الكوميديا تعلو على التراجيديا لأنها وجهة نظر الإله

الأربعاء 2014/12/10
غاف ينجح في ما أخفق فيه الكثيرون: "إضحاكنا على غرابة أيرلندا في القرن الحادي والعشرين"

بمنهج مبتكر في دعم الإبداع تجاريا وبتجاهل كامل للأعراف الأدبية، أطلق الكاتب الأيرلندي جوليان غاف (1966) مشروع “ليتكوين” لتطوير اقتصاديات النشر والقراءة. “ليت” هي الحروف الأولى من كلمة “أدب” باللغة الأنكليزية (وقد تعني أيضا سكرانا!)، و”كوين” تعني “العملة” بالأنكليزية، ولسان حاله يقول، “أَعْطِني العملة، أُعْطِيك أدبا”.

يدعم جوليان غاف روايته الجديدة “ذخيرة لا نهائية” من جيوب قرائه، إذ يعرض على دافعي التبرعات بطاقات بريدية من مدينة لاس فيغاس، تتلطخ ببقع الويسكي أو القهوة أو أحمر الشفاه. أحيانا ما تشوبها ثقوب بفعل طلقات الرصاص، وأحيانا ما يكتبها المؤلف المجنون بدمائه!

يتجلى انشغال غاف بعهد أرسطوفان -وهو مؤلف مسرحي من رواد المسرح الساخر في اليونان القديمة- في “ذخيرة لا نهائية”، مردّدا صدى الاعتقاد أن الكوميديا تعلو على التراجيديا لأنها وجهة نظر الله. كان غاف قد ناقش في مقالته “الكوميديا الإلهية” قلة الكتابة الكوميدية المعاصرة، وظن المؤسسة الأدبية الخاطئ أن النكات الفكرية لا يمكن أن تكون فنا.

كان غاف قد انتقد زملاءه من الروائيين الأيرلنديين واصفا إياهم “بطبقة منغلقة مثل القساوسة، ومنفصلة عن الثقافة. لقد ألغينا رجال الدين الكاثوليك وبدلناهم بالروائيين،” وانتهى إلى وصف نظرائه بأنهم “مجتمع أدبي مغرور ضيّق الأفق”.


كتاب يعيشون على الكفاف


يرنو جمهور الأدب بشيء من الاستنكار إلى الأديب الغني، فالكلاسيكيات تقول إنه لا بدّ أن يعيش على الكفاف، يتحدّث بذهن شارد دون أن يخطر الاقتصاد في باله، الواقع أن عددا كبيرا من الأدباء يسايرون هذه النزعة ولا يجيدون لعبة الربح الرأسمالي حتى وإن اشتهوه.

دور النشر الرأسمالية راسخة متشعبة، والقارئ في حاجة إلى أكثر من غاف كي يغير عاداته وربما يحتاج هذا إلى عقود

ولكن مؤلف أول قصة قصيرة نشرتها جريدة “ذا فاينانشال تايمز” على الإطلاق لا يرغب في أن يموت فقيرا. جاءه الإلهام لتنفيذ المشروع حين علم أن الروائي الأيرلندي جيمز جويس مات مخلفا تركة قدرها تسعمئة وثمانية جنيهات إسترلينية، ولكن خطابا واحدا كتبه بيده بيع بعد وفاته بمبلغ 445,000 جنيها إسترلينيا. “لقد فشل السوق فشلا ذريعا”، قال مقيّما الموقف لجريدة “الغارديان”.

كانت “الغارديان” قد حسرت النقاب عن تقرير “ما هي قيمة الكلمات الآن؟” الصادر عن جمعية الترخيص والتحصيل للكُتاب. وقد كشف عن هبوط دخل الكتاب المحترفين خلال الأعوام الثمانية الأخيرة إلى مستويات “مذلة”، أقل من الحدّ الأدنى للأجور الذي حدّدته مؤسسة جوزيف راونتري البحثية. لا سبيل حقا إلى التنبؤ إن كان كتاب ما سيحقق مبيعات أم سيتكدس على الرفوف. بل إن الكاتب البريطاني حامل الجوائز ويل سيلف أقرّ بما جاء به التقرير مستشهدا بمسيرته الأدبية.

ولأن عدد الكتاب المحترفين تضاعف في بريطانيا منذ عام 2005، بينما لا يزال عدد الجمهور على حاله، تبلغنا الإحصاءات أن 11.5 في المئة من الكتاب البريطانيين تكفُل لهم كتاباتهم وحدها معاشهم، يستوي في ذلك من ينشرون مع دور نشر مستقلة أو مع دار هاربركولينز الثرية. وتوحي النسبة وكأن الكتابة لم تعد مهنة من الأصل.

