الكوميديا السياسية.. فن لاذع بات من الماضي

حالة الاستقطاب السياسي ما بعد حرب 2011 منعت التشارك الفني بين النقيضين فغابت العروض المسرحية السورية الكوميدية عن المشهد.
السبت 2021/03/27
مسرح "الشوك" أثّر في شكل الكوميديا التلفزيونية ("بقعة ضوء" نموذجا)

الكوميديا فن أصيل عاش عبر تاريخ الفن المسرحي طويلا ومنذ أقدم العصور وعرفتها الشعوب. والمسرح السوري كغيره من المسارح العربية عرف فن الكوميديا وشهد مراحل كبرى من توهجها. لكنه في فترة الحرب تراجع ولم يحتل المكانة التي كان يستحقها، فما هي أسباب هذا التغيّر؟

دمشق- عرفت سوريا المسرح مبكرا من خلال عروض قدّمها العديد من الرواد، منهم أبوخليل القباني وإسكندر فرح وآخرون منذ أواسط القرن التاسع عشر. وخلال هذه المرحلة قُدّمت نصوص مسرحية في شتى أشكاله الفنية التراجيدية والكوميدية والغنائية.

وشهد المسرح السوري ذروته في خمسينات وستينات القرن الماضي، الأمر الذي عجّل بتأسيس المسرح القومي الذي كان نقطة انعطاف في تاريخ المسرح السوري. وخلال هذه الفترة ظهرت أسماء فنية كبيرة صارت لاحقا علامات بارزة في تاريخ المسرح السوري، كما كان للكوميديا حضور كبير في مساحة هذه العروض. ففي خمسينات القرن العشرين قدمت الإذاعة السورية بعد انتشارها الواسع محليا وعربيا، مجموعة كبيرة من التمثيليات الشعبية التي كتبها القاص حكمت محسن والذي ابتدع من خلالها العديد من الشخصيات الشعبية الكوميدية التي غدت رموزا فنية، مثل شخصية أبورشدي وأبوفهمي وأم كامل التي أداها أنور البابا.

سوريا

وأنتج محسن سلسلة إذاعية  لمحطة “بي.بي.سي” بعنوان “صابر أفندي” قدّمها لاحقا الفنان الكوميدي عبداللطيف فتحي عام 1968 في عرض مسرحي كوميدي في عام وفاته. واستفاد المسرح السوري من هذه الحالة وكرّس الشخصيات الإذاعية التي ابتدعها حكمت محسن في العديد من المسرحيات الكوميدية الأخرى.

ريادة مسرح "الشوك"

كان للكوميديا وجود واضح في الحياة المسرحية السورية، لكنه لم يكن منظما ولا كثيفا، بحيث يظهر في عروض متفاوتة التوجه والشكل والزمن. إلى أن كانت الدورة الأولى لمهرجان دمشق للفنون المسرحية عام 1969، وهو أول مهرجان عربي للمسرح.

حينها كان الحراك الفني المسرحي الكوميدي قد أنضج فكرة وجود شكل مسرحي في سوريا يعتمد لغة العصر، ويقدّم نبض الشارع الحار من حيث التطلعات والانكسارات وخيبات الأمل، الحاصلة خاصة إثر نكسة يوليو المُربكة.

كان صاحب الفكرة في هذه التجربة الفنان عمر حجو الذي أراد الابتعاد عن الشكل الكلاسيكي الغربي الموجود في المسرح عبر استقدام نصوص تراجيدية عالمية، كما عمل على القطع مع الشكل المُغرق في الشعبية المعتمد أساسا على القفشات الجنسية والكثير من الهزل الممجوج. فذهب إلى منطقة وسطى بين هذا وذاك، مُقدّما نقدا لاذعا للمفاهيم الاجتماعية وحتى السياسية التي كانت سائدة حينها.

كتب حجو عام 1969 ثلاثة نصوص طغت عليها اللغة التهكمية اللاذعة واعتمدت شكل الكوميديا، ومن هذه النصوص “جيرك” الذي طرح فيه أسباب نكسة يوليو ومآلاتها، ثم عرض “مرايا” وقد أخرج العملان دريد لحام، أما النص الثالث فكان من إخراج أسعد فضة وحمل بعنوان “براويظ”.

وشارك في هذه العروض كبار الفنانين السوريين الذين كانوا موجودين على الساحة الفنية حينها، منهم نهاد قلعي ودريد لحام ورفيق سبيعي وزياد مولوي وأحمد قنوع وغيرهم. لكن هذه التجربة لم تستمر رغم نجاحها الكبير ووصلوها إلى لبنان وبعض البلاد العربية، حيث قاومتها السلطات الرقابية بقسوة في مرحلة السبعينات، الأمر الذي أدّى إلى انحسارها فتوقفها عام 1974.

عمر حجو مؤسّس مسرح "الشوك" الذي غيّر المشهد الكوميدي في سوريا

وتجربة مسرح “الشوك” التي أسّسها حجو على فكرة مسرح الكباريه السياسي الموجود في أوروبا احتفى بها أهل النقد والصحافة أيامها. وهي التي رسّخت لحالة فكرية لم تستطع سلطات الرقابة محاربتها.

