"الكوليرا" في الجزائر.. كساد لسوق الخضار وانتعاش للمياه المعدنية

وباء فتح حربا على الفلاحين واتهمهم بري المحاصيل بمياه الصرف الصحي، وانتشار فيديوهات توثق شكوى التجار من غياب الزبائن.
الخميس 2018/09/06
شكوك تحوم حول مصادر مياه الصنبور

الجزائر - تشهد أسواق الخضار والفواكه في الجزائر كسادا غير مسبوق جراء ظهور وباء “الكوليرا” شمالي البلاد، وسط اتهامات للفلاحين بري المحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي، في وقت انتعشت فيه تجارة المياه المعدنية (المعبأة) خوفا من مياه السدود.

وكانت الجزائر أعلنت رسميا في 23 أغسطس الماضي، اكتشاف بؤر لوباء الكوليرا في محافظات العاصمة، و5 أخرى محيطة بها، وهي “البليدة” و”تيبازة” و”البويرة” و”المدية” و”عين الدفلى”.

وحسب آخر حصيلة نشرتها وزارة الصحة في 29 أغسطس الماضي، تسبب الوباء في تسجيل 62 حالة مؤكدة منها وفاتان، من بين 173 حالة استقبلتها المستشفيات منذ ظهور الوباء قبل أيام.

وكشفت الوزارة الخميس 30 أغسطس عن انحسار المرض في ولاية البليدة جنوب العاصمة، وتراجع نسبة الأشخاص المشتبه في إصابتهم بأكثر من النصف.

وتضاربت الأنباء منذ ظهور الوباء، حول مصدره الحقيقي، ففي الوقت الذي أعلنت وزارة الصحة أن السبب هو تلوث أحد منابع المياه بولاية تيبازة (غرب العاصمة)، نفت سلطات وسكان المنطقة ذلك.

25 بالمئة نسبة ارتفاع الطلب على المياه المعدنية بعد الإعلان عن وباء الكوليرا

ووجهت في خضم التضارب اتهامات لشركة “الجزائرية للمياه” الحكومية المسؤولة عن توزيع الماء الصالح للشرب في البلاد، بكون ماء الصنابير هو السبب.

ولكن الشركة نفت مباشرة عبر بيان، وجود أي عدوى في المياه الموزعة عبر شبكاتها، وأكدت أنها صحية ومراقبة بشكل يومي في كل المحافظات.

ودعت الشركة بالمقابل إلى إجراء رقابة وعمليات تحليل لآبار ومنابع الأفراد المنتشرة وغير المراقبة في الغالب.

كما نال الفلاحون من منتجي الخضار والفواكه نصيبهم من الاتهامات، بعد أن راجت أنباء عن أن مصدر الإصابات سببه استهلاك فواكه مروية بمياه صرف صحي في سهل “المتيجة” الزراعي الفاصل بين محافظات الجزائر العاصمة والبليدة وتيبازة التي سجلت بها معظم الحالات.

وانتعشت في خضم هذه الأحداث تجارة مياه القوارير المعدنية، وارتفع الطلب عليها بشكل لم يسبق له مثيل، لتجنب استهلاك مياه الصنبور.

تضارب الأنباء حول الوباء
تضارب الأنباء حول الوباء

ونفدت المياه المعدنية المعبأة في القوارير البلاستيكية من المصانع في العديد من المتاجر بمنطقة الدار البيضاء وباب الزوار شرقي العاصمة الجزائر، في الأيام التي أعقبت الإعلان عن الوباء.

وقدرت جمعية التجار والحرفيين الجزائريين (مستقلة) ارتفاع الطلب على المياه المعدنية بعد الإعلان عن وباء الكوليرا بنحو 20 إلى 25 بالمئة.

وأوضح بهذا الخصوص رئيس الجمعية الجزائرية للتجار والحرفيين، الطاهر بولنوار، أن الشائعات التي رافقت الإعلان عن وباء الكوليرا، وبكون مياه الصنبور هي السبب، رفعت الطلب على المياه المعدنية كثيرا.

وقال بولنوار إن “الطلب ارتفع بنحو 20 إلى 25 بالمئة في هذه الفترة”، لافتا إلى أن بعض التجار حاولوا استغلال الطلب الكبير لرفع أسعار المياه المعدنية.

