الكويت والدور الإقليمي وثلاثة ملفات داخلية

الاثنين 2014/03/31

نجحت الكويت في امتحان القمة العربية التي انعقدت فيها من دون مشاكل تذكر. في النهاية، استطاعت الكويت ترحيل الأزمة الخليجية إلى مرحلة ما بعد القمّة، بعدما تبيّن أن المعنيين بالأزمة على طرفي نقيض، خصوصا بالنسبة إلى كلّ ما له علاقة بالإخوان المسلمين. يكفي أنّ المملكة العربية السعودية تعتبر تنظيم هؤلاء “إرهابيا” كي يتكشف مدى عمق الأزمة داخل مجلس التعاون.

كان مجرّد انعقاد القمّة في موعدها إنجازا بحدّ ذاته، خصوصا أن هناك دولا عربية تحتضر. من بين هذه الدول ليبيا، على سبيل المثال وليس الحصر، التي لم يعد معروفا ما إذا كانت ستبقى دولة موحّدة، أو حتى هل من مجال لقيام دولة تحترم نفسها في هذه المنطقة أو تلك منها.

كانت الكويت المكان المؤهل لاستضافة القمّة في هذه الظروف الحرجة التي يبحث فيها العرب عن استعادة التوازن الإقليمي وفي وقت صار “الربيع العربي” خريفا، بعد أن حاول الإخوان المسلمون خطف الثورات الشعبية. قد لا تكون هذه الثورات ثورات حقيقية بمقدار ما أنها تعبير عن إفلاس تام لبعض الأنظمة العربية.

كشفت القمّة أنّ هناك دورا كويتيا مهماّ ومحوريا في هذه الأيّام. لا يمكن إلا الاعتراف بوجود شخص استثنائي هو الشيخ صباح الحمد أمير دولة الكويت الذي يمتلك تجربة فريدة من نوعها منذ كان وزيرا للخارجية في ستينات القرن الماضي. هناك نضج للدور الكويتي وإدراك لأهمية تجاوز الخلافات العربية، وإعادة من فقد رشده إلى جادة الصواب عن طريق الخطوات الهادئة بعيدا عن أي تشنّج.

هناك إدراك كويتي لأهمّية تجاوز المغامرات العسكرية والسياسية والخزعبلات الإخوانية. الدليل على ذلك، أن الكويت لم تتردد في دعم “ثورة الثلاثين من يونيو” في مصر على غرار ما فعلت السعودية ودولة الإمارات.

الأهمّ من ذلك كلّه أن الكويت متصالحة مع نفسها. مرّت بفترة حاول فيها البعض زعزعة الاستقرار فتجاوزتها وحافظت على نظامها الديمقراطي، هذه الفترة كانت وراءها مزايدات ترفض أن تأخذ في الاعتبار أنّ هناك واقعا كويتيا قائما، بل راسخا.

يتمثّل هذا الواقع في دستور يطبقّه الأمير بدقّة من جهة، وفي وجود أسرة حكم متفق على أنها مظلة تجمع مكونات المجتمع الكويتي بتركيبته المعقّدة من جهة أخرى. لولا الأسرة، يصعب الحديث عن القيام بالإصلاحات المطلوبة في ظلّ المكونات المعروفة للمجتمع، أي الحضر، والبدو الذين ينتمون إلى عشائر مختلفة، والشيعة.

لا تجمع بين مكونات المجتمع الكويتي غير الأسرة الحاكمة التي ارتبطت بتاريخ الكويت وتطوره وكانت الضمانة لاستعادة الدولة من براثن الاحتلال. كان الالتفاف حول الأسرة وحول الكويت أوّلا السلاح الذي مكّن الكويتيين من الانتهاء بسرعة من الاحتلال إثر غزو صيف 1990. ولذلك، سيظلّ الكويتيون يدافعون عن نظامهم ولا يمكن، لأكثريتهم الساحقة إلا رفض “الحكومة الشعبية” التي تمثّل الخطر الأكبر على الكويت.