فرغم تلاشي عروض التجربة وتراجعها تحت هذا المسمى ثم توقفها، إلاّ أن الفكرة ظلت موجودة واعتمدت عليها بعض الفرق والتجمعات التي تأسّست بعدها، وكان منها مسرح “دبابيس” للأخوين قنوع الذي ظهر في العام ذاته الذي توقّفت فيه تجربة مسرح “الشوك”، كذلك وجدت فرقة محمود جبر وناجي جبر وهدى الشعراوي وياسين بقوش وزياد مولوي وغيرها.

واستطاعت هذه الفرق تقديم كوميديا مسرحية ابتعدت فيه عن الخط السياسي ولاحقت ظواهر اجتماعية بعينها، وكسبت من خلال ذلك بعض الشرائح الجماهيرية، لكنها لم تحظ ببريق مسرح “الشوك” والحالة السياسية التي قدّمها.

من الخشبة إلى الشاشة

بعد ما يقارب الأربعين عاما على ولادة مسرح “الشوك”، قدّم تجمّع فني سوري غير حكومي عام 2001 مسرحية تندرج في إطار مسرح الكباريه السياسي، هي “سمح في سوريا” التي كتبها لقمان ديركي وأخرجها سامر المصري وشارك فيها فنانون سوريون منهم لقمان ديركي ومحمد خير الجراح وسامر المصري وجمال العلي وآخرون.

وكان لهذه المسرحية تأثير كبير في الجمهور السوري الذي توسم انفتاحا جيدا على هذا الشكل المسرحي، الأمر الذي لم يتم وبقي هذا العرض المسرحي وحيدا في زمنه.

«سلطان زمانو» أحدث كوميديا اجتماعية من بطولة محمد خير الجراح

وعلى التوازي مع هذه العروض المسرحية التي كانت تعرض غالبيتها بمدينة دمشق ظهرت بعض العروض المسرحية الكوميدية الأخرى في بعض المحافظات السورية خاصة في مدينة حلب، حيث ظهرت فرقة “المهندسين المتحدين” لمؤسّسها همام حوت في أواخر التسعينات من القرن العشرين وقدّمت عددا من العروض التي استقطبت جمهورا عريضا. ثم انتقلت إلى دمشق وحقّقت تفاعلا مقبولا من حيث الكم. لكن التجربة لم تنجح على مستوى النقد الذي كان يتعامل معها على أنها مسرح يعتمد شكلا شعبيا تجاريا وسلطويا.

ولم يقف تأثير مسرح “الشوك” عند حدود فن المسرح، فهو اعتمد فكرة اللوحة المسرحية التي قد يكون زمنها خمس دقائق لا أكثر وكسر حاجز الزمن الطويل، وبهذا أوجد وأسّس لفكرة اللوحة الفنية النقدية الساخرة التي استفادت منها الدراما التلفزيونية لاحقا. فنفّذت لوحات ساخرة وكوميدية في إطار الدراما التلفزيونية وكان أول من فعل ذلك بنجاح مسلسل “مرايا” الذي ظهر عام 1982 وأنتج منه تسعة عشر جزءا، كتبه ياسر العظمة ومثل فيه. ثم كان المسلسل الشهير “بقعة ضوء” الذي ظهر عام 2001، وكتبه العشرات من المؤلفين وقدّم خمسة عشر جزءا.

من الماغوط إلى زيدان

في أوائل سبعينات القرن العشرين ظهر الكاتب الراحل محمد الماغوط (1934-2006) من خلال الصحافة الساخرة، مع شريكه الأدبي زكريا تامر في زاوية أسبوعية متناوبة تحت عنوان “عزف منفرد”. وحقّقت هذه المقالات رواجا كبيرا لدى جمهور القراء، ثم تطوّرت الفكرة بأن ظهر الماغوط كاتبا مسرحيا كوميديا لعرض مسرحي حمل عنوان “ضيعة تشرين”، وكان قبلها قد كتب في الدراما التلفزيونية. وقدّم العمل مخرجا وممثلا دريد لحام، وحقّقت المسرحية نجاحا هائلا، الأمر الذي دفع بكاتبها إلى تسجيلها تلفزيونيا وعرضها على معظم شاشات التلفزيون العربية.

هذا النجاح المدوّي دفع بالثنائي الماغوط ولحام لتنفيذ نص مسرحي آخر جاء تحت عنوان “غربة”. وكانت تجربة أنضج ومسرحية أقوى وكان نجاحها الجماهيري أوسع، وصارت علامة فارقة في تاريخ المسرح الكوميدي السوري والعربي. ليتابع الثنائي الماغوط ولحام العمل مسرحيا ويقدّما مسرحية “كاسك يا وطن” التي اعتمدت بنية درامية أبسط وقفشات جماهيرية لاهبة استطاعت أن تحقّق وجودا جيدا على مساحة اهتمام الشارع العربي.

