الكولاج السردي فسيفساء أدبية تنسف الحدود بين الفنون

أخبار الصحف ومقاطع من نصوص وغيرها من مواد يمكنها صنع رواية.
الخميس 2020/04/30
الكولاج فن ما بعد حداثي (لوحة للفنان بيكاسو)

يُعرف فن الكولاج بأنه عمل تشكيلي تركيبي، توليفي يعتمد على قص ولصق مواد وخامات مختلفة معا لتكوين لوحة فنية. وترجع نشأته إلى القرن الثاني الميلادي في الصين بعد اختراع الورق، وشاع في أوروبا إبان القرن الثالث عشر ولكنه سرعان ما انتقل إلى الكتابة.

بدأ الكولاج في أوروبا في القرن 13 باستخدام قطع من الأحجار الكريمة في اللوحات الدينية، واستطاع إحداث تغيير كبير في الفن التشكيلي والرسوم الزيتية في القرن العشرين. ولكن أول من استخدمه بوعي هو الرسام الشهير بيكاسو عام 1912 بإدخاله خامات طبيعية إلى لوحاته الزيتية.

وقد وظفت الرواية والقصة القصيرة تقنية الكولاج واعتمدتاها أداة من أدواتهما السردية، وذلك بإقحام مقتطفات من نصوص أخرى متنوعة، لذلك يُعد الكولاج مظهرا من مظاهر التناص في النص السردي، كما يشير معجم السرديات، كون هذا النص يرتبط بعلاقات حوارية مع نصوص أخرى.

التناص في الروايات

يطرح الكولاج، بحسب المعجم نفسه، قضية نقدية معاصرة ومهمة تعبر عن خاصية أفرزتها مرحلة ما بعد الحداثة بانهيار الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية أو النصوص والكتابات المختلفة، وذلك لاشتباك فنونها ومعارفها، والسماح بعبور فن على فن، ونوع على آخر، بحيث صار هذا التراسل والتضايف بين الفنون، إثراء وإغناء لكلا الفنين.

على أن الكولاج يمكن أن يضطلع بوظائف سردية أساسية في صلب الخطاب، فقد تكون النصوص الملصقة في النص السردي قصة فرعية تحيط بالقصة الأصلية، وقد تسهم في تنويع زوايا السرد، وتكسير خطيّته، وتشظية القصة الأم إلى قصص فرعية متعددة متكاثرة. ويمكن للكولاج، أيضا، أن يضطلع بدور مهم في إنشاء دلالات النص، وتوجيه القراءة التأويلية، فقد تقوم النصوص الملصقة مقام التفسير للنص التخييلي والتعليق عليه. وقد تجمعها به علاقة المفارقة والمنافرة.

وربما كان الناقد صلاح فضل أول من تداول مصطلح “الكولاج الروائي” في النقد العربي، وذلك في مقال له بعنوان “تقنية الكولاج الروائي” (مجلة فصول: العدد 2، 1992)، الذي حلل فيه رواية “ذات” لصنع الله إبراهيم، قائلا إن إبراهيم “يزاوج بترتيب صارم بين وحدات السرد القصصي ووحدات التوثيق الصحفي بتقنية تشكيلية وسينمائية محدثة يمكن أن نسميها ‘الكولاج’، الذي يعتمد على إعادة المزق الخشنة لتدخل في تكوين جمالي جديد، حيث يتم مسح ما علق بمصدرها من بقايا الاستعمال الأول، وتوظيفها في السياق الكلي الجديد”.

الكولاج خاصية أفرزتها مرحلة ما بعد الحداثة بانهيار الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية أو النصوص والكتابات المختلفة

أما في الأدب الغربي فتُنسب الرواية الكولاجية إلى الرسام والشاعر الفرنسي السريالي ماكس أرنست، الذي أنجز مجموعة روايات أطلق عليها مصطلح “رواية- كولاج”، منها رواية “100 امرأة بلا رأس” (1929) التي “تحكي”، في تسعة فصول ذات عناوين غرائبية، قصة امرأة يعتقد بعضهم أنها يُحتمل أن تكون مريم. وهي مكونة من سلسلة رسوم توضيحية مأخوذة عن مواد مختلفة،

ورواية “حلم فتاة صغيرة تريد الدخول إلى كرمن” (1930)، التي أقحم فيها مقتطفات من مدونات متنوعة كالرسائل والمقالات الصحفية والنصوص العلمية والتاريخية واليوميات والإعلانات وعناوين الأخبار، إضافة إلى الصور والرسوم البيانية والخرائط، والجداول، والنوتات الموسيقية، والوصفات الطبية. ورواية “أسبوع من اللطف” (1934) التي تدور في سبعة أجزاء يمثل كل جزء يوما من أيام الأسبوع، حول شخصيتين إحداهما امرأة ذات مظهر سليم نبتت لها أجنحة عملاقة، والثانية بارون برأس أسد.