لا عجب إذن أن الأدباء البريطانيين والعرب على حدّ سواء ينتمون في أغلب الأحوال إلى مطبوعة أو جامعة أو مؤسسة ثقافية حكومية، ويكاد بعضهم يتعيش من منح التفرغ والدعم المؤسسي. غاف نفسه نال دعما لروايته الجديدة من “مشروع وسط البلد” بمدينة لاس فيغاس.

ومثلما وُصفت رواية غاف “جود: المستوى الأول” بأنها “شوّهت النوع الأدبي” وأطْرت عليها الكاتبة آنا شابيرو قائلة، “إنه كاتب غاية في البراعة حتى إنه بمقدوره الاستغناء عن الحبكة”، يمكن وصف منهجه الجديد في دعم الإبداع بالعشوائية المنظمة يورّط فيه القارئ توريطا لا يترك له سبيلا إلا الفعل، والفعل في هذه الحالة هو الانخراط ماليا في المشروع.

“جود في لندن” حكاية طائشة محفوفة بالمخاطر

من المستبعد أن يتفشى هذا المشروع خلال السنوات القليلة المقبلة، ليشكل ظاهرة تواجه عقبات صناعة الإبداع، إن جاز لنا أن نلصق الآن كلمة “صناعة” بفعل الإبداع، ولعلها الصناعة الوحيدة التي مات أربابها فقراء منذ إنشائها. ألم يخفق شكسبير في بيع نسخة واحدة وحيدة من إحدى مسرحياته؟


الخضوع للسوق


إن دور النشر الرأسمالية راسخة متشعبة، والقارئ في حاجة إلى أكثر من غاف كي يغير عاداته. لقد احتجنا إلى عقود حتى تجرّأ الكاتب على نشر كتبه بنفسه، وانقضت عقود أخرى حتى فكرنا في قراءة قصة على شاشات الكمبيوتر أو لوح إلكتروني، والتكنولوجيا ذاتها أزاحت عددا من الفنون جانبا وهمشته. ولو وجدتَ وتيرة هذا التطوّر طبيعية وعادية، فكِّر قليلا في إيقاع تطوّر الوسائل الإعلامية والإعلانية والتكنولوجية. ومع منافسة لا يستهان بها -وتكاد تكون مجانية- من الإنترنت والفضائيات على قلب القارئ ومحفظته، منافسة حققت شيئا من ديمقراطية الإنتاج الأدبي، يظل واجبا على آليات الفعل الأدبي أن تتلون وتخلق فرصا متجددة كي تنمو في بيئة ملائمة للتكسب والمنافسة في إطار الربح والخسارة.

والباب العملي المنظور الآن لبعث الصناعة من قبرها هو البيع الجماهيري دون الانزلاق إلى الابتذال، لا الخضوع -حتى مع نجاح غاف في جمع أضعاف ما أراده- لذائقة بعض القراء الداعمين.

وقبل الادّعاء أن المنتج الأدبي لا ينبغي أن يخضع للسوق، ينبغي أن نتذكر أن القراء الداعمين لغاف ما هم إلا سوق صغير، وأن السوق بصورته الشاملة قد ينشط لصالح المنتج لا ضدّه، وأن تقنيات إنتاج الكتب الورقيـة وتوزيعها والترويج لها تتطوّر تطوّر الحفريات في العالم أجمع. وحين تطوّرت بفضل التكنولوجيا، أنتج التفاعل كتبا إلكــــــــترونية أرخص ساهمت في فقر الأديب، لا غناه.


الحياة نكتة


الحق أن مشروع “ليتكوين” خليقٌ بمنهج غاف الثقافي، فهو يكتب روايات فكاهية ملحمية تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين، روايات “لا يَقدر غيره على كتابتها،” وفقا لكلمات مجلة “إيثيتيكا”. وبالرغم أن أحدا لم يأخذ غاف على محمل الجدّ حين بدأ الكتابة، اضطرّ النقاد إلى الانحناء له وهو يحصد الجوائز.

تطور التكنولوجيا ساهم في فقر الأديب لا غناه، فعدد كبير من الأدباء لا يجيدون لعبة الربح حتى وإن اشتهوه

يمتلك غاف من القدرة الأدبية ما أهلّه لتجاهل عربون دور النشر وخوض هذا المشروع، فضلا عن عجرفته الطبيعية واعتقاده أن الحياة “نكتة”. تتشبع روايته “جونو وجوليت” (2001) بروح العصر، غير أنها تتراءى أحيانا وكأنها إعادة صياغة لحكايات الجن الكلاسيكية بإيماءات احترام يوجهها غاف إلى ويليام شكسبير وصامويل بيكيت.

