الكوميديا "بنت الجارية" في الدراما العربية

النظرة الاستعلائية لفن الإضحاك تشمل الجمهور والنقاد.
الجمعة 2021/04/23
ناصر القصبي يواصل نقده اللاذع للظواهر السلبية في «ممنوع التجول»

هناك نظرة دونية للنقاد تجاه الكوميديا الرمضانية مقارنة بنظيرتها الاجتماعية والدرامية، والحال أن فن التمثيل استمد اسمه من الكوميديا، أصلا، فهل يعود ذلك إلى كون فن الكوميديا لم يتطوّر، أم هي النظرة استعلائية للنقاد تجاه فن يعدّونه هجينا وسطحيا؟

 متصفحو الإنترنت من المهتمين بالكوميديا والباحثين في برمجة هذا الموسم الرمضاني عن وجبات مرحة وساخرة تنسيهم هذا التجهّم العام، الذي سببته جائحة كورونا وارتداداتها النفسية والاقتصادية والاجتماعية، يصابون بنوع من خيبة المسعى، وذلك لأسباب عديدة.

أولها أنّ أكثر من دليل إلكتروني أو ورقي (كاتالوغ) يُسقط من محتواه الأعمال الكوميدية ويولي الاهتمام للأعمال الدرامية سواء كانت اجتماعية أو بوليسية أو رومانسية أو حتى على شكل ملاحم وطنية، وكأن الكوميديا ضرب من “تمييع القضية” كما كان يردّد ثوريو القرن الماضي.

رفض شعبي

في حال أتت هذه المواقع الإلكترونية على ذكر المسلسلات الكوميدية فإنها تمر عليها مرور الكرام وتجعلها تتذيّل قوائم الأعمال المبرمجة، وبشكل باهت دون ذكر تفاصيل أو حتى عرض للمحتوى، زد على ذلك أن النقاد الفنيين لا يولون الكوميديا الاهتمام الذي يخصّصونه للدراما، وكأنها “بنت الجارية”.

وليس من النباهة أو الوجاهة أن يخصّص معظم هؤلاء وقتهم للحديث عن نمط تمثيلي يعتبرونه زائدا عن الحاجة، حتى أن بعض الناس لا يحبون لنجومهم المفضلين أن ينخرطوا في عمل كوميدي، ويعتبرون ذلك “حطّا” من القيمة الفنية لأبطالهم، فالأجدر بهم أن ينازلوا الأعداء في ساحات المعارك أو يخطفوا قلوب المتيمات أو يسيلوا دموع المتعاطفين والمتعاطفات.. المهم ألا يظهروا في هيئة أناس مثيرين للضحك.

بعض الناس لا يحبون لنجومهم المفضلين أن ينخرطوا في عمل كوميدي، ويعتبرون ذلك "حطّا" من قيمتهم الفنية

ولعلّ الفنان الوحيد الذي أعطى للكوميديا رونقها وأكسبها جماهيريتها هو عادل إمام، الذي غاب عن المشهد في رمضان هذا العام، ويعود ذلك إلى أن الكوميديا لديه حاملة لقضايا اجتماعية وسياسية بنفس يُعرف بـ“التراجيكوميدي” فسدّ الذرائع والأبواب ولم يترك فرصة لانتقاده، وذلك في تركيبة تشبه إلى حد ما، ما فعله الأرستقراطي يوسف وهبي، في منتصف القرن الماضي.

ما زال نجوم الكوميديا في العالم العربي يثيرون الضحك والسرور في السر، والاستهتار والتجاهل في العلن، وذلك ضمن النموذج الذي ساد في أفلام منتصف القرن الماضي حين كان شخص الباشا يلاطف الكوميديان والمونولوجيست في سهراته، لكنه يغضب غضبا شديدا حين يتجرّأ الأخير على طلب يد ابنته.

هذا التهميش الواضح لفن الكوميديا في العالم العربي، والاستهتار بمن يشتغل فيه كتابة وتمثيلا وإخراجا، ضارب في الموروث الثقافي للمنطقة، وله أكثر من سبب ذاتي نفساني، وموضوعي شبه منطقي، مردّه أننا لسنا من نفس النسيج الحضاري الذي أنجب شارلي شابلن، الذي تحتفل أوروبا والعالم هذه الأيام بذكرى ميلاده.

ثم إن الأمر لا ينفصل عن ميثيولوجيا كاملة، إذا علمنا أن البداية التاريخية للكوميديا كانت لدى الإغريق، الأجداد الشرعيين لفن التمثيل منذ فجر التاريخ، وذلك في أعياد الإله “ديونيسوس” إله الخصب والخمر، أثناء مواسم نقل فاكهة العنب المسماة بـ”الكوميديا” والتي يوضع تفلها على الوجوه في طقوس احتفالية تعجّ بالضحك والسخرية، أما في مواسم الحصاد فيموت الإله مع الثمر ويعلن الحزن والحداد المعروف بـ”التراجيديا”.

وبصرف النظر عن عدم علاقة التاريخ العربي بـ“أرستوفانيس” اليوناني و“تتيينوس ماكيوس بلاوتوس” الروماني (يقال إنه من أصول قرطاجية تونسية)، فإن لا شيء يجعل العرب ينظرون بهذا الاستعلاء غير المبرّر لفن الكوميديا الذي أطلق اسمه على فن التمثيل، بدليل أن كلمة “كوميديان” تعني الممثل في المطلق، وبعيدا عن النمط الذي يقدّمه كما هو في مصر التي استفادت من فنون التمثيل الأوروبية عصر نهضتها في ثلاثينات القرن الماضي.

