"الكومبارس" ملح السينما المصرية ومظاليمها

الكومبارس يساعد على خلق مناخ طبيعي للفيلم، فهو مواطن عادي يجلبونه بأجر زهيد ليلعب دورا بسيطا في عرض فني، وعلى الرغم من أنّ أدوار البعض منهم لاقت شهرة فاقت البطل نفسه إلا أنهم ظلوا يعانون من التهميش ومن عدم الاعتراف بهم وبمشاكلهم، بالإضافة إلى ما يواجهونه من عراقيل وصعوبات للحصول على هذه الوظيفة.
الأربعاء 2017/11/29
مروا عليهم مرور الكرام

القاهرة - يشبه “الكومبارس” وهم فئة من الممثلين (أصحاب الأدوار الثانوية)، ملح الأرض، فلا غنى عنهم في أي عمل فني مهما كانت نجومية الفنان أو الفنانة، بطل أو بطلة هذا العمل، لكن مع ذلك فهم مظلمو السينما في كل زمان ومكان، على أكتافهم يبني النجوم نجوميتهم ويحصد المنتجون ثرواتهم، ولا يحصلون في كل الأحوال إلا على الفتات، بالإضافة إلى المعاملة السيئة من المخرجين ومساعدي الإخراج في أستديوهات التصوير، إلى جانب الجرائم التي يرتكبها في حقهم “الريجيسير” (هو الشخص الذي يعتبر همزة الوصل بين المخرج والمنتج من جانب والفنانين والكومبارس والمجاميع من جانب آخر).

وتعتبر كلمة كومبارس مفردة جديدة ودخيلة على اللغة العربية، إذ كان المعروف منذ زمن طويل وجود الممثل الرئيسي أي البطل يليه الممثلون المساعدون ثم أصحاب الأدوار الصغيرة. لذلك فإن كلمة كومبارس جاءت لتطلق على الممثل الصامت الذي لم يكن الاعتراف بدوره متداولا في الوسط الفني من قبل.

ولا تتعدى أهمية الكومبارس في العمل الفني أهمية أي دور آخر رغم أن البعض من المخرجين يعتبرونهم مجرد قطعة ديكور لتأثيث المشهد إلا أن الحقيقة عكس ذلك تماما، لأن الكومبارس نجوم يساهمون في صناعة نجاح العمل الفني وبروزه إلى الوجود، فهم أناس يعملون على إظهار الصورة الحقيقية للفيلم وكأن المشاهد حقيقية.

وعلى الرغم من أن الكومبارس شخص عادي قد لا تكون لديه الموهبة لكنه يقبل على لعب هذا الدور من أجل المال أو حبّا في الوقوف وراء الكاميرا أو من أجل الظهور إلى جانب النجوم، وقد وصلت شهرة بعض الكومبارس للعالمية لكن دون الاعتراف بدورهم المهم في إنجاح الفيلم.

وربط تاريخ عريق بين الكومبارس والسينما المصرية، ولم يقتصر تاريخ هذه السينما على الكومبارس المصريين فقط، بل شارك الكومبارس من جنسيات أجنبية في تشكيل ذاكرة السينما والمجتمع في مصر من خلال الشخصيات التي ظهروا فيها والأفيهات التي ارتبطت بهم والأدوار التي اعتاد مخرجو الأفلام الاستعانة بهم لتأديتها.

أي كومبارس عندما يمرض أو يموت أو يتوقف عن العمل لا يجد من يقف بجواره

ومن بين هؤلاء الكومبارس جورج يورد أنيدس اليوناني الذي اشتهر بدور الغرسون (النادل) أو الخواجة، واشتهر بعبارته التي يرددها الناس حتى الآن، بقولهم في مجال المزاح مع شخص يحبونه ”يا خبيبي”، وهناك أيضا أتمون تويما الذي تلقّى تعليمه في أرقى المدارس الفرنسية بالقاهرة، وهو من عائلة لبنانية متمصرة، حيث أثرت ثقافته الفرنسية العميقة على طريقه نطقه للغة العربية في حياته، فاستعان به المخرجون في تأدية دور الـ”جواهرجي” (الصائغ) أو الطبيب الأجنبي، ولا يعرف الكثيرون أن تويما هو صاحب الفضل في نقل العديد من المسرحيات الفرنسية للمسرح المصري.

أما من أشهر الكومبارس المصريين الذين لا يزالون عالقين بذاكرة الأجيال من عاشقي السينما المصرية، نذكر منهم عبدالغني النجدي، الذي عُرف بأنه بواب السينما المصرية، حيث اشتهر بأداء دور الخادم أو البواب خفيف الظل، وذاع صيته بأدواره مع الفنان إسماعيل ياسين، وكان يؤدي دوره في مشهد واحد أو مشهدين، ولكن يظل عالقا بأذهان المشاهدين طوال الفيلم.

وكان الكومبارس حسن أتلة خفيف الظل ولا تزال الأجيال تذكر جملته الشهيرة وتكررها حتى الآن والتي يقول فيها لإسماعيل ياسين ”منبه يا معلمي منبه” في فيلم حماتي ملاك وعبارة “ساعة تروح وساعة تيجي” في فيلم إسماعيل ياسين مستشفى المجانين.

وهناك المئات بل الآلاف من الكومبارس الذين تزدحم بهم ذاكرة السينما المصرية منذ ظهورها وحتى الجيل الحالي الذي لا يزال يصرخ من تعرضه للظلم والإهمال ولكن دون مجيب.

