الكوميديا الإعلامية الساخرة بين التصويب والتسويف

الخميس 2014/04/03
برنامج ستيوارت يسخر من اليسار واليمين ويستضيف الجمهوريين والديمقراطيين

تجربة برامج الكوميديا السياسية الساخرة في الوطن العربي حديثة نسبيا، لكن بعضها لم يراع القواعد الأساسية لهذا النوع من البرامج لاسيما في مصر، وتجاوزت مهمتها النقدية، لتثير غضب الشعب وسخطه بدل أن تكون متنفسا له.

ظهرت برامج الكوميديا السياسية الساخرة التلفزيونية في عالمنا العربي من خلال برامج مختلفة ولكنها اشتهرت بعدما زلزلنا بما يسمى “الربيع العربي”، ومن ضمن الأسماء التي ظهرت على السطح، الإعلامي الساخر باسم يوسف من خلال برنامجه “البرنامج” على قناة أون تي في وبعدها على سي بي سي وأخيرا على MBC مصر.

وهذا النوع من الكوميديا له تأثير كبير على الجمهور وخاصة فئة الشباب، لذا يستوجب إدراك عدة أمور موضوعية تتعلق بهذا الأمر، منها تعريف هذا النوع من الكوميديا واستعراض المراحل التي مر بها في الغرب الذي سبقنا في هذا المجال، ومن ثم يتم التركيز على تحليل محتوى “البرنامج” الذي يبث حاليا على قناة MBC مصر.

إن ما يدعوني للخوض في هذا الأمر الحساس سببان اثنان: أولا أن مجموعة الـ MBC هي مؤسسة إعلامية ممولة سعوديا ومقرها في الإمارت، وثانيا نظرا إلى الظروف والأحداث التي تمر بها مصر والمنطقة فإن هذا يستوجب علينا أخذ جانب الحيطة والحذر من الخوض في أمور جدلية مصرية داخلية من خلال برنامج ساخر قد تؤدي إلى استفزاز الشعب المصري.


بداية الكوميديا الساخرة


ظهر هذا النوع من البرامج في بريطانيا والولايات المتحدة في الستينات من خلال برامج مثل: That Was the Week That Was أو كما يطلق عليه TW3 (تي دابليو 3)، Comedy Hour The Smothers Brothers (سموذرز بروذرز كوميدي آور)، و Laugh-In (لاف إن).

الكوميديا السياسية الساخرة هي القوة الرائعة التي تعبر عن مشاعر الرأي العام لتعزيز الثقافة المتحضرة

كون هذه البرامج أثارت الجدل، كما أنها أبهجت الجمهور من ناحية وأغضبته من ناحية أخرى، مما دفع الأكاديميين الغربيين في مجال الإعلام إلى دراستها. وتم تعريف الكوميديا السياسية الساخرة على أنها القوة الرائعة التي تعبر عن مشاعر الرأي العام لتعزيز الثقافة المتحضرة وفكرة المواطنة للجمهور وذلك بإثارة النقاش السياسي لجذب الجمهور إلى عالم السياسة بمهارة وإبهار. وعرفت أيضا على أنها تفريغ للعواطف البشرية مثل الشعور بالغضب، الخزي، الاشمئزاز، السخط، الاحتقار وغير ذلك، بتعبير مضحك وبسيط. فمهمة الساخر أن يفرغ هذا الغضب والاحتقان من خلال إعلانه عن الحقيقة التي يمكن أن تكون أخلاقية، سياسية الخ، فالساخر يرى أن من واجبه التمييز بين الصواب والخطأ في المجتمع ومهاجمة الخطأ دون تحفظ.

إن ما يمكن إدراكه أن أهم دعائم الكوميديا الساخرة أنها ترتكز على تفريغ غضب الجماهير وسخطها من خلال السخرية من العامل الذي يغضبهم، وبالتالي يحجم عامل السخط ويصغر بطريقة تثير ضحك الجماهير.


سخط على "حكم إخواني فاشي"


لم ير العالم سخطا كما شاهده في مظاهرات 30 يونيو 2013 التي شملت أغلب محافظات مصر ضد حكم إخواني فاشي انقلب على إرادة شعبه.

