الكيماوي السوري ينهي "الخمول" الأميركي

السبت 2013/09/21

أنهى استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي على نطاق واسع في الغوطة الشرقية، «خمول» الديبلوماسية الأميركية. فالأخيرة، تعاطت وعلى مدار عامين ونصف مع الثورة السورية بما يشبه «البلادة» السياسية، فكيف دبّت في أوصالها كل تلك الحيوية وعلى هذا النحو المفاجئ؟

ما من شك، في أن الإنهاك الأميركي، الناتج عن حروب أفغانستان والعراق، فضلاً عن الأزمة المالية العالمية في العام 2008، قد تركا أثرا كبيراً على سياسة الحذر الشديد التي اتبعتها الدبلوماسية الأميركية تجاه الملف السوري. كما كان له دورُ أكبر في السياسة الروسية «المغامرة»، التي أصيبت بغرور لافت، وراهنت على بقاء النظام وصموده في وجه ثورة شعبية عاتية اجتاحت مختلف المناطق السورية. وقد نجحت في رهانها، وفي قراءة التوازنات الدولية، منذ اندلاع الثورة وحتى استخدام الكيماوي من قبل النظام السوري.

الموقف الروسي شديد الوضوح، ولا يحتاج إلى كثير من عناء لقراءته، إذ أن روسيا التي فقدت سوريا كحليف وثيق للاتحاد السوفياتي سابقا، بعد استلام الرئيس بشار الأسد للسلطة، عادت لتحكم سيطرتها على الواجهة البحرية الوحيدة المتبقية لها على البحر الأبيض المتوسط. وذلك لسبب وحيد هو دعمها غير المحدود للنظام بالأسلحة والأموال وفي مجلس الأمن الدولي. الأمر الذي دفع النظام إلى تعظيم مكاسبها سداداً لخدماتها الكبرى في إنقاذه من السقوط المحتم.

هكذا تنامت الحركة التجارية بين سوريا وروسيا لصالح الأخيرة، وازدادت الاستثمارات الروسية في العامين الماضيين في سوريا، في حين كانت شبه معدومة في مطلع الألفية. الأهم ربما، هو توسيع النفوذ والتواجد العسكري على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

أما الولايات المتحدة الأميركية، وعلى خلاف القراءة الساذجة، المعتمدة لدى مثقفي الممانعة والتي تدعي بأنها هزمت وسلمت أمرها إلى روسيا بخصوص معالجة المسألة السورية. فقد ثبت أنها كانت تتابع المشهد السوري بحذر وبدهاء، وتراهن على عامل الوقت للانقضاض من جديد على الملف السوري، أو على الجزء الأهم فيه بالنسبة لها، بعد أن يعمل اندفاع النظام المذهل نحو التدمير والإجرام لصالحها. أي أنها تعمدت ممارسة اللامبالاة السياسية التي كانت بادية عليها، وتذرعت دوماً بالموقف الروسي في مجلس الأمن الذي كان «يصادر المجلس» كما ادعت الخارجية الأميركية غير مرة. ولا يعدو ادعاؤها ذاك، برغم صحته، كونه ذريعة لعدم التدخل وكلام حق يراد به باطل.

هكذا، تركت واشنطن الثورة لمصيرها ولمآسيها، وهي التي دائماً ما تملكتها رغبة جامحة في إضعاف سوريا كدولة، وتدمير مقدراتها وتفكيك وحدتها، على غرار ما فعلت في العراق. وجاء النظام السوري وباندفاع لا بد أنه أثار إعجابها، ليقوم بهذه المهمة على أكمل وجه.

حينها، كان من الحماقة حدوث تدخل عسكري أو سياسي قبل أن ينهي النظام مهمته في تدمير وتفكيك البلاد. أرادت أميركا رحيل النظام السوري، لا يمكن المجادلة في ذلك، لكنها أرادته على مسار بطيء لا يمكن الوصول إلى نهايته إلا و سوريا عبارة عن دولة من الدخان والرماد. أرادت رحيله، ولم ترد إسقاطه، فمنع تعرض النظام السوري (بأسلحته الكيميائية، وحدوده الآمنة مع إسرائيل) للسقوط الحر والانهيار المفاجئ، كان هدفاً عميقاً وشديد الوضوح في سياسات الغرب، وأميركا على بوجه خاص.

وقد يكون هذا الهدف، بالإضافة لأهداف أخرى، هو ما أعاق تنفيذ الضربة الأميركية ضد النظام السوري، فالجميع يعلم تماماً أن نظام الأسد بات من الضعف بحيث يمكن لأي ضربة أن تسقطه.

انتظرت أميركا إذن لعامين ونصف العام، ثم جاءتها الفرصة المواتية، بعد تجاوز النظام السوري للخط الكيماوي الأحمر. حينها، انقلب التردد الأميركي واللامبالاة إلى اندفاع واثق، وإلى هجوم محكم. وفي حين كانت اجتماعات لافروف وكيري، وقبلها لافروف وكلينتون، تتواصل على مدار أشهر، ولا تخرج إلا بتعزيز الخلافات بين البلدين حول سوريا، كان ليومين متواصلين من الاجتماعات أثر السحر على خلافات البلدين «العميقة». في غضون يومين فقط انتهت ما كانت تبدو أنها قضية قائمة بذاتها: نزع سلاح سوريا الكيماوي، ونهاية التوازن مع العدو الإسرائيلي.

اختارت واشنطن اللحظة المناسبة، لتتقدم الصفوف بعد أن اختبأت لأكثر من عامين في الصفوف الخلفية، وبدت كقوة عظمى من جديد، عادت لتفرض مصالحها ومصالح حليفتها اسرائيل على طاولة المفاوضات. فيما تقزّم حجم الروس، وبدا عجزهم عن مواجهة المسائل الحاسمة التي تشكل مصلحة عليا لأميركا وإسرائيل، فعلى هذا المستوى، وبخلاف مستوى الأزمة السورية، يبدو أن سياسة التنازلات الروسية هي سيدة الموقف.


كاتب فلسطيني

8