الكوميديا تهيمن على السينما المصرية وأحمد حلمي يتربع على القمة

على الرغم من تقديم بعض الأفلام التي لفتت الانتباه، إلاّ أن تراجع إقبال الجمهور على دور العرض مازال على حاله، وانخفاض عدد الأفلام كما هو، وضعف المحتوى موجود، وكذلك الافتقار إلى أعمال ذات إنتاج ضخم مبهر، وكان من الملاحظ أن أفلام الكوميديا هي التي تسيدت المشهد في 2016، ربما لرغبة المنتجين في إشباع حاجة الجمهور إلى الضحك، تعويضا عن الأزمات الحياتية المتتالية.
الاثنين 2016/12/19
ثنائي الفن والحياة

لم يختلف الموسم السينمائي المصري في 2016 عن الأعوام السابقة كثيرا، باستثناء محاولات صناع الأفلام الخروج من إطار الدراما “التراجيدية”، وتقديم أعمال كوميدية منذ مطلع العام، بداية من فيلم “أوشن 14”، الذي لعبت بطولته مجموعة من أبطال “مسرح مصر”، وحقق إيرادات كبيرة، تخطت 15 مليون جنيه (نحو مليون دولار)، مع أنه ليس من نوع الكوميديا التلقائية، التي تميز بها نجومه على خشبة المسرح، لكن الجماهيرية التي تمتعوا بها وحققوها خلال العام ذاته، دعمتهم.

بعد “أوشن 14”، جاء الممثل أحمد حلمي بفيلمه “لف ودوران” ليغير المسار ويضرب رقما قياسيا في حصيلة إيرادات العام، ويحقق ما يقترب من خمسين مليون جنيه (حوالي 3 ملايين دولار)، وهو رقم كان قد اختفى من المشهد السينمائي خلال الأعوام الماضية، حتى مع وجود الممثل محمد رمضان صاحب الشعبية الكبيرة لدى الشباب، والذي كانت أفلامه صائدة الإيرادات خلال السنوات العجاف التي تلت ثورة 25 يناير 2011.

عودة بعد غياب

النجاح الذي حققه أحمد حلمي في “لف ودوران” يبقى مرتبطا بعودة الفنان إلى جمهوره بعد غياب عامين، منذ تقديمه فيلمه “صنع في مصر”، حيث يتمتع بمكانة خاصة ومميزة لدى جمهوره، لاختلاف نوعية الكوميديا التي يقدمها في إطار يحمل قدرا من الفلسفة، كما أن شريكته في العمل دنيا سمير غانم، أصبحت هي الأخرى تتمتع بقدر كبير من الشعبية بعد تفوقها في الأعمال الكوميدية تحديدا في العامين الأخيرين، بمسلسلي “نيللي وشريهان” و”لهفة”.

عوامل أخرى جعلت حلمي صائدا للإيرادات، أهمها أن شريك جيله الممثل محمد سعد لم يعد يتمتع بنفس القاعدة الجماهيرية التي حققها في سنوات مضت، نظرا لاستسلامه لنمط شخصية “اللمبي” ما جعل الجمهور يعزف عن متابعة أعماله، وتجلى ذلك في فيلمه الأخير “تحت الترابيزة” الذي طرح في نفس توقيت عرض “لف ودوران”، في موسم عيد الأضحى السينمائي الماضي.

محمد سعد لم يعد يتمتع بنفس القاعدة الجماهيرية السابقة، نظرا لاستسلامه لنمط شخصية "اللمبي" المكررة

يضاف إلى ذلك، انفصال الثلاثي هشام ماجد وشيكو وأحمد فهمي، حيث قدّم الأخير فيلما بمفرده، بعنوان “كلب بلدي”، ورغم مجيئه في المركز الثاني للإيرادات، إلاّ أنه لم يستطع الاقتراب أو المنافسة مع فيلم حلمي “لف ودوران”.