هذا لا يمنع من الاعتراف بأن الكويت تواجه تحديات على الصعيد الداخلي. فللمرّة الأولى منذ سنوات عدّة سادتها فوضى الممارسات غير المسؤولة التي أدت إلى انتخابات نيابية بعد أخرى، هناك فرصة لتحقيق الاستقرار والانصراف إلى إتمام المشاريع التي يحتاجها البلد.

قبل كلّ شيء، ثبتت المحكمة الدستورية مجلس الأمّة (مجلس النوّاب) الذي سيكمل ولايته. وهذا المجلس خارج سيطرة التطرف والمتطرفين، في طليعتهم الإخوان المسلمون. على رأس المجلس شاب جريء هو مرزوق الغانم منفتح على كلّ ما يمكن أن يصبّ في خدمة البلد وتطويره من دون أي عقد من أي نوع كان.

هناك بداية إدراك في الكويت لأهمّية عامل الوقت. هناك إدراك لأهمية معالجة ثلاثة ملفات في السنتين المقبلتين وذلك من أجل وضع الأسس للتنمية في السنوات العشرين المقبلة. قبلت الكويت التحدي الخارجي. ولكن ماذا عن التحديات الداخلية؟ هل يفتح ملف الإسكان الذي في أساسه تأخير توزيع القسائم على المستفيدين منها؟ هناك وعد بإنشاء مئة ألف وحدة سكنية يحتاج إليها المواطنون الكويتيون. إذا لم يتحقق ذلك في غضون سبع سنوات، ستواجه الكويت مشكلة كبيرة على الصعيد الداخلي، أي مع الكويتيين أنفسهم.

هناك أيضا ملفّ الصحة. هناك مشكلة نوعية الخدمة وعدد الأسرّة التي يحتاج إليها البلد الذي يستنزف فيه قطاع الصحّة مئات ملايين الدولارات من الموازنة. ما لا يغيب عن بال أي كويتي أنه لم يبن أي مستشفى حكومي منذ 1980.

ثمة ملف آخر في غاية الأهمية هو التعليم. ماذا عن مستوى التعليم بعد تدني مستوى البرامج والأساتذة بسبب تأثير التيّارات الإسلامية المتطرفة التي شنّت غزوات فكرية على البلد من خلال نشر الأفكار المتشددة في المدارس على يد معلّمين ينتمون إلى تيّار معروف معظمهم جاء من مصر؟ هل من تنمية من دون تعليم جيّد يرقى إلى المستويات العالمية المتعارف عليها؟

في غياب الاهتمام الجدّي في التعليم والبرامج التربوية، لا نمو في المستقبل، كذلك، ستظل إدارات الدولة تعاني من تضخّم في عدد الموظفين الذين لا يمتلكون مؤهلات تذكر.

نعم، تواجه الكويت تحديات داخلية. لماذا لا تنجح في مواجهتها على غرار نجاحها في مواجهة التحدي الخارجي الذي مكّنها من استضافة عدد قياسي من القمم العربية وغير العربية في وقت قياسي.

هناك بكل بساطة نضج كويتي على صعيد السياسة الخارجية يفترض أن ينسحب على الداخل بعدما أمّن أمير الدولة الاستقرار السياسي المطلوب من أجل الانطلاق إلى الاستثمار في المستقبل، أي في الشباب الكويتي الذي يهتّم به وزير هو الشيخ سلمان الحمود. يعرف وزير الشباب، الذي هو أيضا وزير الإعلام والرياضة والثقافة، تماما أن المستقبل مرتبط بكيفية الاستفادة من الطاقات التي يمتلكها الإنسان في هذا البلد.. الذي عرف دائما كيف يحمي نفسه في مراحل معيّنة وفي ظروف إقليمية في غاية الدقة والتعقيد. من يتذكّر كيف حمت الكويت نفسها خلال الحرب العراقية- الإيرانية بين عامي 1980 و1988 عن طريق الاستعانة بالعلمين الأميركي والسوفياتي (وقتذاك) لحماية الناقلات التي كانت تحمل نفطها في الخليج؟

إعلامي لبناني

8