الكوميديا المصرية تعاني فقرا في النصوص ونمطية في الأداء

بقيت الدراما التلفزيونية الكوميدية في مصر البلسم الشافي لمتاعب الإنسان المصري طوال العشرات من السنين، فالمصري معروف بأنه يعشق الفكاهة، ويحب الضحك، حتى في أشد الأوقات صعوبة ومعاناة، ومع ذلك فإن هذا النوع من الكوميديا بات شحيحا، وتعاني المسلسلات الكوميدية من أزمة مستعصية، فهل السبب غياب الكُتّاب والنصوص الجيدة؟ أم أن جوهر الأزمة هم الفنانون أنفسهم؟
الخميس 2016/09/29
"راجل وست ستات" مثل الاستثناء

تظل الكوميديا منطقة السحر الأهم في الدراما التلفزيونية المصرية، وما بين أزمة النص واختفاء نجوم الكوميديا، تعيش هذه الدراما مأزقا حرجا، ولم ينقذها منه في السنوات القليلة الماضية سوى البعض من التجارب التي تحايلت على الأزمة بشكل أو بآخر.

ربما بدأت نواة الأزمة مع الألفية الجديدة، التي انطفأ فيها وهج الكثير من المسلسلات الكوميدية، وارتكزت الأعمال المقدمة على الموضوعات والقضايا الاجتماعية، حيث شهدنا هروب كُتّاب الدراما التلفزيونية إلى السينما، مع بداية عاصفة "سينما الشباب"، التي بدأت مع جيل الفنانين أمثال محمد هنيدي ومحمد سعد.

غياب " السيت كوم"

بحلول السنوات الأخيرة في العقد الأول من الألفية الجديدة، بدأت ظاهرة مسلسلات الـ"سيت كوم" وكوميديا الموقف تسيطر على الساحة بقوة، ورغم ذلك لم يكتب النجاح إلاّ لعدد قليل منها، مثل "راجل وست ستات"، الذي لعب بطولته الفنان أشرف عبدالباقي ولقاء الخميسي، و"تامر وشوقية" بطولة مي كساب وأحمد الفيشاوي.

ومع انطلاق شرارة أحداث ثورة يناير 2011 في مصر، اختفت الدراما الكوميدية من المشهد، وتغيرت الخارطة الدرامية بصورة كاملة، وقدمت موضوعات أكثر دموية وعنفا، مع انتشار ظاهرة “البلطجة” في الشارع المصري.

مع انطلاق شرارة أحداث ثورة يناير 2011 في مصر، اختفت الدراما الكوميدية من المشهد، وقدمت موضوعات أكثر دموية وعنفا

الحظ حالف الفنان أحمد مكي خلال هذه الفترة، بمسلسله "الكبير أوي"، الذي كان من المقرر عرض جزئه الأول العام 2010، لكن بسبب ظروف مكي الصحية تم عرض العمل في العام التالي، واستطاع المسلسل أن يخرج للمشاهد من حالة التشويش النفسي والعصبي، التي عاشها بسبب الظروف السياسية المحيطة به، إلى الفكاهة والضحك.

ورغم وجود الفنان محمد هنيدي كمنافس لأحمد مكي في العام ذاته بمسلسله "مسيو رمضان أبوالعلمين حمودة"، إلاّ أن الشعبية والنجاح الأعظم كانا من نصيب مسلسل مكي، الذي قدم في السينما أفلام "إتش دبور"، و"طير إنت"، و"لا تراجع ولا استسلام"، على مدار ثلاثة أجزاء كاملة من أصل خمسة.

وبدأ المسلسل في التراجع ابتداء من الجزء الرابع، ثم نال سيلا من النقد اللاذع مع جزئه الخامس، الذي عرض في العام الماضي، الأمر الذي كشف عن وجود أزمة حقيقية في كتابة الدراما الكوميدية.

مسلسل "الكبير أوي"، عمل قائم بالأساس على السخرية من البعض من الأمور الحياتية للمصريين، والعودة إلى "نوستالجيا" الحنين للماضي في بعض الأحيان، ومع ذلك فإن مناطق الإبداع فيه كانت محدودة، وربما كان النجاح الذي لقيه عائدا إلى أن المشاهد كان ساعتها في احتياج لهذه الجرعة الكوميدية، لكنه عاد فتراجع في جزئه الخامس، بسبب التحايل على تقديم الكوميديا -بأي شكل- في إطار سفر “الكبير” إلى الخارج، واختفاء شخصية “هدية” التي قدمتها الفنانة دنيا سمير غانم.