وفي السرد العربي الحديث استثمر العديد من الروائيين والقصاصين، إضافة إلى صنع الله إبراهيم، تقنية الكولاج في أعمالهم، منهم، تمثيلا لا حصرا، محمود جنداري، عبدالرحمن منيف، لؤي حمزة عباس، أحمد عبدالكريم، ليلى الجهني، لينة صفدي، أثير صفا، أحمد عبداللطيف، مسعودة بوبكر، هشام علوان، وأحمد الفخراني.

كولاج عربي

واحدة من المدونات الأسطورية
واحدة من المدونات الأسطورية

القاص محمود جنداري سبق صنع الله إبراهيم في توظيف نصوص تاريخية وأسطورية في سرده القصصي بتقنية كولاجية، وذلك في عدد من القصص التجريبية النزعة التي بدأ بنشرها في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي بمجلة “الأقلام” العراقية، ثم ضمتها مجموعته القصصية “مصاطب الآلهة” عام 1995.

وقد استثمر في هذه القصص مدونات تاريخية وأسطورية عراقية ليعيد إنتاجهما من خلال اقتطاع أجزاء منها وتركيبها على نحو غرائبي، ومحاورتها، وهتك أسرارها، واستنطاق المسكوت عنه بين سطورها بطريقة سردية كولاجية أشبه بالمونتاج السينمائي، بحيث يغدو جسد النص القصصي لوحة فسيفسائية تتجاور فيها حقب تاريخية متباينة، وأحداث تنتمي إلى عصور شتى، وشخصيات متباعدة عن بعضها في الزمان والمكان، تجمعها رؤية متشظية للعالم. ولذلك فإن من يقرأ تلك النصوص، وبخاصة من تشكّلت ذائقته على القصص الملتزمة بتقاليد السرد القصصي ومواضعاته، يصعب عليه تقبلها بوصفها قصصا قصيرة بالمعنى المتعارف عليه.

أما في رواية “ذات” لصنع الله إبراهيم، التي مرّ ذكرها، فإن الراوي يجعل النصوص الإعلامية المرافقة للسرد، والمستقلة بفصول خاصة بها، قصة داخل القصة تضيء القصة الأولى، وتضفي على المتخيّل بعدا مرجعيا، وتؤطر الفردي (قصة الشخصية الرئيسية “ذات”) في الجماعي (أخبار المجتمع والأحداث العامة). وينبه ناشر الرواية إلى أن الوقائع الواردة في بعض فصول الرواية منقولة عن الصحف المصرية، الحكومية منها والمعارضة، ولم يقصد المؤلف بإعادة نشرها تأكيد صحتها، أو المساس بما تناولته، وإنما قصد أن يعكس الجو الإعلامي العام الذي أحاط بمصائر شخصياته وأثّر فيهم.

ويستند صنع الله إبراهيم، في روايته الأخيرة التي تحمل عنوان “1970”، إلى تقنية اليوميات السردية، اعتمادا على توثيق مواد كثيرة داخل النسيج الروائي بطريقة الكولاج، أيضا، في تسليط الضوء على حياة مجموعة من الأبطال العاديين. كما تؤرخ الرواية لعام رحيل الرئيس المصرى جمال عبدالناصر، وتكشف عن مكانته التاريخية والوجدانية.

عن فنّ الكولاج
عن فنّ الكولاج

وتنسج الروائية أثير صفا، في روايتها “تغريدة”، حكايتها على نول من خيوط معلوماتية وشعرية، واقعية وأسطورية ودينية، فيمتزج السرد بمقاطع من أشعار وكتب، وبلوحات فنية وخطوط وأشكال هندسية، مشكًلا كولاجا من أجزاء مختلفة تتكامل لتحكى عن فنان أثقلته موهبته، وعذبه اختلافه، فى مجتمع يتحول فيه البشر الى أرقام، فعاش مطاردا من الأغبياء الذين عدّوه خطرا لأنه متفرد.

