الكوبي ويفريدو لام فنان غير وجه الإنسانية في لوحاته

لم يحظ الكوبي ويفريدو لام من قبل بمثل هذا المعرض الضخم الذي يقيمه له مركز بومبيدو بباريس حتى منتصف فبراير القادم، رغم أنه أقام فيها ردحا من الزمن، خالط خلاله أعلام الفن والأدب في تلك الفترة، وترك رصيدا هاما يمتزج فيه الرسم بالنحت والخزف، ويتميز بأسلوب ينهل من موطنه الأصلي ومن جذوره الخلاسية.
الاثنين 2015/11/02
لوحات ويفريدو لام زعزعت معتقدات الناس

الرسام الكوبي ويفريدو لام (1902/1982) الذي يحتفي به مركز بومبيدو بباريس حاليا فنان رحالة، تلونت أعماله في البداية بألوان الأماكن التي عاش فيها وعانق في أعطافها مختلف التيارات الفنية السائدة.

اسمه الحقيقي ويلفريدو، فقدَ حرْف اللام خطأ عند حلوله أول مرة بأسبانيا لدراسة الفنون الجميلة، فتبنى اسمه الجديد ويفريدو حتى صار لا يعرف إلاّ به، مثلما تبنى في أعماله الحداثة الغربية والإرث الأفريقي والثقافة الكاريبية.

في عروقه تجري دماء ممتزجة، فهو من أب صيني من كانتون ومن أم خلاسية سليلة عبيد أفارقة من جهة أمها وغزاة أسبان من جهة أبيها.

في مدريد اكتشف الطالب الشاب فيلاثكيث وغويا والغريكو وجيروم بوش وسواهم، وتعلم منهم فاصطبغت أعماله الأولى بالفن الغربي.

ومع ذلك فالتحول الجذري في حياة ويفريدو حدث في مطلع الثلاثينات، فقد تزوج وأنجب ولدا أراده على اسمه ويلفريد (بحرف اللام) فلم يعمر طويلا إذ عصف به مرض السل هو وأمه، ثم التحق بمصنع للأسلحة لكسب قوته فعانى كثيرا من المواد الكيمياوية المنتشرة فيه بغير وقاية، وعند اندلاع الحرب الأهلية، اختار الانضمام إلى الجمهوريين، وبانتصار قوات فرانكو هاجر إلى فرنسا كسائر معارضي الطغمة الحاكمة، واستطاع أن يصل إلى باريس محمّلا برسالة من النحات مانولو هوغي إلى بابلو بيكاسو يوصيه فيها خيرا بهذا الكوبي المهاجر.

رحب به بيكاسو وتبناه حتى صار يناديه ابن أختي، وعرفه على ميشيل لايريس، عالم الإثنوغرافيا الذي عُيّن حديثا على رأس متحف الإنسان أول إنشائه عام 1938، لإيلافه بالنحت الزنجي. وكان بيكاسو نفسه يجري بحوثا في ما يسمى بالفنون البدائية، أو الفنون الأولى، للإمساك بمصادر الفن.

خلال تلك الفترة، اتسمت لوحات ويفريدو بحضور مكثف للوجوه المستطيلة والعيون السامدة والأطياف الطوطمية. وكان بيكاسو يعلق على تلك الشخصيات مازحا “له الحق، لأنه زنجي”. وسرعان ما أدخله ضمن حلقته التي كانت تضمّ تقريبا كل مثقفي باريس وفنانيها وأصحاب أروقتها، كجورج براك وخوان ميرو وبول إيلوار وبيير لوب وفرناند ليجيه، في وقت كان السورياليون خلاله يتصدرون الواجهة، ولكنه لم يقم معهم علاقة وطيدة إلاّ في مرسيليا التي لاذوا إليها بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.

ويفريدو لام: لن تكون لوحاتي معادلة للموسيقى الكوبية المزعومة، المصنوعة لعلب الليل، أبدا

ومع ذلك لم يبق ويفريدو في مرسيليا طويلا، إذ غادرها مع مجموعة من الأنتليجنسيا الفرنسية وخاصة كلود ليفي شتروس وأندري بروطون على متن باخرة متوجهة إلى نيويورك. في طريقها أرست الباخرة في جزيرة الأزهار “مارتينيك”، حيث تعرف صدفة، هو وأندري بروطون، على أديبها المناضل والمدافع عن الزنوجة إيمي سيزير. وكان ذلك اللقاء بداية صداقة متينة لم تنفصم عراها طوال حياته، ونقطة تحوّل اقترنت بوعيه بضرورة استعادة هوية الشعب الخلاسي.

لم يواصل رحلته لأنه لم يكن يملك تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، فعاد إلى كوبا عام 1941 بعد غياب دام ثمانية عشر عاما. فهاله الوضع المزري الذي كان عليه بلده في ظل نظام باتيستا، حيث البلاد مرتع للأميركان، والعاصمة هافانا أوكار دعارة تمارس على أنغام الرومبا والمامبو، فيما الأرياف غارقة في البؤس والخصاصة.

في تلك الفترة كانت تجربة لام قد ازدادت نضجا باحتكاكه بكبار الفنانين واستلهامه أساليبهم، وخاصة بيكاسو، فصارت اللوحة عنده ملآنة بعناصر غريبة ومدهشة، حيث يحتل فضاءَها شياطينُ ذوو قرون، وأشباح بوجوه مدورة ونساء بأثداء من تين ومؤخرات في شكل ليمون هندي، وتبدت قوى الـ”سنتيريا” (الفودو الكوبي) بقوة تدعو السود إلى التخلص من نير العبودية والذل والمهانة. وفي عام 1943 رسم عمله الرائع “الدغل”، لوحة تصور أشخاصا ذوي قاماتٍ نحيلة بالغة الطول، وأيدٍ شبيهة بالمدقات وأرجل مشدودة إلى الأرض، وآلهة غريبة ومزعجة، تبدو كأنها برزت لتهدد وتتوعد.

هذه اللوحة، التي عدّها النقاد مانيفستو جماليا وسياسيا، أثارت ضده حفيظة النخبة السياسية والثقافية، لأنها تعكس مشهدا ليليا يتم فيه التحويل والامتلاك، في أدغال كان العبيد الفارون يلوذون بها، وكانت الأرواح تعشش فيها حسب معتقدات الناس.

وكان ويفريدو يقول لمنتقديه “لن تكون لوحاتي معادلا للموسيقى الكوبية المزعومة، المصنوعة لعلب الليل، أبدا. أردت بكل طاقتي أن أرسم مأساة بلدي، ولكن بالتعبير بعمق عن روح الزنوج، عن الجمال التشكيلي للسود. كنت مثل حصان طروادة، تنبثق منه وجوه مذهلة، قادرة أن تفاجئ وتربك أحلام المستغلين”.

عاد إلى فرنسا عام 1952، وظل يتردد على بلاده مبديا تعاطفه مع الثوار، ويتنقل بين العواصم الأوروبية حتى استقر بإيطاليا، حيث اشترى بيتا في مدينة البيسّولا يزاول أهلها صناعة الخزف، ومضى يبدع في هذا الفن أيضا، ويترك فيه بصمة تنضح بلغته التشكيلية التي تجلت إثر عودته إلى كوبا، إلى أن وافته المنيّة.

كان ويفريدو لام يقول “تغيير الإنسانية قد لا أقدر عليه في الواقع، ولكني قادر عليه في لوحاتي”.

16