وبشأن كساد تجارة الخضار والفواكه؛ لا سيما البطيخ الأصفر والدلاع (البطيخ الأخضر)، بالمحافظات التي ظهر فيها داء الكوليرا، ذكر رئيس الجمعية الجزائرية للتجار والحرفيين أن الطلب على هذه المحاصيل تراجع بنسبة 30 بالمئة على الأقل.

كساد غير مسبوق
كساد غير مسبوق

وأضاف “الشائعات ساهمت في تراجع الطلب على منتجات زراعية؛ خصوصا بعد ترويج أنها مسقية بمياه ملوثة وفيها وباء الكوليرا”.

وتابع “ننفي وجود أي إصابة في المنتجات الزراعية (خضار وفواكه)، ولحد الآن لا يوجد أي مؤشر على إصابتها”.

وأعرب بولنوار عن خشيته من أن تتحول الإشاعات بشأن إصابة المنتجات الزراعية إلى مبررات للمستوردين للضغط على السلطات والعودة إلى استيراد منتجات زراعية من دول الجوار أو من جنوب أوروبا أو إضعاف الإنتاج الجزائري.

ولفت حول التقديرات المحتملة لخسائر الفلاحين والتجار جراء هذا الكساد، إلى أن جمعيته بصدد جمع المعطيات وإجراء عملية تقييم للخسائر. وأشار إلى أن العديد من التجار الموزعين للخضار والفواكه والفلاحين، اضطروا إلى بيع محاصيلهم بسعر أقل من التكلفة (بخسارة).

وانتشرت فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي، تُظهر تجارا يشتكون من كساد سلعهم بمنطقة سهل “متيجة” الزراعي الفاصل بين محافظات العاصمة والبليدة وتيبازة.

وأظهر فيديو شكوى أحد تجار سوق الجملة للخضر والفواكه بمنطقة “بوقرة” بمحافظة البليدة، وهو يؤكد أنه لم يأت أحد لشراء البطيخ الأحمر (الدلاع)، منذ نحو أسبوع.

كما أكد تاجر آخر أن خسائر كبيرة تعرّض لها التجار بسبب شائعات إصابة المحاصيل بالكوليرا.

تسجيل 62 حالة مؤكدة منها وفاتان
تسجيل 62 حالة مؤكدة منها وفاتان

فيما أظهر فيديو آخر، نشر على موقع فيسبوك، وتمت مشاركته على نطاق واسع، أحد التجار وهو يأكل البطيخ الأحمر بشراهة، ويهتف ويصيح أن المحصول غير مصاب وصحي مئة بالمئة.

وأصدر الدرك الوطني الجزائري (قوة تابعة لوزارة الدفاع)، منذ الإعلان عن اكتشاف الداء، عدة بيانات، ذكر فيها أن عناصره قاموا بتوقيف العشرات من الفلاحين يقومون بري محاصيل زراعية بمياه الصرف الصحي في عدة محافظات على غرار البليدة وتيبازة وبومرداس وجيجل.

وأفاد الخبير الزراعي عيسى منصور أن ري الحقول الزراعية بمياه الصرف الصحي أصبح ظاهرة منتشرة في مناطق عدة من الجزائر.

وأضاف منصور أنه منذ الإعلان عن اكتشاف داء الكوليرا قيل الكثير بشأن المنتجات الزراعية المروية بالمياه القذرة (الصرف الصحي).

وشدد على أن هذا الأمر (تسبب المنتجات المروية بمياه الصرف في انتشار الكوليرا) لم يتم تأكيده بتحاليل تثبت ذلك.

وحذر من أن ظاهرة ري المحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي، لا يمكن أن ترتبط فقط بداء الكوليرا، كون هذه العملية تنجم عنها سموم أخطر من الكوليرا تتسم بأن لها أعراضا آنية يمكن معالجتها.

وأكد منصور أن ري المحاصيل بالمياه القذرة أمر مرفوض تماما، مهما كانت دوافع الضالعين فيه.

ويحمّل مسؤولية انتشار هذه الظاهرة في الحقول الزراعية للسلطات المحلية (عبر البلديات)؛ وخاصة طريقة تسييرها “الفاشلة” لمياه الصرف الصحي، و”منعها” من الوصول إلى المزارع.

ولفت الخبير الجزائري إلى أن للمواطنين نصيبا من المسؤولية، من منطلق أن العديد منهم يتردد في الإبلاغ عن هذه الأعمال. ودعا سلطات بلاده إلى تشديد عمليات الرقابة، وإقامة محطات لتصفية مياه الصرف الصحي واستعمالها لاحقا في ري المحاصيل الزراعية.

20