أحمد آدم جعل باسم يوسف مادة للسخرية في برنامجه "بني آدم شو" على قناة الحياة

فقد وصل عدد المتظاهرين إلى أكثر من 30 مليون شخص وهو ما اعتبرته حتى الصحافة الغربية أكبر مظاهرات في التاريخ ولم تتوقف هذه المظاهرات حتى أعلن وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي نهاية حكم محمد مرسي في 3 يوليو. ومنذ تلك الفترة اعتبرت الجماهير المصرية أن الفريق أول عبد الفتاح السيسي هو منقذ الوطن.

إن ما يغضب الشعب المصري اليوم أمور كثيرة أهمها: الإرهاب الذي يمارسه الإخوان ضد الشرطة التي تحميه، فقد وصل عدد الشهداء منذ 30 يونيو إلى الآن 249 شهيدا، 35 ضابطا، 105 من أفراد الشرطة، 83 مجندا، 6 خفراء وموظفين مدنيين، الشغب الذي يمارسه الطلاب المنتمون إلى جماعة الإخوان في الجامعات، انتهازية النخب السياسية وعدم مسؤوليتها والتي تمثلت في هروب محمد البرادعي وأخيرا بعد إعلان أشرطته في محطة القاهرة والناس في برنامج “الصندوق الأسود” الذي يقدمه علي عبدالرحيم بوصف البرادعي للنخب المصرية بأنهم “زبالة وحمير”.

كما أن لا شيء يغضب المصريين أكثر من ازدواجية المعايير السياسية الغربية والتلاعب بكلمات براقة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تفصل حسب مصلحة الغرب، هذا عدا ازدواجية واستفزاز الإعلام الغربي لمصر على أن الذي حدث في مصر انقلاب، إضافة إلى ما تفرغت له قناة الجزيرة ليلا ونهارا بمهاجمة إرادة المصريين.


يوسف يسخر من مشاعر المصريين


نتوقع إذا من برنامج ساخر في ظل هذه الأحداث الدامية التي تجري يوميا في مصر أن يسخر مما يغضب الشعب ليفرغ شحنته، إلا أننا نجد برنامج “البرنامج” الذي يقدمه باسم يوسف يقوم بالعكس تماما، فهو يسخر من كل ما يعتبره الشعب المصري وطنيا ومن كل من اعتبره منقذا لوطنه ولم يسخر إطلاقا من أي شيء أثار غضبه. فعدد حلقات برنامج “البرنامج” منذ بدايته على قناة MBC مصر في 7 فبراير، 2014 إلى 14 مارس، 2014 هي ست حلقات تمثل ما مجموعه 417 دقيقة تقريبا.

السخرية من المشير السيسي والقوات المسلحة شكلت النصيب الأكبر تقريبا حيث بلغت 132 دقيقة أي ما يعادل 31.6 بالمئة من البرنامج، والسخرية من البرامج الحوارية التي يخالفها باسم في آرائها السياسية وخصوصا في دعمها لترشيح المشير السيسي للانتخابات الرئاسية والسخرية حتى من الشعب بما يشمل آراء الشباب المنتقدة لبرنامجه شكلت تقريبا 117 دقيقة أي ما يعادل 28.05 بالمئة. أما باقي الفقرات فهي إما أغان أومقابلات مع شخصيات تتطابق مع اتجاهات باسم السياسية.


"البرنامج" ينافي القواعد


فمن السخرية في برنامج “باسم يوسف” أنه لا يعرض سوى أفكاره هو، حيث يكرر باستمرار كيف يجب احترام الرأي والرأي الآخر وحرصه على مسار الديمقراطية في مصر وخوفه من رجوع حكم العسكر، كما ذكر في حلقته الثانية “انتبه من فضلك السيارة ترجع إلى الخلف” ولكنه في المقابل لا يحترم من يخالفه في الرأي و حريص على ألا يسخر ممن يطابقونه في آرائه السياسية مثل المذيعين عمرو الليثي ويسري فودة الذي وصفه في الحلقة الأولى بأنه صديقه.

التلاعب بالكلمات البراقة واستفزاز الإعلام الغربي بأن ما حدث في مصر انقلاب أكثر ما يثير غضب المصريين

عبثا يحاول باسم يوسف أن يحاكي برنامج الناقد الأميركي الساخر جون ستيوارت في The Daily Show (ذا دايلي شو) ولكنه يختلف مع ستيوارت في قواعد الكوميديا السياسية الساخرة، ففي برنامج ستيوارت نجد السخرية من اليسار واليمين وهو يستضيف الجمهوريين والديمقراطيين بعكس يوسف الذي لا يستضيف إلا من يطابقونه في آرائه السياسية وهم في الغالبية من أنصار محمد البرادعي، . حسب مفهوم ستيوارت أنه على الساخر الناجح ألا يظهر للمشاهد اتجاهاته السياسية وأن يوضح “أننا لسنا محاربين في جيش أي أحد” لأنه إذا اتضح للمشاهد أن الناقد يتحيز مع فئة ضد فئة أخرى يفقد شعبيته.


