الكوميكس فن ينعش ذاكرة الثورة ويلهم المخيلة

السبت 2014/02/08
ثورة 25 يناير بمصر تستمر تفاعلاتها في مقدمات المترجمين

القاهرة - تشهد كتب الكوميكس المترجمة انتعاشا يعوّض ندرتها في الأعمال العربية. في وقت متقارب صدرت قصص مصورة تثري زمانا ومكانا يمتد من فرنسا إلى إيران، مرورا بفلسطين. أما مصر فكانت بثورة 25 يناير 2011 -التي تستمر تفاعلاتها باحثة عن طريق- حاضرة في مقدمات المترجمين، حيث تتناول ثلاث روايات مصورة ثلاثة تمردات، مشاريع ثورات، وإن ظلت الأفكار أكبر من التجارب المجهضة.

ربما لا يكون مصادفة أن يحمل كتاب برنار فيسك عنوان «الثورة المغدورة.. قصة كومونة باريس في شرائط مصورة»، وأن تكون صفحته الأخيرة محرضة، ليس على الثورة وإنما على الأمل، فإخفاقات الكومونة سيتمّ تجاوزها، بعد نضج الشرط التاريخي الذي أدّى إلى نجاح ثورة أكتوبر1917، ورغم أخطاء الكومونة فإنها «تظل أعظم نموذج لأعظم حركة بروليتارية في القرن التاسع عشر».


كومونة باريس


أما المترجمة راوية صادق فتذكر في المقدمة أن كومونة باريس أول ثورة اشتراكية في العصر الحديث، وأن ما بقي منها هو ما رأته في مصر، منذ انطلاق ثورة 25 يناير.. صورة الشهيدة سالي زهران وغيرها من الشهيدات المجهولات وأمهات وزوجات الشهداء. في الكومونة وفي ثورة 25 يناير درس مهمّ، تحرّر الشعب بتحرّر المرأة التي أسهمت في الثورتين، وإذا كانت ثورة 25 يناير مستمرة، فقد انتهت الكومونة بهجوم الجيش الذي قمعها بشكل دموي، وأعدم 30 ألفا، منهم 3500 رميا بالرصاص في باريس بدون محاكمة، وحكم على 40 ألفا بالأشغال الشاقة المؤبدة، وعلى 10137 شخصا بالسجن منهم 657 طفلا. يحكي الكتاب بالصور قصة 72 يوما هي عمر الكومونة، المدينة الفاضلة، عام 1871، وخلالها «ولأول مرة في تاريخ فرنسا الشعبي، لم يعد العمال قوة إضافية. 83 ٪ من النساء المطاردات خلال الكومونة عاملات، و84 ٪ من الرجال المعتقلين عمال بأجر… الكومونيون من أصول عمالية هم غالبا حرفيون أو عمال فنيون»، كما تقول مادلين ريبرتو في مقدمة الكتاب الذي أصدرته “دار الثقافة الجديدة” بالقاهرة.

في الكومونة وفي ثورة 25 يناير درس مهم، تحرر الشعب بتحرر المرأة التي أسهمت في الثورتين

يسجل الكتاب بذور الوعي العمالي منذ 1848، بالتزامن مع شعور البرجوازية بالخوف من العمال؛ فالأسلحة التي استخدمتها البرجوازية لإسقاط الإقطاع بدأت في تهديدها، كما قال ماركس المؤمن بأن جيش العمال سيتمكن من إسقاط البرجوازية، وقد بدأت التحالفات العمالية منذ عام 1864.وقد احتفى ماركس ولينين وتروتسكي بالكومونة، «النموذج» لأول حكومة عمالية، وبحثوا أسباب هزيمتها، إذ توقف الكومونيون في منتصف الطريق، كأنها نصف ثورة، «فلم تصادر البنوك، ولم يمس احتياطي بنك فرنسا»، وعلى حد قول لينين: «بدلا من إبادة أعدائها، سعت الكومونة إلى ممارسة تأثير أخلاقي عليهم».


لكل ثورة ميدان


في إيران، صيف 2009، تدور وقائع الرواية المصورة «فرودس الزهراء»، وهي ليست فردوسا، بل اسم أكبر مقبرة في إيران.وتبدأ الرواية بقول جلال الدين الرومي: «لا تبحث في الأرض عن مرقدنا بعد الوفاة، إنما مقامنا في صدور العارفين من الأنام»، ويهديها كاتبها الإيراني أمير ورسامها الجزائري خليل، وهما مقيمان في أمريكا: «إلى المفقودين والغائبين والذين سقطوا» في الثورة الخضراء، احتجاجا على تزوير انتخابات أعلن فيها إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا. أما المترجمان المصريان ريم وأحمد فيهديان «فرودس الزهراء» إلى المحامي الإيراني عبدالفتاح سلطاني الذي حكم عليه في مارس 2012 بالسجن 18 عاما، ومنعه من ممارسة المحاماة 20 عاما. ونشرت الرواية مسلسلة في موقع إلكتروني عام 2010 بثماني لغات، ثم طبعت عام 2011 بالأنكليزية، وصدرت ترجمتها العربية في القاهرة عن “دار صفصافة”. يسجل المترجمان في نهايتها تقاطع المصائر بين احتجاجات إيران 2009 وثورة 25 يناير، وأن دراما اختفاء بطل الرواية مهدي علوي (19 عاما)، أحد المختفين من معارضي نتائج الانتخابات، هي قصة «أكثر من ألف مفقود منذ قامت الثورة في مصر».

