الكويت تسترجع مساجدها من براثن الشحن الطائفي

الأربعاء 2013/11/13
تحييد المساجد وإعادتها إلى دورها التعبدي أول سبل تطويق الغلو الطائفي

الكويت ـ إيقاف بعض خطباء المساجد في الكويت لتجاوزهم ميثاق المسجد وخوضهم في قضايا سياسية وطائفية، كان إيذانا بما تقوم به بعض الدوائر الإسلاموية من أدوار مريبة تخلط الدين بالسياسة وتوظف المساجد، وكان أيضا إقرارا بقدرة الدولة- أي دولة- على الانتصار للخطاب الديني المعتدل.

إعلان عادل الفلاح وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت، الأحد الماضي، بأن الوزارة أوقفت ثلاثة من خطباء المساجد للتحقيق معهم بسبب تجاوزهم «ميثاق المسجد» والخوض في قضايا سياسية وطائفية، كان عاكسا لحالة دينية- سياسية تسود الكويت وأغلب أقطار العالم العربي الإسلامي،وتقوم على درجة الانزياح التي يمكن أن تحصل جرّاء استخدام بعض الحلقات والتيارات الدينية للمساجد، وتحويل وجهتها من الوظيفة التعبدية الإيمانية النقية، إلى إكسائها لبوس الاستخدام السياسوي. الحالة الكويتية الأخيرة، والمستشرية منذ سنوات، تقوم على وجود مجموعات دينية لا ترى ضيرا في استخدام المساجد وغيرها من الفضاءات الدينية والتعليمية والثقافية والخيرية، لأغراض طائفية وسياسية.

المعلوم أن الكويت- على شاكلة عديد الأقطار العربية الإسلامية- تضم عددا لا يستهان به من المعتنقين للمذهب الشيعي، وهذا عادي وصحي من منطلق إيجابية التعدد داخل المجتمع. لكن الانتماء للطائفة لا يجب أن يعلو على الانتماء والولاء للوطن. أما ما يخرج عن العادي والصحي فيتمثل في إقدام بعض الدوائر السياسية على إعلاء الجانب الطائفي وتسويقه بديلا عن مفهوم الوطن. لكن القرار الأخير ارتبط بحالة سياسية تعيشها الكويت وبعض الأقطار الخليجية الأخرى، والتي خرج فيها السجال المجتمعي من مجرد تنوع مجتمعي وديني إلى إرهاصات طائفية تغذى من خارج المنطقة.

ولعل تحذير أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح في أغسطس الماضي، مواطنيه من خطورة إذكاء الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، وهو تحذير تضمن الإشارة إلى بيت القصيد في القضية الطائفية التي ارتفع منسوبها ومداها في السنوات الأخيرة في بعض دول الخليج، حيث قال أمير البلاد في افتتاح الدورة الأولى لمجلس الأمة الجديد «علينا ألا نسمح بأن تكون بلادنا ساحة لصراعات ومعارك الغير وتصفية حساباتهم، والحذر كل الحذر من استدراج الفتنة البغيضة التي تشق صفوفنا وتنال من وحدتنا وتضعف قوتنا». ولاشك أن في التحذير إشارة ضمنية إلى الدور الإيراني المريب في المنطقة، وهو دور بدأ يظهر جليا في البحرين والكويت وغيرها من الأقطار الخليجية.
استخدام المساجد هي إحدى الأرضيات التي تتحرك فيها تيارات الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا يعني أن إخراج المساجد من دورها التعبدي والزج بها في أتون الفعل السياسي ليس فعلا مستحدثا وليس مقتصرا على الساحة الكويتية

الحضور الشيعي في الخليج عموما وفي الكويت بشكل محدد، ليس وليد السنوات الأخيرة، بل هو حضور ضارب في العراقة والتاريخ حدّ الارتباط بالوجود الإسلامي في المنطقة. ولكن الحضور لم يكن يمثل إشكالا مجتمعيا أو سياسيا ولم يؤدّ إلى خلافات أو فتن طائفية، ولكن المضاف الذي طرأ وأنتج بذور «حديث طائفي» بدأ هامسا ثم أخذ يعلي صوته كان الأصابع السياسية التي امتدت إلى الكويت والبحرين وغيرها، واستغلت وجود الطائفة الشيعية لتشحن بعض دعاتها وأيمتها خدمة للغايات السياسية.

الثابت أن النزوع الطائفي المغذى خارجيا، له صلة بسمتين جامعتين، الأولى أن الشحن الطائفي المدفوع إيرانيا يسعى إلى خدمة نظرية «ولاية الفقيه»، ولا يطلب حقوق الطائفية أو إعلاء المذهب الشيعي، فهذا سبب يفقد وجاهته حين نعرف أن الكويت تعتبر من أكثر الأقطار صونا للحرية الدينية، تشريعا وممارسة (في الكويت أقلية مسيحية تمارس طقوسها وعباداتها بكل حرية وتتوفر على كنائسها). أما السمة الثانية فتقوم على أن استخدام المساجد والفضاءات الأخرى (المؤسسات التعليمية والجمعيات الخيرية) هي إحدى الأرضيات التي تتحرك فيها دائما تيارات الإسلام السياسي بشكل عام.

وهذا يعني أن إخراج المساجد من دورها التعبدي والزجّ بها في أتون الفعل السياسي ليس فعلا مستحدثا وليس خاصا أو مقتصرا على الساحة الكويتية، وكانت التيارات الإخوانية في مصر وتونس وظفت المساجد لغايات انتخابوية ونجحت في ذلك أيما نجاح.

في سياق الحديث عن وجوب تدخل الدولة لمنع حدوث أيّ انحراف في السجال المجتمعي والمذهبي، نذكّر بأن الكويت كانت قد اسقطت الجنسية عن ياسر الحبيب (رجل الدين الكويتي الشيعي) في سبتمبر 2010، بعد أن ارتكب جرم سبّ السيدة عائشة وجاء قرار سحب الجنسية «درءا لأزمة كانت على وشك تهديد المجتمع الكويتي» بعد الضجة التي أثارتها فعلة الحبيب الذي عرف عنه أنه دائم الاحتفال بيوم وفاة السيدة عائشة بنت أبي بكر.

قرار وزارة الأوقاف الكويتية بإيقاف خطباء المساجد الذي أخرجوا المساجد من دورها الإيماني التعبدي، هو أولا دليل على ما يمكن ان تقوم الدولة لحماية مجتمعها من رياح الطائفية التي إن انطلقت فلا تبقي ولا تذر. وهي أيضا تعبير عما تتعرض له دول الخليج من هجمة إيرانية هوجاء، راهنت على وجود شيعي أصيل وعريق في المنطقة لتحوله إلى مثار فتن.

ولأن الحالة العراقية قدمت درسا بليغا عما يمكن أن يفرزه استشراء الطائفية من وبال، فقد تفطن الجميع إلى وجوب التصدي لما يحاك من دسائس تتخذ التنوع المذهبي مدخلا لولوج الخراب المقنّع. ولا شك أن استرجاع المساجد الكويتية من براثن الطائفية والتوظيف يمثل خطوة أولى جديرة بالمواصلة والتعزيز ثقافيا وتعليميا ومواطنيا.

13