والظروف التي أحاطت بتجربة مسلسل “الكبير” ربما كانت النموذج الأهم لتحليل أزمة الدراما الكوميدية، بين مؤلفين (مصطفى صقر، محمد عزالدين، تامر نادي) وضعوا نواة نجاحه في الجزء الأول، ثم لم يستطيعوا استكمال منظومة النجاح هذه، لاعتقادهم أن الجمهور سيبقى على تجربتهم، طالما أنه ارتبط بالشخصية الرئيسية في العمل “الكبير”، بغض النظر عن مضمون الكوميديا نفسه، وما إذا كانت مصطنعة أو طبيعية.

عادل إمام نجح في "العراف" وفشل في البقية

وأصيب أحمد مكي بسهام الاستسلام، فاستمر في تقديم الشخصية لعدة سنوات على نمطيتها، بينما الجمهور دائما في حاجة إلى التغيير، وقد ينصرف عن “النجم” بمرور الوقت.

الأمر نفسه حدث مع الفنان محمد سعد، الذي قدم شخصية "اللمبي" التي ظل أسيرا لها، وبعد أن كان في قائمة أعلى نجوم الإيرادات بالسينما المصرية، أصبح يعاني من قلة الإقبال عليه، حتى مع محاولته التخلص من هذه الشخصية في فيلمه الأخير "تحت الترابيزة" وكذلك مسلسله "فيفا أطاطا" الذي لم يحقق نجاحا يذكر.

بين نجاح وفشل

كانت شريكة النجاح لأحمد مكي، الفنانة دنيا سمير غانم، أكثر ذكاء عندما تخلت عن العمل معه في الجزء الخامس من مسلسل "الكبير"، وخاضت تجربة تقديم الكوميديا بمفردها، على مدار عامين متتاليين من خلال مسلسلي "لهفة"، و"نيللي وشريهان".

واستعانت في أحدهما بوالدها الفنان الكوميدي سمير غانم، وفي الآخر بشقيقتها إيمي سمير غانم، التي أصبح لها رصيد مميز في تقديم الأعمال الكوميدية، ورغم أن المسلسلين لا يحملان إبداعا في كتابتهما أيضا، إلاّ أنهما نجحا في توظيف شخصية دنيا جيدا، وتقديمها بشكل مختلف عما عهده الجمهور منها.

أما نجوم الكوميديا الكبار، فيبدو أن وهج نجوميتهم وأسمائهم الكبرى جعلهم يتنازلون عن مستوى الأعمال التي يقدمونها، خصوصا إن كان هناك شريك إنتاجي كبير في العمل يضخ الكثير من المال، كما يحدث الآن مع الفنان عادل إمام، الذي وصل أجره إلى 30 مليون جنيه (نحو 3 ملايين دولار)، وتتكلف ميزانية مسلسله الكثير من الملايين، بغض النظر عن المحتوى الذي يصفه النقاد بالساذج، والذي يخلو من الفكاهة في أغلبه، ويكتبه له مؤلفه يوسف معاطي، طبعا مع استثناء مسلسل "العرّاف"، الذي يعد أنجح تجربة تلفزيونية قدمها الزعيم خلال السنوات الست السابقة.

وبعيدا عن فقر كُتاّب الكوميديا، والاعتماد على ممثلين يغامرون بشهرتهم ورصيد شعبيتهم، هناك جانب آخر من الأزمة، يتمثل في ظهور البعض من الوجوه الشابة، التي لا تصلح للتجارب الدرامية الكوميدية التلفزيونية، وكان نجاحها الأعظم في السينما أو المسرح فقط، وهو ما حدث في تجربة "صد رد" لشباب فرقة مسرح مصر، الذي عرض في رمضان الماضي، فرغم نجاحهم على خشبة المسرح واقتناصهم الرصيد الأعظم من الظهور من مؤسس فرقتهم الفنان أشرف عبدالباقي، إلاّ أنهم لم يحققوا ذلك الوهج في العمل التلفزيوني.

وربما يفتح شهر رمضان المقبل المجال أكثر لسوق الدراما الكوميدية بشكل أوسع، خصوصا مع عودة نجوم كبار إلى الساحة، مثل محمد هنيدي، ودخول آخرين، مثل ياسمين عبدالعزيز، ومحمد إمام، وأيضا ظهور أسماء جديدة من الكتّاب الساخرين، لكن الأزمة الكبرى ستظل على حالها، ألا وهي ارتفاع ميزانيات الإنتاج وأجور الفنانين، التي تدخل الدراما الكوميدية في دوامة لن يكون الخروج منها أمرا سهلا.

16