"فرودس الزهراء" اسم أكبر مقبرة في إيران

لكل ثورة ميدان هو عاصمتها، وفي طهران تتجه الأم إلى ميدان آزادي، ولا تجد أثرا للمظاهرات إلا طفلا يخبرها أنه سمع صوت طلقات رصاص، وصافرات سيارات إسعاف، وكان الرصيف ملطخا بالدماء، وطهران ترتعد بصيحة التحدّي، بنداء الحرية. وتبحث أم مهدي وأخوه عنه «في دهاليز دولة أمنية بيروقراطية قاهرة، يختفي المعارضون فيها بلا أثر كأنما لم يوجدوا»، وتتنقل بين المستشفيات بحثا عنه، وترى فتيانا وفتيات في مهدي، كأن طاعونا ضربهم، وتزدحم بهم أسرة وطرقات مستشفى اقتحمه الحرس الثوري، ينتزعون المتظاهرين المصابين، ويجرونهم إلى الخارج، وبعضهم ينزف، وآخرون عاجزون عن المشي، فيحملهم أفراد الحرس غير مبالين بتوسل الأطباء.

ويعلق البعض مندهشا: «حتى الزبالون يحملون الزبالة، ويقلبونها باحترام أكبر». في المشرحة يتأكد للأم أن مهدي ليس بين الموتى، فتذهب إلى مقر محكمة الثورة. هنا «وكلاء الله ينفذون العدالة الثورية»، ويخبرها موظف بأنها ليست الأم الوحيدة التي يختفي ابنها، ويسخر منها: «سلمي لنا على السيد موسوي»، يعني مير حسين موسوي منافس نجاد. وتنتهي الرواية بملحق تعريفي يقول فيه أمير وخليل: «بوصفنا مؤلفي “فردوس الزهراء”، لا يمكننا ادعاء عدم وجود رابط بين الخيال والحقيقة. لقد اشترك معنا ألوف في تأليف هذا العمل بعضهم أحياء وبعضهم ماتوا.. لئن نجحنا فلأن الخيال يفتح نافذة إلى الواقع، عندما يكون الواقع مؤلما مغربا صامتا»، وبعد الملحق توجد قائمة بأسماء 16901 مواطن أعدموا أو أطلق عليهم الرصاص في مظاهرات أو اغتيلوا، منذ 1979. ولكن الأمل يتحدّى الموت، فيقدم المؤلفان تحية إلى نلسون مانديلا ومسيرته الطويلة إلى الحرية، وقد كتب فيها «لا يوجد ما هو أكثر تشجيعا في السجن من معرفة أن أناسا في الخارج يدعمون القضية التي من أجلها سجنت».


عملية السلام


وبين باريس 1871 وطهران 2009 يدور كتاب «فلسطين» للكاتب والفنان الأمريكي جو ساكو الذي وصفه إدوارد سعيد بأنه يتمتع بأصالة نادرة، في عمل يسجل شهادته البصرية عن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.

يكتب جو ساكو في مقدمة الكتاب أن «عملية السلام»، التي كان من نتائجها وجود سلطة برئاسة ياسر عرفات، لم تؤدّ إلى حل «أيّة قضايا أساسية كبرى مثل عودة اللاجئين الفلسطينيين أو تعويضهم والمستوطنات اليهودية غير القانونية ووضعية القدس.

ويتواصل عمل المستوطنين فهم يضيفون إلى عددهم بعشرات الآلاف»، فلم تقدّم عملية السلام للفلسطينيين في المناطق الــتي احتلتــها إسرائــيل عـــام 1967 شــيئا. مازالت أراضيهم مصادرة، ويواجهون جيش احتلال إلى جانب المستوطنين الذين غالبا ما يعتبرون ملحقا مسلحا لجيش الاحتلال.

وقد صدرت ترجمة كتاب «فلسطين» لمحمد عبد النبي عن “دار التنوير” في بيروت والقاهرة بمقدمة لإدوارد سعيد الذي وصفه الكتاب بأنه «عمل سياسي وجــمالي… باستثناء واحد أو اثنين من الروائيين والشعراء لم يستطع أحد أن يقدم الحالة الرهيبة للأمور خيرا من جو ساكو» الذي يبدأ رحلته من زحام القاهرة، وصخب حواراتها وصولا إلى غزة ورام الله والخليل وفيها يسمع أن استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية عام 1967 كان واجبا دينيا.

16