إصابات عمل

قال محمد فتحي، من مشاهير الكومبارس في السينما المصرية الحديثة، شارك في أكثر من 100 فيلم مصري شهير مع معظم نجوم السينما، وهو جالس في مقهى بعرة في وسط القاهرة الذي يجتمع فيه الكومبارس إن “الكومبارس ليس لديهم أي حقوق يمكن أن يطالبوا بها في حالة تعرضهم لإصابة خلال العمل، حيث يكون على الكومبارس أن يتحمّل نفقات علاجه بالكامل، بالرغم من الأجور الزهيدة التي يحصلون عليها وعملهم بصفة موسمية غير منتظمة”.

أوضاع متشابهة

وأشار إلى حادث وقع له شخصيا عندما انكسر إصبعه خلال تصوير أحد المشاهد، وعالجه على نفقته الشخصية، دون أن تساهم نقابة العاملين بالصحافة والإعلام التي ينتمي إليها بأيّ مساعدة يمكن أن تخفف عنه نفقات علاجه”.

وأكد فتحي أن “أيّ كومبارس عندما يمرض أو يموت أو يتوقف عن العمل لا يجد من يقف بجواره، ولا توجد نقابة فعّالة تحميه، حيث أنها لا تقوم بأي دور سوى تحصيل الاشتراكات منهم فقط”.

وأعرب صادق محمود، كومبارس، عن إصابته بإحباط شديد بعد 28 عاما من العمل في مهنة الكومبارس، موضحا أن سبب ذلك المعاملة السيئة التي يتلقاها من “الريجيسيرات” حيث إنهم يقومون بسرقة نسبة كبيرة من أجورهم، فالأجر الذي يتفقون عليه مع جهة الإنتاج يبلغ المئات من الجنيهات لعمل كل كومبارس ولا يصل له منهم إلا ثلثه أو ربعه أحيانا”.

ولفت محمود إلى أنه “الأخطر من ذلك أن الريجيسيرات حاليا يلجأون لحيلة جديدة للضغط عليهم وهي التعاون مع سماسرة يجلبون أشخاصا جددا ليست لديهم الخبرة في مهنة الكومبارس يقبلون العمل بأي أجر أو مجانا رغبة في الظهور في التلفزيون أو السينما، بالإضافة إلى جرائم أخرى يقوم بها البعض من الدخلاء على العمل الفني الذين يزعمون أنهم يعملون في مهنة الريجيسير للتحرش ببعض الفتيات الراغبات في العمل بمهنة الكومبارس كمدخل للشهرة والمجد الفني”.

وتعرض الكثير من الكومبارس الذين لعبوا أدوارا رئيسية في إطار ما يعرف بـ“بديل النجم”، إلى العديد من الحوادث التي أفقدت البعض منهم حياته في سبيل إظهار النجم الحقيقي في عيون محبيه بطلا مثاليا.

نقابة جديدة

يرفض الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين في مصر، انضمام الكومبارس إلى نقابته، ويؤكد أنه لا يمكن أبدا قبول الكومبارس كأعضاء في نقابة الممثلين، لأنهم تابعون بالفعل لنقابة العاملين بالصحافة والطباعة والإعلام. وأشار إلى أنه إذا لم تقم هذه النقابة بما هو ضروري لصالحهم، فيجب عليهم السعي إلى إنشاء رابطة مستقلة جديدة أو نقابة جديدة لتجمعهم لتحمي مصالحهم وتدافع عنهم، لأنه لا يمكن زيادة الأعباء على نقابة الممثلين المثقلة بالمشاكل.

وحذّرت الدكتورة عزة كريم، أستاذة الاجتماع بمركز البحوث الاجتماعية، من خطورة المشكلة التي يتعرّض لها الكومبارس، مشيرة إلى أن الأشخاص الذين يتوجهون للعمل في مثل هذه المهنة يدفعهم طموح كبير وأمل في أن يتحوّلوا إلى نجوم في المستقبل، لكن على الرغم من ذلك فإن هذه المهنة مثل العديد من المهن الهامشية التي يقوم بها من ليس لهم إطار أو تسلسل وظيفي معيّن أو اهتمام من المسؤولين عن العمل الفني، لأنهم يؤدون أدوارا خطيرة لا يقوم بها الممثل الكبير”.

وأكدت كريم أن الكومبارس كان له دور وتواجد أكبر في المجتمع منذ سنوات طويلة من خلال التأثير الذي يتركه على مشاهدي الأعمال السينمائية، ولكن بتغير المجتمع وزيادة الضغوط الاقتصادية اختلف هذا الوضع، لذلك لا بد من توفير رعاية من إحدى النقابات حتى لا يسيئون لسمعة القائمين على أمور الفن.

مؤهلات مختلفة

وظيفة الكومبارس، شهدت العديد من المؤهلات فبعضهم كان وكيلا لوزارة، وطبيبا والآخر كان ضابطا في الجيش، وغير ذلك من الوظائف المرموقة، والتي لم تقف أمامهم أو تمنعهم من أداء أدوار خفيفة ولكنها ذات تأثير كبير.

ورغم الأجور الزهيدة التي كانوا يتلقونها إلا أن هذه الوظيفة كانت مطمعا للعديد ممن احترفوا هذه الأدوار.

وقد شهدت السينما العديد من الشخصيات التي ظهرت في أكثر من فيلم وحظيت بنسبة نجاح كبيرة من خلال أدوارها البسيطة.

20