وفي المرتبة الثانية، بعد حلمي، أتى الفنان محمد إمام الذي حقق إيرادات ضخمة تخطت 32 مليون جنيه (حوالي 2 مليون دولار)، بفيلم “جحيم في الهند”، الذي اعتمد أساسا على التصوير في الأماكن الطبيعية، إضافة إلى وجود بطل أصبح هو المفضل لدى الفتيات، وفنانة باتت هي الأكثر جماهيرية بين بنات جيلها وهي ياسمين صبري، واستمر الفيلم في دور العرض السينمائية لفترة امتدت لأكثر من شهرين.

العام الذي أوشك على الانتهاء، شهد الكثير من الأفلام الكوميدية منها “المشخصاتي” للممثل تامر عبدالمنعم، والذي لم يمكث لأكثر من أسبوع واحد بدور العرض، نظرا لسخريته وانتقاده نظام حكم الإخوان وهي الفترة التي يحاول الجمهور دائما إسقاطها من الذاكرة، ومن ثم فإنه لا يتقبل مشاهدة أعمال تتناول تلك المرحلة، أيضا فإن “المشخصاتي”، لم يتميز بفكرة محددة تستهدفها أحداث الفيلم التي جاءت مفتعلة ومتعمّدة من بطلها عبدالمنعم لمجرد استيائه من نظام سياسي معين.

قائمة الأعمال الكوميدية ضمت أيضا العديد من الأفلام التي حظيت بقدر من الاهتمام والنجاح، ومنها “أبوشنب” للممثلة ياسمين عبدالعزيز، التي نجحت في تقديم شخصية ضابطة الشرطة، واستعادت ما كانت فقدته من جماهيرية في أدوارها السابقة التي حصرتها في أنماط متشابهة، وحقق الفيلم إيرادا بلغ 18 مليون جنيه (أكثر من نصف مليون دولار).

أما الثنائي حسن الرداد وإيمي سمير غانم اللذان عقدا قرانهما أيضا في نهاية العام الماضي، فلم يحقق فيلمهما “عشان خارجين”، الذي طرح في عيد الأضحى النجاح والإشادة اللذين حظيا بهما من قبل في مجموعة الأعمال التي شاركا فيها معا، وتحديدا في فيلم “زنقة ستات” الذي مثّل نقلة نوعية في مشوار كليهما ودعم فكرة وجود (ثنائي)، فني مميز على الشاشة.

ورغم عدم النجاح الكبير الذي كان من المتوقع أن يحصده النجمان، خصوصا وأن منافسهما أحمد حلمي حسم الأمر لصالحه، إلاّ أن هذا لم يمنع إشادة بعض النقاد بفيلم “عشان خارجين”، وتصنيفه على أنه عمل كوميدي جيد يستحق المشاهدة.

وشهد العام أيضا، مشاركة الثنائي هشام ماجد وشيكو بفيلم “حملة فريزر”، وأحمد فهمي وعلي ربيع بـ”حسن وبقلظ”، وسامح حسين بـ”عسل أبيض” ورامز جلال بفيلمه “كنغر حبنا”.

"جحيم في الهند" عزز مكانة محمد إمام

سينما وأدب

يبقى فيلم “هيبتا” حدثا استثنائيا في العام الماضي، خصوصا وأنه أعاد إلى الأذهان فكرة ارتباط المشاهد بمجتمع الرواية مجددا وتحويلها إلى أعمال درامية، فالأحداث مأخوذة عن رواية بنفس العنوان للكاتب محمد صادق، سبق أن حققت مبيعات كبيرة قبل طرح الفيلم وبعد عرضه أيضا.

الإيرادات التي حققها الفيلم والتي تخطت 33 مليون جنيه (نحو مليوني دولار) في موسم سينما الربيع؛ رصدت مؤشرا هاما في علاقة المجتمع بالسينما والأدب، وهو تعطش الجمهور لمشاهدة القصص الرومانسية والتي كانت قد اختفت من السينما والتلفزيون في السنوات الأخيرة، ومع ذلك بدا المسار الذي اتخذه الفيلم مرتبكا في الكثير من التسلسل السردي للأحداث.