«السيرك الأوسط» يستعيد كتابات محمد الماغوط بعد رحيله

ثم كانت مسرحية “شقائق النعمان” التي كانت آخر عمل مسرحي يجمع الثنائي والتي لم تحقّق ذات النجاح، لتنتهي التجربة الثنائية بين الماغوط ولحام بهذه المجموعة من المسرحيات. لاحقا قدّم الماغوط مسرحية كوميدية بعنوان “خارج السرب” قدّمها مخرجا وبطلا جهاد سعد بمشاركة نخبة من الفنانين السوريين وحقّق بها صدى طيبا، بينما تابع دريد لحام ظهوره في عدة مسرحيات لم تتّخذ الخط الكوميدي شكلا لها بقدر ما اتجهت نحو الطفل والعائلة مثل مسرحية “العصفورة السعيدة” و”صانع المطر”.

عندما أنشا المسرح القومي في سوريا في أوائل الستينات كانت تضجّ في الفضاء المسرحي نظريات فكرية تنادي إما بالتجريب المسرحي، وكان رأس حربة هذا التيار رفيق الصبان الذي درس فن المسرح في فرنسا، وإما بالشكل الشعبي الذي تزعّمه نهاد قلعي الذي جاء من خلفية مسرحية محلية وكان أول مدير للمسرح القومي.

وبرنامج هذا المسرح انتهج فكرة تقديم العروض المسرحية الجادة التي تتّخذ من النصوص المسرحية العالمية منهلا لها في تقديم العروض المسرحية المحلية، فقدّمت نصوصا لشكسبير وتشيخوف وغوته وأبسن، كذلك قدّمت مآسي المسرح الإغريقي القديم مثل “كاليغولا” و”أوديب” وغيرها من المسرحيات التي تمثل اتجاها محدّدا فيه سمي بالمسرح الملتزم.

ولكن الكوميديا غابت عن المسرح القومي بشكل قد يبدو شبه كامل، فلم تظهر إلاّ في مشاهد أو عروض محددة ولم تشكل خطا إنتاجيا مسرحيا واضح المعالم، وهنا يبرز مشروع المسرحي أيمن زيدان الذي يعمل عليه منذ ما يزيد عن الثلاثين عاما، وهو تقديم مسرح شعبي راق يعتمد الكوميديا شكلا له في طرح أفكاره، بحيث يكسر حدة النصوص التراجيدية العالمية المعروفة من خلال أخذه نصوصا عالمية يعمل على معالجتها حسب المجتمع السوري، أو يقدّم نصوصا أصلية بلغة كوميدية جديدة.

"فابريكا" أيمن زيدان.. مسرح شعبي بكوميديا راقية

وخلال هذه الفترة استطاع مشروع زيدان أن يستقطب جمهورا واسعا. قدّم في مسيرته أعمالا مسرحية كوميدية منها “سوبر ماركت” و“فضيحة في الميناء” و“اختطاف” و“فابريكا”.

وبعد عام 2011 وتغيّر مزاج الناس العام بسبب حالة الحرب التي وُجدت، تراجع العرض المسرحي الكوميدي تماما وصار بعيدا عن متناول الفنانين. فتوقّفت العروض المسرحية الكوميدية بسبب الحرب وتداعياتها على المشهد الفني بشكل عام، حيث رحل الكثير من الفنانين من البلد كما توقف غالبيتهم عن العمل، ولا بد أن حالة الاستقطاب السياسي لعبت دورها في منع حالة التشارك الفني بين النقيضين، وهذا ما عطّل الحركة فغابت العروض الكوميدية التي كانت قليلة أصلا.

لكن الماغوط يعود إلى المشهد مجددا بعد رحيله بسنوات، تحديدا في العام 2018 من خلال نص مسرحية “المهرج” التي أعاد المخرج المسرحي غزوان قهوجي معالجتها وصياغتها انطلاقا من مقالات الماغوط الساخرة، وقدّمها في مسرحية حملت عنوان "السيرك الأوسط"، وكانت من بطولة محمد خير الجراح.

المسرح السوري كرّس في بداياته الشخصيات الإذاعية التي ابتدعها حكمت محسن في العديد من العروض الكوميدية الناجحة

وعرضت المسرحية بدمشق أولا ثم في عدد من المحافظات، واهتم الجمهور السوري بالعرض الجديد، خاصة أنه يحمل نصا لكاتب يشكل أهم مرحلة في تاريخ المسرح الكوميدي السوري. ثم قدّم محمد خير الجراح بطل المسرحية عرضا آخر عام 2020 حمل عنوان “سلطان زمانو” من تأليف سعيد حناوي وإخراجه، عرض بدمشق أيضا. لكن تفشي وباء كورونا عطل عروضه التي لم تستمر طويلا.

ويكاد يكون هذان العرضان مع ما قدّمه أيمن زيدان ضمن المسرح الحكومي، هي المحاولات القليلة التي قدّمها المسرح السوري في الشكل الكوميدي خلال سنوات الحرب العشر، وما قبلها بقليل.

14