثم إلى أوروبا عن طريق تركيا، لتنضم إلى عشرات آلاف اللاجئين الآخرين الذين سلكوا هذه الدرب. كذلك هرب المخرج عبر الحدود مع الأردن، وهو يوزّع وقته بين منزله في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن وعمله في شمال سوريا. وهو، كما كثيرين غيره، يبدي قلقا إزاء الهجوم التركي على قوات كردية في شمال شرق سوريا. ويقول “ما يحصل مقلق للغاية، لأنه قد يطيل أمد الحرب ويؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا”، متوقعا موجة نزوح جديدة.

ويضيف “ينتابني شعور بالذنب لأني لست هناك، أشعر بأنه من الضروري فعل شيء ما وإسماع أصوات هؤلاء. آمل أن أبعث الأمل في نفوس هؤلاء الأشخاص”.

والمخرج فراس فياض، هو أول سوري يرشح لجائزة أوسكار عن فيلمه “آخر الرجال في حلب” (2017)، الذي يدور حول يوميات عناصر الإغاثة في ثاني كبرى المدن السورية.

13