"الكوتشي" دليل سياحي لخبايا مدينة مراكش

وسيلة نقل للاستمتاع بجمال المدينة الحمراء ورونقها.
الأحد 2021/05/23
جولة في التاريخ

لكل مدينة سياحية ما يميّزها عن بقية المدن لتظل وجهة يفضلها الزوار وبل يعاودون زيارتها في العديد من المرات، كمدينة مراكش التي عرفت بالحناطير كوسيلة لنقل السياح الذين يستمتعون بجولة على وقع حوافر الخيول ودقات الأجراس، جولة تجعلهم يحسون بأنهم خارج دورة الحياة المكتظة بالناس والضجيج.

مراكش - استطاعت العربات المجرورة بالخيول (الكوتشي) أن تتبوأ مكانتها كوسيلة من وسائل النقل المضيئة في الحركة السياحية لمدينة مراكش، باعتبارها وسيلة للاستمتاع بجمال المدينة الحمراء ورونقها عند التنقل داخل أسوارها وبين أحيائها، بالإضافة إلى اكتشاف خباياها والمساهمة في تعزيز المحافظة على الجانب الإيكولوجي لها.

وبالرغم من تأثيرات جائحة كورونا على القطاع السياحي بشكل كبير، يحاول أصحاب الكوتشي تجاوز الركود الحاد الذي عرفة القطاع من خلال الدعم الذي قدمته الدولة والعديد من فعاليات المجتمع المدني لهم، وشحذ عزيمتهم على استمرار دوران هذه العربات المجرورة في نقل المواطنين المغاربة، مما أسهم في إنعاش السياحة الداخلية، والحفاظ على المعيشة اليومية لهذه الفئة من المجتمع المراكشي التي ظلت تطالب بضرورة مواصلة دعمها للحفاظ على تأدية دورها المهني الذي يمثل 60 في المئة داخل منظومة التنمية السياحية بالمدينة.

وقد صارت العربات المجرورة التي يعود تاريخ ظهورها إلى القرن الـ19، تمثل بدوران عجلاتها بشوارع وأزقة المدينة مكونا من مكونات التراث الثقافي والسياحي الذي تزخر به المدينة التي ظلت لسنوات الوجهة المفضلة لعدد كبير من السياح الأجانب والمغاربة، مما جعلها تعد من أهم المدن السياحية بالعالم، وبالتالي تضفي هذه الوسيلة البيئية طابعا متميزا في السيرورة اليومية لمختلف وسائل النقل.

ويقول علي التباع أحد أصحاب الكوتشي في مراكش، “اعتدنا أن ننقل السائح الأوروبي أو الأميركي والياباني، أو العربي، العاشق لمتعة التجول في شوارع وحارات وساحات مراكش وحدائقها، وكنا نسعد بتقديم خدماتنا التي تساهم في تنشيط السياحة المغربية بأجر لا يرهق ميزانية السائح، فرحلة في مراكش، والتي تمتد لأكثر من ساعة، لا تكلف السائح إلا عشرة دولارات، أو أكثر بقليل، حسب عدد الأفراد وطول المسافة”.

متعة ركوب الكوتشي تجعل السائح يستمتع بمناظر ساحرة في مراكش على وقع دقات أجراسه ودقات حوافره

ويضيف “منذ أن فرضت جائحة كورونا إجراءات الحجر وإغلاق الحدود، صرنا نبحث عن السائح المغربي الذي أصبح يجد متعة في التجول بالكوتشي في مراكش، ننقل العرسان والشباب أبناء المدينة والقادمين إليها من مدن أخرى، لكن يبقى الدخل ضعيفا عما كان عليه قبل حوالي عامين”.

ومن أهم المناسبات التي يقبل فيها المغاربة على الاستمتاع بالكوتشي، أيام العيد وفرحته، وفي مناسبات الأعراس، كما أن فصل الربيع هو الفصل الذي يُقبل فيه الناس على الكوتشي للاستمتاع بمآثر مراكش وحدائقها الغناء.

وقال صلاح الحمري، وهو صاحب الكوتشي معروف لدى ساكني مراكش، “متعة ركوب الكوتشي في مراكش لا تضاهيها متعة أخرى، فأنت بركوبك الحنطور تستمتع بمناظر ساحرة في المدينة، وتستمتع بدقات أجراسه ودقات حوافره، كأنها سيمفونية موسيقية تثير فيك مشاعر الصفاء والفرح”.

