الكِتاب بطلا سينمائيا

السينما باعتبارها مركز الصورة، تقدم نماذج يكون فيها الكِتاب بطلا بشكل يمنح الحياة لعلاقة مستهلك الصورة بالكتاب وبالكتابة.
السبت 2018/05/12
تكريس ثيمة حياة الكُتاب شكلت موضة خلال الثلاثينات

في اللحظة التي نستمر، دون توقف ومع الكثير من التردد والحيرة، في البحث عن العلاقة المفترضَة بين الأدب والسينما، يبدو أن الفيلموغرافيا الغربية قد حسمت الموضوع منذ البدايات الأولى للسينما.

وفي الوقت الذي تنسى السينما العربية أن هناك نصوصا روائية تستحق أن يتم تحويلها إلى أفلام، مكتفية بما تيسر من سيناريوهات يدنو أغلبها إلى الدرجة الصفر في الكتابة، يحضر الكِتاب كبطل في العديد من الأفلام الغربية. النماذج كثيرة. ولعل من أهمها فيلمان.

الأول هو “اسم الوردة”، الذي يستند إلى رواية أمبرتو إيكو الشهيرة والتي تحمل نفس الاسم. يجعل الفيلم، كما الرواية، من الكِتاب المسموم بطلا رئيسا للأحداث التي تجري داخل أحد أديرة إيطاليا، حيث تتوالى حوادث قتل كان ضحاياها عدد من الرهبان. أمبرتو إيكو كان ذكيا كعادته في نسج حكايته مقسما إياها إلى سبعة فصول، وهو الرقم الذي يرتبط أيضا بعدد أيام التحقيق وبعدد الموتى من الرهبان.

أما اختياره للكِتاب كبطل للأحداث وللمكتبة كإضفاء للحكاية فهو ليس بعيدا عن تمثله للمكتبة كمتاهة، متقاسما ذلك مع تصور خورخي لويس بورخيس.

أما الفيلم الثاني فهو “سارقة النار”، الذي يستند إلى رواية الكاتب الأسترالي ماركوس زوساك، حيث يصير الكِتاب في قلب الأحداث، وحيث تتحول سرقة الكتب، من طرف فتاة صغيرة، إلى شكل من أشكال الانتصار للحياة، ضدا على كل أشكال الدمار والخوف والمآسي التي كان وراءها النظام النازي.

لا أذكر شخصيا، وربما من باب الانطباع، حالات مشابهة على مستوى الفيلموغرافيا العربية. أما الأفلام العربية التي تُكرَّس لحياة الكُتاب فتبقى نادرة، ولا تعكس أبدا تراكم الأسماء الكبرى التي تنسج مشهد الكتابة بالعالم العربي.

في الضفة الأخرى، استطاعت السينما الغربية أن تراكم حضورا خاصا ومدهشا لشخصية الكاتب منذ بداياتها.

ولعل ذلك يمتد إلى حقبة السينما الصامتة. وسيمتد نفس الحضور، بشكل أقوى، إلى المراحل اللاحقة، حيث تحفل الذاكرة السينمائية بأفلام شهيرة، كما هو الأمر بالنسبة لأفلام “الغراب الأسود” المكرس لحياة إدغار آلان بو، و”حياة إيميل زولا”،  و”فولتير”. بل إن تكريس ثيمة حياة الكُتاب شكلت موضة خلال الثلاثينات على مستوى أفلام هوليوود.

وكانت تلك الوصفة الأفضل لتجاوز الأزمة المالية التي وصلت حينها إلى مجال السينما. كما أن الأدبيات السينمائية تذهب إلى حد اعتبار أن أي ممثل لم يكن يتم اعتباره فنانا حقيقيا إذا لم يمر عبر الأفلام المخصصة لحياة الكتاب، وذلك بحكم ما يقتضيه الأمر من قدرة على نقل حالات مزاج الكاتب المتقلبة، حيث يتساكن القلق والفرح، والأنا المتضخمة أحيانا والتردد واليقين والعزلة والرغبة في الانتماء إلى الجماعة.

وخلافا للانطباع الذي لا يكف الكثيرون عن ترديده من كون الكتاب في حالة حرب خاسرة مع “الصورة”، تقدم السينما باعتبارها مركز الصورة، نماذج يكون فيها الكِتاب بطلا بشكل يمنح الحياة لعلاقة مستهلك الصورة بالكتاب وبالكتابة.

15