لا تخلو الرواية من خلطات سحرية: أحباء نال منهم سوء الحظ، دراما طلابية جادة، ابتذال سحري يميز حياة الشباب، رحلات مزعجة إلى مسقط الرأس، سرد سريالي يهرب من الواقع، وتأملات هزلية تفضح حقيقة أيرلندا الجديدة، وجبات عشاء معذِبة مع العائلة، خطابات بدون توقيع مكتوبة بروح الحق والغل، حب لا يجد حبا في المقـابل، وفاة مريحة: ثمة الكثير من كل شيء.

والبداية عند غاف هي كل شيء، يستهل روايته “جود في لندن” (2010) بجملة سوف تغدو جزءا من تاريخ الأدب الأيرلندي، “أتحدّى أيّ قارئ هندي أن يقرأ وصف الحشد السياسي لحزب ‘فيانا فويل’ في بداية الكتاب ولا يجده مألوفا مهلكا من الضحك”. وصفتها جريدة “ذا تايمز” بأنها “ألمعية خالصة من الكوميديا”. إذ يضفي فيها غاف بريقا على نموذج عتيق: وهو التشرد الجدير بالبطل دون كيشوت. جود يتيم مفلس يحارب العواصف الثلجية ورجال المال وقوانين الفيزياء. يبغي شيئين: العثور على الحب الحقيقي، “لمحه آخر مرة بين أظافر قرد مليئة بالشعر”، والكشف عن سرّ مولده.

روايات جاف فكاهية ملحمية تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين

وفي خلال ساعات من وصوله إلى لندن، يطرح جود القرد أرضا ويفوز بجائزة تيرنِر ويقتل شاعر البلاط. وقبل انتهاء اليوم سوف يتم إغراؤه وإطلاق النار عليه وخطفه وإجباره على مناقشة الأدب مع حشد من المؤلفين. أسرف في احتساء الجعة، ولكن هل بمقدوره أن يتابع مصيره في متاهة المدينة رغم ملايين الإغراءات؟

تتجول الرواية بين المهازل، تؤرخ نفسية الأيرلنديين، تصطحب القارئ من منتصف القرن العشرين إلى ما بعد فترة النماء الاقتصادي (من 1995 إلى 2007)، فتعوّض ندرة الروايات التي تتناول تغييرات أحدثتها هذه الفترة.

إن “جود في لندن” حكاية طائشة محفوفة بالمخاطر، تقلد بلا هوادة بعض الأقانيم في أيرلندا، بل وتستخدم إساءة معاملة الأطفال في إحدى دور الأيتام كمنبع للتسلية، وفيها يخزي اليتيم بلده بعد أن أهان سليلة شهيرة لمعبود قومي بأكثر الطرق إحراجا يمكن تخيّلها.

تَبرز أسنان غاف وسط تلك الكوميديا الليبرالية العنيفة والإفراط في حوادث الموت، ساخرا من نزعة الأيرلنديين إلى استدعاء الذكريات البعيدة للإهانات التاريخية وعبادة الأبطال القوميين حين يستجيب حشد منهم إلى خطاب مؤجج بالرطانة، لا يستثير إلا العامة والغوغاء.

كتب الناقد ماكس ماكجينيس في مجلة “ذا دابلنِر” أن “غاف يقَدّم محاكاة تهكمية لأساليب ينتهجها سياسيون أيرلنديون أثناء دوران عجلة الحملة الانتخابية للبرلمان الأيرلندي في اتجاه حائط مسدود”. سوف تروق الرواية لكل من يحب المسرحي البريطاني رودي دويل والــــمسرحي الأيرلندي صامويل بيكيت والقاص التشيكي فرانز كافكا، ولكنه يتمنى أن تحوي كتبهم المزيد من المتفجرات.

ومثله كمثل الروائي الأيرلندي فلان أوبراين الذي كتَب عن بطل متشرّد لا يعرف هوية أبيه، يخط غاف رواية تجمع بين عين ثاقبة تُميز التفاصيل العجيبة وبنية وأسلوب فوضويين لا سبيل إلى ترتيبهما، ولكن بطله في النهاية لا يشبه أحدا. ينجح غاف في ما أخفق فيه الكثيرون: “إضحاكنا على غرابة أيرلندا إبان القرن الحادي والعشرين،” وفقا لجريدة “ذا صانداي إنديبيندنت”.

15