الغرق في التناقضات


اتضاح المسار السياسي لباسم يوسف في برنامجه بهذا الشكل يجعله يقع في تناقضات، فهو يسخر من الذين يريدون ترشيح السيسي لأنهم لم يقرؤوا برنامجه الانتخابي، ولكنه في المقابل هو نفسه يرفض ترشيح السيسي قبل قراءة برنامجه، كما ذكر في مقابلاته، ونجده يسخر من الإعلاميين الذين يصفون الشباب مثيري الشغب بأنهم جهلاء سياسيا وفي ذات الوقت نجده يسخر هو من الشباب الذين ينتقدون برنامجه وينعتهم بأنهم جهلاء ومتناقضون ولا يدركون ما يقولون. إن هذا الأسلوب المتحيز أغضب أغلبية المصريين، مما دفع البعض إلى إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تنادي بمقاطعة برنامجه، كما أن مقالة باسم “لماذا لا يهتم بوتين” التي نشرت في صحيفة الشروق والتي اكتشف أنها مقتبسة من مقالة كاتب بريطاني صهيوني يدعى Ben Judah(بن جودا) بعنوان “Why Russia No Longer Fears the West” (لماذا لا تخشى روسيا من الغرب)، لم تسلم من النقد والسخرية من الجمهور الغاضب الذي قام بإنشاء هاشتاق على التويتر باسم طلع حرامي.


سرقة المقالات والسخرية من المصريين!


الكثير من الإعلاميين انتقدوا أسلوبه وكان آخرهم الممثل الكوميدي أحمد آدم في برنامجه الساخر “بني آدم شو”. سخر آدم في حلقته بتاريخ 27 /3 /2014 على قناة الحياة من باسم يوسف وكيف أنه يستهزئ بعقلية المصريين عندما ذكر “إنت إلي فاهم والشعب كله بريالة” ثم غنى أغنية على الطبلة يسخر فيها من باسم: “اللي بيسرق مقالات جودا شو بنقوله.. باسم باسم”، “واللي بييجي على بلده وجيشها واللي جميع مقالاته هابشها، شو بنقوله.. ماسخ ماسخ فاشل فاشل”، “يا حرامي المقالات، يا حبيب الخواجات، اسمع مني وبُص.. خليك مع جماهير وبطل تفتي كتير، واسكت خالص هس”.


الوقت غير مناسب للسخرية


ويسخر يوسف أيضا من الإعلاميين الذين انتقدوه كون الوقت غير مناسب لبث سخرية من هذا النوع، في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، وسخر من ذلك باتهامه الإعلاميين بأنهم يريدون اللعب بمشاعر وأفكار الشعب لصالح ترويجهم للسيسي متناسيا ما تمر به البلاد من إرهاب مسلح.

باسم يوسف حريص على ألا يسخر ممن يطابقونه في آرائه السياسية

وفي الواقع أن من أهم أساسيات السخرية السياسية هي اختيار الوقت المناسب، لذلك نجد أن هناك برامج أميركية ساخرة، تم إيقافها بسبب التوقيت الخاطئ، فمثلا برنامج Smothers Brothers (سموذرز بورذز( الكوميدي الذي أطلق عام 1967، الذي كان يقدمه الأخوان Tom and Dick Smothers على قناة CBC (سي بي سي) الأميركية، تم إيقافه عام 1969 لأنه كان يتعرض لمواضيع مثيرة للجدل أيام حرب فيتنام، مما أثار غضب الجماهير، مع أن نسبة المشاهدين للبرنامج كانت عالية، ولكن القناة قررت إيقاف البرنامج خوفا على مكانة المؤسسة الإعلامية.