وكانت من الاستثناءات الأخرى التي شهدها العام مشاركة فيلم “اشتباك” في قسم “نظرة ما” بمهرجان “كان” السينمائي الفرنسي في دورته الأخيرة، ثم طرح في دور العرض السينمائية إبان الذكرى الثالثة لفض اعتصام جماعة الإخوان بميدان النهضة ورابعة العدوية بالقاهرة.

الفيلم قدم من خلال أبطاله وجهات نظر عدد من التيارات السياسية المختلفة التي التقت معا داخل سيارة لترحيل المعتقلين جمعت بينهم فيها لحظات إنسانية، لتنتهي الأحداث بطرح تساؤل غير مباشر حول الهلاك الذي سيلقاه الجميع كنتاج لحالة التشرذم التي ضربت المجتمع المصري بعد ثورتين.

ويستكمل هذا الاستثناء بفيلم “نوّارة” لبطلته مِنّة شلبي الذي قدم عرضا لأحلام المهمشين بالمجتمع، وما يعيشونه من حياة قاسية جعلتهم يتمسكون بالأمل في حياة أكثر استقرارا في أعقاب حدث الثورة ليصبح “نوّارة” أيقونة المهرجانات الدولية وصائد الجوائز.

وبعيدا عن المغزى السياسي، في فيلمي “اشتباك” و”نوّارة” تناولت أفلام أخرى قضايا اجتماعية مثل الفقر، كما في فيلم “الهرم الرابع” الذي لعب بطولته الفنان أحمد حاتم، أو “كذبة كل يوم” لعمرو يوسف ودُرّة والذي قدم معالجة معاصرة لقضايا ومشاكل الرجل والمرأة بعد الزواج.

القرصنة أزمة لم تلق الاهتمام في عام 2016

أسماء لامعة

من بين دراما التشويق المحملة بمشاهد كوميديا الموقف، جاء فيلم “من 30 سنة” الذي أعاد الثنائي أحمد السقا ومنى زكي للعمل معا مجددا، بعد انقطاع دام لأكثر من سبعة أعوام، كما أعاد الفيلم اللبنانية نور وأيضا الفنان شريف منير، واللذين كانا قد حققا معا نجاحا من قبل في فيلم “شورت وفانلة وكاب” الذي عرض في مطلع الألفية الجديدة، وشاركت الفنانة ميرفت أمين في الفيلم.

وفي المقابل، ورغم هذا الجمع الحاشد والذي ضم نجوما آخرين ووجود بعض الأحداث المشوقة، إلاّ أن طول مدة الفيلم مع توقع واستنتاج بعض الأحداث التي قد يكتشفها المشاهد بعد مرور منتصف الأحداث أفسدت بريقه ووهجه إلى حد ما، ويضاف إلى ذلك أن تركيبة العمل ذاتها لم تكن تتطلب كل هذا الحشد من النجوم، لكن حرص المنتج وليد منصور على تقديم عمله الأول في مرتبة القمة دفعه إلى التفكير في ذلك.

على هامش المعروض أيضا هذا العام قُدمت مجموعة من الأفلام التي لم يتوافر لها عاملا النجاح أو المشاهدة، ومنها “البر التاني” الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، لكنه عندما طرح بدور العرض شهد ضعفا واضحا في الإقبال عليه، خصوصا بعد الانتقادات التي وجهت لصناعه بعد عرضه بالمهرجان بسبب بطله الذي لم يقنع المشاهدين بأدائه وأحداثه التي خلت من المشاعر.

وفي هذا الإطار كانت هناك أفلام “اللي اختشوا ماتوا” للفنانة غادة عبدالرازق والذي لم يضف جديدا للأرشيف السينمائي لبطلته، و”صابر جوجل” للفنان محمد رجب، و”سطو مثلث” للفنان أحمد السعدني، و”الثمن” للفنان عمرو يوسف، و”بارتي حارتي” لمحمد لطفي والمطربة الشعبية أمينة، و”عمود فقري” لعلا غانم، و”الباب يفوّت أمل” لشريف سلامة.