ولم تجعل صفا التجريب “الكولاجي” منفصلا عن المضمون في الرواية، بل وسيلة للاندماج في تجربة “علاّم” الذي تم تقديمه على نحو أقرب إلى القداسة، فبدا البناء الروائي كما لو كان تجميعا لقصاصات لكتابات دوّنها أكثر من سارد، وأضيفت قصاصات عن أقوال ولوحات، ثم نثرت فوق حدوتة، فامتزجت الحكاية بالصور والشهادات، وكأننا أمام زجاج ملون يقبع وراءه طيف إنسان ضبابى ليس كالبشر، كما يقول الناقد محمود عبدالشكور في قراءته للرواية.

وكتب الروائي أحمد عبداللطيف روايته  “حصن التراب” في مئة وثلاثة مقاطع تؤلف “اللعبة الروائية”، كما ذكر في توطئته، التي أشار فيها إلى أن الرواية “تحتوي على إشارات للينكات موسيقية، وأخرى لأفلام وثائقية لا يمكن قراءة الرواية واستحضار حالتها دون اللجوء إليها. وتشكل هذه العناصر “الكولاجية” جزءا أصيلا في اللعبة السردية، بحيث لا تكفي قراءة متن الرواية، التي تجري أحداثها في قرية أندلسية إبان سقوط الأندلس وما تبعها من نصب محاكم التفتيش، وتعذيب المسلمين وتنصيرهم، من دون قراءة أحد عشر مقطعا هي عبارة عن روابط إلكترونية موضوعها “الفرجة” البصرية و”السمع”.

أي أن الرواية لا تقتصر خطابا تكوينيا على مادة اللغة، كما أنها لا تمثل حضوره الوحيد. وبالتواشج تحل مباشرة وثائق، عقود بيع، خطابات ومراسلات، نسخ من محاكمات تفتيش، أشعار، وأغنيات شعبية، باعتبارها فصولا سردية، ما يجعل كل ذلك من الرواية، حسب رأي الناقد طارق إمام، نصا يتوتر بين واقعه التخييلي، وسياقه التوثيقي، ومرجعياته الجمالية الممثَّلة في زخم النصوص التي يستند عليها ليعيد استحضارها وتضمينها داخل نسيجه كخطاب قائم بالكامل على “التناص”، من دون أن يفصل بين نصوصه.

كولاج لوثائق واقعية
كولاج لوثائق واقعية 

ويفتتح أحمد الفخراني روايته “عائلة جادو: نص النصوص” باعتراف الراوي أنه يسير وفي يده رسالة تطلب منه إيجاد كارل ماركس وفي قلبه مهمة قتله. إلا أنه ينتهي كدرويش في حضرته، بعدما رآه رأي العين حيا دافئا. ويخوض القاتل رحلته جنبا إلى جنب مع ضحيته، الذي يصبح دليل نجاته ونجاة عائلته (عائلة جادو) من مصير الفناء المحتوم، وهي رحلة يحركها مقتل أجنبي ينتمي إلى حركة توحيد الماركسية الناجية لإنهاء “الشتات الماركسي”.

أسئلة عديدة تطرحها الرواية، التي يستخدم فيها الكاتب تقنية الكولاج والتوليف ليحاور النصوص الرئيسة التي تزعم أنها تمتلك تفسيرا راسخا للحياة أو لجزء منها، من خلال شخصية “رزق نخنوخ الهواري”، المحمل بأرواح الآخرين، والذي ارتكب ذنوبا لا تحصى، لكنه يسعى إلى الخلاص.

ويتداخل في رواية “كولاج” لأحمد عبدالكريم الشعر والسرد والمادة التوثيقية والخط العربي والفن التشكيلي والتصوّف، من خلال تركيزها على حياة ابن مقلة، أشهر خطاطي العصر العباسي وأول من وضع أسسا مكتوبة للخط العربي، وقصة سرقة مخطوطة من متحف بتركيا، يتابعها ويحقق فيها صحافي، بطل الرواية. ويتخذ عبدالكريم من الصحراء الجزائرية وإشراقاتها خلفية لروايته، ذات الحبكة البوليسية، تأكيدا لانحيازه إلى فضائه الجغرافي واهتمامه بالفن التشكيلي، وموضوعاته اللصيقة به، التي تشكّل جزءا من ذاكرته ومعرفته وهويته.

16