هناك مثال آخر، فبالرغم من أن جورج بوش كان مادة دسمة للكوميديا السياسية وكان الممثل الكوميدي Will Ferrell (ويل فيريل) يقلده في برنامج Saturday Night Live (ساترداي نايت لايف) على أنه قليل الذكاء وواثق من نفسه في نفس الوقت ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحرب أفغانستان والعراق لم تعد السخرية من بوش مضحكة للجمهور لأنه أدرك أن البلاد تمر بمرحلة محفوفة بالمخاطر والوقت غير مناسب للسخرية وقد تم إيقاف تلك الفقرة إلى أن ترك فيريل البرنامج في عام 2002 . هنا نجد أهمية أخذ غضب الجمهور والتوقيت في الاعتبار لأن عدم مراعاة ذلك يؤدي إلى إيقاف البرامج السياسية الساخرة وليس كما ينوه باسم بأنه لو تم إيقاف برنامجه سيكون بسبب أوامر من الجيش المصري متناسيا تماما آراء الجماهير والظروف السياسية الحساسة في البلاد.


مقارنة مغلوطة


يتساءل باسم في كل حلقة تقريبا لماذا الناس الذين كانوا يضحكون في عهد مرسي أصبحوا غاضبين الآن، ولماذا الجمهور الذي يطالب بإيقاف “البرنامج” الآن لم يطالب به في عهد الإخوان؟ هو سؤال يبدو وجيها ولكن في حقيقته بديهيا، لو قرأ باسم أبجديات الكوميديا السياسية الساخرة بأنها تفريغ لغضب الجمهور لأجاب عن السؤال بنفسه، فهل المشير السيسي الذي اعتبره الشعب المصري منقذا لوطنه يقارن بالرئيس الذي خان البلاد والعباد؟ وهل الجيش المصري الذي حمى مصر من التقسيم يقارن بالمنظمة الإخوانية الإرهابية التي عاثت في الأرض فسادا مما أثار حفيظة الملايين إلى أن تم إسقاط ذلك النظام؟

نجد باسم يوسف يسخر أيضا من فكرة المؤامرة ضد مصر ويسخر من الإعلاميين الذين يرددون ذلك في برامجهم، ولو افترضنا أن الإعلام المصري يهول والشعب المصري يبالغ ومصر كلها خاطئة فماذا عن السعودية والإمارات؟ هل هما يبالغان أيضا بالإعلان عن جماعة الإخوان أنها جماعة إرهابية؟ وهل سحب سفراء دول الخليج (السعودية والإمارات والبحرين) من قطر بسبب دعمها للإخوان والجماعات المتطرفة، بمباركة أميركية، في مصر ودول الخليج ضرب من المؤامرة الخيالية؟، وهل المناورات العسكرية التي يقوم بها الجيش المصري على أراضي الإمارات لا توحي لباسم يوسف بأن مصر والمنطقة تمران بتحديات صعبة وليس مجرد خيال في عقول البعض التي تتوهم أن هناك مؤامرة؟.


كوميديا بعيدة عن الدوافع الشخصية


لست هنا بصدد الهجوم على برنامج باسم يوسف ولكن ما أردته هو نقد برنامجه وخاصة أن الفئة العمرية التي تشاهده غالبيتها من الشباب الذي يمكن أن يكون “البرنامج” مصدرهم لمعرفة أخبار البلاد. فمن السخرية أن الجمهور يشاهد برنامجا ساخرا يروج لآراء باسم السياسية ومن السخرية أيضا أن السعودية تدفع والإمارات تستضيف من أجل ترويج أفكار باسم من خلال قناة الـ MBC ومن السخرية اللافتة أيضا أن القنوات المصرية احترمت آراء جماهيرها بإيقاف برنامج باسم يوسف وفي المقابل تفتح الـ MBC أبوابها له وبأغلى الأثمان. إن الذي نريده كوميديا سياسية ساخرة مبنية على أسس صحيحة تضع الجمهور في عين الاعتبار حتى يكون “البرنامج” تصويبا وليس تسويفا لمعنى الكوميديا ولنرى منه النسخة السعودية والإماراتية ونسخا عربية أخرى، وحتى لا تكون قناة MBC مصر أداة إساءة للعلاقات بين السعودية والشعب المصري ومصدر استفزاز مثل قناة الجزيرة مباشر، أرجو ألا يفهم من ذلك أنني ضد الكوميديا السياسية أو ضد حرية التعبير ولكن ما نريده هو كوميديا سياسية بعيدة عن الدوافع الشخصية.


أكاديمية إعلامية - سعودية

18