وتظل طموحات أصحاب الكوتشي، التي تؤثث مشهد النقل داخل المدينة، كبيرة في إضفاء رونق على هذه العربات لتستجيب إلى حاجيات السياح المغاربة والأجانب على حد السواء، فضلا عن تهيئة كل المرافق المرتبطة بالقطاع وفي مقدمتها إحداث إسطبل نموذجي يساير الدور التاريخي لهذه العربات يتضمن متحفا تراثيا وقرية سياحية تكون قبلة للراغبين في زيارة مراكش.

ويذكر أن العربات المجرورة بالخيول حظيت في السنوات الأخيرة بعناية كبيرة من طرف أصحابها الذين اتخذوا مجموعة من المبادرات لتطويرها في ظل الدعم الذي تقدمه الجهات المعنية بتربية ومراقبة الخيول من أجل الحفاظ على مكانتها داخل المشهد الحضري للمدينة، أملا في تعزيز دورها في إنعاش الحركة السياحية، وإبراز الدور المميز الذي تلعبه في الحفاظ على البيئة في المدينة التي أصبحت تعاني من الانبعاثات الغازية الملوثة التي تخلفها السيارات والدراجات النارية.

الشاي المغربي يطلبه كل سائح يزور المغرب
الشاي المغربي طلب كل سائح في كل بقاع الأرض

وإذا كان دور هذه العربات التاريخية بمراكش خلال حقبة الحماية هو العمل على خدمة سكان مراكش في النقل الحضري بين الأحياء بأسطول بلغ عدده آنذاك 257 عربة حسب المهتمين بهذا القطاع، فإن هذه الخدمة قد تطورت مع السنين وأصبحت تتطلب إمكانيات مادية لتهيئة العربات بالخيول وهو ما جعل الكثير يتخلى عن هذه المهنة مع ظهور سيارة الأجرة الصغيرة، وهو ما ساهم في تقليص هذا العدد إلى 150 عربة حاليا تجوب شوارع المدينة وصارت وسيلة أكثر نجاعة في التنمية السياحية بها.

ومن جهة أخرى، وخلال تجول زوار المدينة الحمراء داخل ساحة جامع الفناء وهم يستمتعون بأداء العاملين فرادى وجماعات داخل حلقات الفرجة ويلمسون ما يقدمونه من أدوار فنية متعددة المعاني والأشكال يستأثر باهتمامهم ما يحيط بهذه الساحة ذات المخزون التراثي والتاريخي مجموعة من العربات المجرورة بالخيول متوقفة بانتظام في طابور بجانب حديقة “عرصة البيلك” التي تتوسط الساحة حيث ينتظر كل سائق عربة دوره لاستقبال الزبائن الذين يرغبون في القيام بجولات لزيارة بعض المآثر التاريخية والبنيات السياحية والفضاءات الخضراء التي تزخر بها المدينة وجعلت منها مدينة حضارية شامخة بطابعها السياحي والتراثي على الصعيد العالمي.

سائق عربة الكوتشي شخص بشوش مهتم بمظهره قدر اهتمامه بمظهر عربته السياحية، مبتسم في وجه الزبائن، ولديه القدرة على التواصل بلغات أجنبية متعددة، مثلما يؤكد حسن لخضر رئيس الجمعية المهنية لأرباب وسائقي العربات المجرورة بالخيول بمراكش في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، ويضيف أن استعمال عربة الكوتشي يرجع إلى تاريخ ما قبل الحماية، وأن بعض أغنياء المدينة كانوا يستعملونها في تنقلاتهم من أجل الاستمتاع بها، مشيرا إلى أن هذه العربات مازالت تؤدي دورها السياحي لتمكين مستقليها من استكشاف المتاحف والمآثر التاريخية وأسوار المدينة العتيقة والمساحات الخضراء.

وأضاف لخضر “إن سائق العربات المجرورة بفرس أو فرسين اثنين حريص على إبراز دور الكوتشي في تعزيز السياحة، ويعتبر سفيرا للبلد من خلال ما يقدمه من شروح للسياح الأجانب الذين يتمتعون بتنقلاتهم عبر هذه الوسيلة وإبراز أهمية دور الكوتشي في السياحة”.

16