الكوميدي فرانسيز يجمع المسرح بالسينما في "قانون اللعبة"

مرة أخرى، يقع الجمع بين المسرح والسينما في عمل فني، ليس باستعمال الأدوات التقنية للفن السابع فحسب، وإنما أيضا بإعادة صياغة شريط من كلاسيكيات السينما الفرنسية، هو “قانون اللعبة” لجان رونوار، وعرضه على خشبة الكوميدي فرانسيز، في شكل عمل مسرحي وسينمائي في الوقت ذاته، جاء بتوقيع البرازيلية كريستيان جاتاهي.
الاثنين 2017/02/20
حيوية شكلية قريبة من الفنتازيا

عُرفت المخرجة البرازيلية كريستيان جاتاهي بأسلوب يقوم على الربط بين المسرح والسينما، بين الواقع والتخييل، ومساءلة العلاقات التي تصل الممثل بالشخصية التي يتقمصها.

بدأت حياتها الفنية ممثلة في ريو بالبرازيل، حيث رأت النور عام 1968، ثم انتقلت إلى التأليف والإخراج، مع ميل واضح إلى السينما، فأنتجت عام 2004 شريطا وثائقيا بعنوان “كونجوغادو” (مترافق) عن الوحدة في المدن الكبرى، ويجمع شهادات لنسوة برازيليات، بثته المخرجة على الركح مع مونولوغ مسرحي كانت الغاية منه خلق عمل تخييلي عبر الواقع المعيش.

وانتقلت منذ عام 2008 إلى مرحلة تجديد المعطيات المسرحية باستعمال السينما على غرار البريطانية كاتي ميتشيل، في عمل جبار دام أربع سنوات عنوانه “النقص الذي يحرّكنا”، كان منطلقه “جيل الكوكا كولا”، كما تقول، أي الجيل الذي رزح تحت استبداد الطغمة العسكرية، وكانت الشابة البرازيلية قد أدخلت الكاميرا إلى الخشبة، لتبدع شريطا يختلط فيه التوثيق بالتخييل، دام

عرضه في بضع قاعات البرازيل عشرة أسابيع، على غير عادة استقبال الأشرطة التجريبية هناك.

بعد تلك التجربة، مرت مع فرقتها “قمة المسرح”، إلى بعض الأعمال التي تعد من كلاسيكيات الفن السابع، فأنتجت “جوليا” عن المسرحية الشهيرة “الآنسة جوليا” التي ألفها السويدي أوغست سترندبرغ عام 1888، وأخرجها للسينما آلف شوبرغ عام 1951، ثم “وإن ذهبن إلى موسكو” عن مسرحية الأخوات الثلاث” لتشيخوف.

ولا تنفك جاتاهي تبتكر صيغا من الفن جديدة، كأن تدمج في النص حوارات أجرتها مع المهاجرين الفارين من ويلات الحروب والمجاعات، أو تصور فيلما أثناء العرض المسرحي ثم تعرضه على الخشبة في موازاة العرض.

بعد سترندبرغ وتشيخوف، اختارت جاتاهي عملاقا آخر هو السينمائي الفرنسي جان رونوار في عمله “قانون اللعبة” الذي استوحاه بدوره من “نزوات ماريان” لألفريد دو موسيه و”زفاف فيغارو” لبومارشيه، وهو العمل الجديد للكوميدي فرانسيز، وكعادتها قامت بإلغاء الحواجز بين الأجناس الفنية لتضع الممثلين في قلب عمليات الربط، كتعميق حقل الرؤية، وتغيير زوايا النظر، وتقريب الكاميرا لالتقاط الانفعالات وأثر المباغتات على وجوه الممثلين، لخلق تناسق درامي وحيوية شكلية أقرب إلى الفنتازيا، على غرار رونوار الذي صرح عام 1939 أن ممثليه كانوا يرقصون فوق بركان.

المسرحية تنزل الأحداث في سياق التحولات المجتمعية الراهنة، فجاءت الحوارات بلغة اليوم، والشخصيات بملامح اللحظة

وحرصت المخرجة البرازيلية على تنزيل الأحداث في سياق التحولات المجتمعية الراهنة، فجاءت الحوارات ناطقة بلغة اليوم، والشخصيات حاملة لملامح اللحظة، فرغم محافظتها على الحوارات الأصلية، حاولت أن تجعل عملها أكثر التصاقا بالمرحلة الراهنة.

فكريستين زوجة الماركيز روبير لم تعد من أصول نمساوية، بل عربية، والحارس شوماخر صار أسود، وأندري جوريو لم يعد ذلك الطيار البطل الذي عبر المحيط الأطلسي، بل غدا بحارا ينقذ المهاجرين المغامرين بأنفسهم في عرض المتوسط… غايتها أن تنزل الدراما في ظرف يبين تفسخ شريحة من البورجوازية المستهترة ليس في قصر بسولونيا، كما في النص الأصلي، بل في مبنى الكوميدي فرانسيز نفسه، حيث يتحول بيت موليير إلى فندق خاص يستقبل فيه الماركيز ضيوفه.

ولما كان مولعا بالسينما، فقد عمد إلى تصوير الحفل قبل بدايته، ثم اضطر إلى ترك الكاميرا لغيره فكشفت تلك الكاميرا نفسها علاقته بالحسناء جونفييف، ووقوع زوجته هو في هوى البحار.

منذ ما يزيد على ثلاثة قرون، هذه هي المرة الثانية، بعد إخراج فان هوف لـ”ملاعين فيسكونتي”، التي تقتحم فيها السينما الكوميدي فرانسيز، ذلك أن ثلث العرض الذي اقترحته جاتاهي كان سينمائيا، إذ يبدأ العرض بفيلم يدوم ستا وعشرين دقيقة، يبث على شاشة ضخمة تحتل الخشبة طولا وعرضا مثل جدار أبيض، إضافة إلى كاميرا تصور الأعمال التي تتم في زوايا مخفية وتبث بدورها على الشاشة، وكذلك كاميرا صغيرة طائرة بجهاز تحكّم عن بُعد تُصوّر القاعة والجمهور من فوق، مع مشاهد ارتجالية وسط الجمهور يتخلله رقص وأغان فولكلورية.

تقول جاتاهي “أنا على يقين أن بالإمكان صياغة عمل تجريبي لا يكون غامضا حدّ الإغلاق، وهدم الجدار الذي يفصلنا عن الجمهور”، ولكن النتيجة جاءت دون المؤمل، فرونوار عندما صوّر “قانون اللعبة” عام 1939 كان واعيا بأن الكارثة وشيكة، وأن جانبا من المجتمع الفرنسي سادر في لهوه لا يعي الخطر المحدق، والشريحة التي صورها في شريطه كانت بحق تمثل تلك الطبقة اللامبالية، وتعكس مخاوفه العميقة.

ورغم نية المخرجة البرازيلية تحذير العالم من حرب أخرى تهدده اليوم كما قالت، إلا أنها لم تفلح في تمرير ذلك الخطاب، ولكنها في المقابل نجحت في تصوير خواء المتع التي ترتمي فيها تلك الشريحة بكل اندفاع، وهذا هو الجانب الذي تفاعل فيه الجمهور مع عرض أرادت المخرجة من ورائه إزالة الحواجز بين الواقع والتخييل.

16