وهناك إشارة هامة لا يمكن إغفالها في هذا الحصاد تتمثل في عودة اثنين من كبار مخرجي السينما المصرية، في مقدمتهما محمد خان في فيلم “قبل زحمة الصيف” الذي وافت المنية مخرجه بعد أشهر قليلة من طرحه، ولم يحصد النجاح المتوقع والمعتاد لأفلامه، والمخرج يسري نصرالله بفيلمه “الماء والخضرة والوجه الحسن”، الذي شارك في عدة مهرجانات من بينها لوكارنو بسويسرا، وعنابة بالجزائر، لكنه لم يلق نصِيبا أكثر حظا من فيلم خان.

ثم يأتي في ذروة الاهتمام خلال هذا الموسم السينمائي فيلم “يوم للستات” للفنانة إلهام شاهين، وهو العمل الذي قامت إلهام بإنتاجه وتمثيله وخرج للنور بعد تعثرات عدة، كما عرض في افتتاح الدورة الـ38 لمهرجان القاهرة السينمائي وحصدت إحدى بطلاته ناهد السباعي جائزة أفضل ممثلة بالإضافة إلى عرضه بمهرجان لندن السينمائي.

أحمد حلمي في الصدارة وتميز لمنة شلبي

انتفاضة يعقبها هدوء العاصفة هكذا كان شعار السينما المصرية في عام 2016 وسط توقعات بانتعاشة قادمة، خصوصا بعد وعود الحكومة برفع نسبة الدعم المقدم إلى خمسين مليون جنيه (حوالي 3 ملايين دولار)، بالإضافة إلى تأسيس شركة قابضة للصناعات الإبداعية تضم شركة للحرف التراثية وأخرى لصناعة السينما، وذلك من أجل حماية الأصول والإنتاج.

ومع ذلك، لم تلق هذه الانتعاشة بنسائمها حتى الآن على الصعيد السينمائي على أرض الواقع، وحتى انتهاء العام لم تكن هناك خطوات جدية للدعم، أو حتى على مستوى استمرار تواصل لقاءات الحكومة مع صناع السينما شهريا، لحصر مشكلات الصناعة ومحاولة إيجاد حلول جذرية للركود الذي عاشته في سنواتها العجاف الأخيرة.

حالة الركود السينمائي تمثلت في تراجع نسبة الإقبال الجماهيري على السينما باستثناء مواسم الأعياد الرسمية، وحتى مع وجود حدث سينمائي هام، مثل مهرجان القاهرة السينمائي، ورغم عودة عروضه إلى دور العرض السينمائية بمنطقة وسط البلد، كان الإقبال ضعيفا.

النظرة العامة للأوضاع السينمائية المصرية في 2016 تشير أيضا إلى حالة من اليأس والإحباط، تمثلت في تراجع الإنتاج السينمائي، وعزوف الجمهور عن الذهاب إلى دور العرض، بسبب ضعف المحتوى المقدم ما بين كوميديا مفتعلة ودراما افتقدت البريق والجاذبية، ما يعكس وجود أزمة، ليس فقط على مستوى الدفع بعجلة الإنتاج إلى الأمام، بل في عدم وجود كتيبة من المخرجين والكتاب يستطيعون توظيف الأفكار وتقديم معالجات جيدة لها.

وعلى جانب آخر، مازالت السينما تعاني أزمتها المستمرة بسبب “القرصنة” والتي لا تشهد أي خطوات جدية لحلها، والأمر ذاته على مستوى فوضى تنظيم المهرجانات السينمائية، بالرغم من الاتفاق الذي أعلنت عنه الحكومة مؤخرا في اجتماعها مع السينمائيين لتأسيس شركة مهمتها بالأساس النهوض بالأفلام الجيدة المؤهلة للعرض بالمهرجانات الدولية.

وقبل رحيل 2016 بأسابيع، انطفأت شمعة واحد من أهم المؤثرين فيها؛ وهو الراحل محمود عبدالعزيز، الذي كان إحدى العلامات المميزة في تاريخ صناعة السينما المصرية منذ منتصف السبعينات وحتى العقد الأول من الألفية الجديدة، والذي ظل باحثا عن قضايا الإنسان المصري وأزماته المجتمعية في مراحل زمنية مختلفة، كما رحل في آخر السنة الحالية أيضا كل من زبيدة ثروت وأحمد راتب.

16