حضور شحيح

Thumbnail

بالعودة إلى كوميديا رمضان هذا العام، فإن أبرز الملاحظات التي تسجّل في هذا الإطار، كونها شحيحة العدد، نكرة الأسماء وباهتة المواضيع، فباستثناء السعودي ناصر القصبي ومسلسله “ممنوع التجول”، غابت قامات وازنة في المشهد الكوميدي العربي.

وحتى مصر التي ظلت تقود قاطرة الكوميديا لعقود طويلة، فإن المطلع على “ريبرتوار” هذا الموسم، يكتشف أنه باستثناء مسلسل “نجيب زاهي زركش” الذي أدّى البطولة فيه يحيى الفخراني، وتدور أحداثه حول رجل أعمال غني يدخل أولاده في صراع مستمر معه طوال حلقات المسلسل حتى يأخذوا ميراثه وأمواله وهو حي، توجد أعمال قليلة لأسماء غير مقنعة في عالم الكوميديا كمصطفى قمر، الذي يجسّد دور صاحب فندق في مسلسل “فارس بلا جواز”.

وهناك أعمال إمّا تزعم الكوميديا لمجرد الاتكاء على مفارقات لفظية مثل محمد فراج الذي حل ضيف شرف في مسلسل “خلي بالك من زيزي” مع أمينة خليل، وإما تمزج بينها وبين الاستعراض مستفيدة من “التوريث العائلي” مثل “عالم موازي”، الذي تقوم ببطولته دنيا سمير غانم.

هذا عن مصر التي فقدت إشعاعها الكوميدي التقليدي، أما عن سوريا فلا شيء باستثناء عودة ياسر العظمة، نجم “مرايا” في عمل جديد لم تتحقّق له المنافسة في رمضان الحالي لأسباب تقنية.

الأمر بائس في الكوميديا اللبنانية التي تحاول الاستفادة من الوجوه النسائية فتضيع البوصلة.

ليس من مهام الكوميدي تعبئة الفراغ الحاصل في النص
ليس من مهام الكوميدي تعبئة الفراغ الحاصل في النص

الإنتاج الكوميدي التونسي لهذا العام خرق القاعدة، واستند لعملين هما “ابن خلدون” و”كان يا ماكانش”، مستفيدا من أسماء شبابية لمعت في عالم المسرح والمشاهد النقدية في بلاتوهات القنوات التلفزيونية المتنافسة، وسط مناخ استثنائي من الحريات. منتجا هذين العملين أدركا بحس مسبق أن المتفرّج بدا متمسكا بالأعمال المحلية أكثر من أي وقت مضى، فقدّما وجبتين من الكوميديا الناقدة للأوضاع السياسية والاجتماعية، ونجحا في ذلك أيما نجاح وقد أدركا ما يطلبه الجمهور في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

لا بد من تسجيل ملاحظات تخصّ الكوميديا في العالم العربي هذا العام، وعلى غاية في الأهمية، أساسها أن بعض القائمين على إنتاج المسلسلات الكوميدية، يعتبرونها غير مكلفة، مقارنة بالأعمال الدرامية الاجتماعية والبوليسية، وكذلك الملحميات الوطنية التي تتطلب مجاميع ومعدات وتعدّدا في أماكن التصوير، بالإضافة إلى الأجور الباهظة للممثلين النجوم.

وبسبب هذا الاستسهال ظهرت أعمال ضعيفة وسطحية يسودها التهريج، لذلك ازدراها النقاد -وهم محقون هذه المرة- لكنهم عمّموا الحكم فوقعوا في هذه النزعة الاستعلائية التي ظلمت الكثير من الأعمال.

كتّاب الكوميديا في العالم العربي قليلو العدد، ويكتبون بغزارة يختلط فيها الغث بالسمين فيقعون في الإسفاف والتهريج تاركين المسؤولية على الممثل وارتجالاته، ضانين أن مهمته تعبئة الفراغ، وذلك على عكس الدراما الاجتماعية التي تهتم أكثر بالحوارات وانتقاء المواقف والمشاهد.

وفوق هذا كله، كرّس العاملون في الكوميديا العربية نمطا لممثلي هذا الفن، وذلك باعتماد أشكال غير مألوفة فيزيولوجيا، أي لممثلين لا يمتلكون المواصفات التقليدية المعتادة لنجوم الدراما، حتى سقط الكثير منهم في المحظور، وصاروا يستعينون بذوي الاحتياجات الخاصة استجداء للإضحاك الرخيص، والأمثلة عديدة حتى لدى ممّن يقدّمون أنفسهم كنجوم كوميديا.

أمر آخر في غاية الحساسية ويتطلب الدراسة الأكاديمية العميقة بغية معالجته جذريا، وهو السؤال عمّا يضحك الإنسان العربي، وكيفية الارتقاء بالذائقة الكوميدية عملا بمقولة “كيف تضحك وما يضحكك.. أقل لك من أنت”.

وأخيرا لا ينبغي أن ننسى بأن الثقافة السائدة في مجتمعاتنا تزدري الضحك وتصنفه في خانة الميوعة وقلة الأدب، فالأجدر بالإنسان المثالي عندنا أن يكون عبوسا قمطريرا، وميالا للحزن والانكسار.

16