اللائحة الحقوقية تفجر سجالا بين الجزائر والبرلمان الأوروبي

التقاطع في رفض التدخل الخارجي لم يحجب تضارب مواقف القوى الداخلية.
الاثنين 2020/11/30
السجل الحقوقي في الجزائر تحت المجهر مجددا

الجزائر - فجرت اللائحة الحقوقية الصادرة عن البرلمان الأوروبي بشأن وضع حقوق الإنسان في الجزائر سجالا سياسيا فيها تجسد في ردود فعل رسمية وسياسية قوية أجمعت على رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية تحت مسمى حقوق الإنسان والحريات الدينية والإعلامية، لكنها تضاربت في الخلفيات والأسباب والدعم السياسي لدول الاتحاد للسلطة الجديدة في البلاد على حساب مطالب التغيير السياسي والانتقال الديمقراطي.

وأدانت وزارة الخارجيّة الجزائرية بشدة لائحة البرلمان الأوروبي حول وضع حقوق الإنسان، لافتة في بيان صادر عنها إلى أن “البرلمان الأوروبي لنفسه الحق في أن يُصدر، وفقا لإجراء يسمّى بـ’المستعجل’ أقل ما يُقال عنه أنه مشكوك فيه، لائحة جديدة بشأن الوضع في الجزائر يتلخص محتواها المتحامل في جملة من الإساءات والإهانات في حق الشعب الجزائري ومؤسساته والدولة الجزائرية”.

وأضافت “تدين الجزائر بشدة هذه اللائحة التي لن يترتب عنها سوى المساس بعلاقات الجزائر مع شركائها الأوروبيين، وتكذب الجزائر، مع أقصى قدر من الازدراء، جملة الاتهامات الباطلة المتداولة في ردهات البرلمان الأوروبي والتي تمت ترجمتها في نص هذه اللائحة الأخيرة، كما تستنكر اللهجة الحاقدة والتي تشوبها روح الاستعلاء لهذا النص الذي أبانَ عن العداء الدفين الممتد للحقبة الاستعمارية الذي تكنّه بعض الأوساط الأوروبية للشعب الجزائري وخياراته السيادية”.

ولفتت وزارة الخارجية إلى أن الجزائر لا يمكنها “قبول تدخلات أيّ مؤسسة أوروبية، حتى ولو كانت منتخبة، في شؤونها الداخلية بهذه الصورة الفظة والمرفوضة، وأن الانتقال السياسي الحالي يجب أن يضمن حق جميع الجزائريّين، أيا يكُن جنسهم وأصلهم الجغرافي أو العرقي ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي”.

وإذ تم الإجماع على رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للبلاد، فإن ردود الفعل جاءت منقسمة بين قوى الموالاة التي شنت انتقادات لاذعة للبرلمان الأوروبي، ونظمت الأحد وقفة احتجاجية أمام مبنى ممثلية البرلمان الأوروبي في العاصمة، وبين قوى سياسية معارضة وناشطين سياسيين ومدونين، الذين استنكروا ما وصفوه بـ”المواقف المعلبة”، في إشارة إلى سكوت تلك القوى وحتى المؤسسات الرسمية للدولة عن التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول الوضع السياسي بشكل عام وتدخل صريح في الشأن الداخلي.

وزارة الخارجية الجزائرية أدانت بشدة لائحة البرلمان الأوروبي حول وضع حقوق الإنسان في البلاد

وكان رئيس حزب جيل جديد، سفيان جيلالي، أول المنتقدين للائحة المذكورة، حيث اعتبرها “إهانة لكرامة الجزائريين ومحاولة لاعتبار الجزائر كمحمية”، ودعا “جميع الوطنيين إلى الدفاع عن سيادة البلد، وتجنب الفوضى في مسار المطالبة بالتغيير”.

أما حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، فقد ذكر في بيان له بأن اللائحة “تتضمن مفردات غير  دبلوماسية وغير أخلاقية في التعامل مع دولة ذات سيادة، والتعدي على كرامة شعب مصمم على البقاء حرا، عبر إعادة إحياء ذات الأسطوانة المهترئة، بادعاء القلق كذبا وزورا على وضعية حقوق الإنسان في الجزائر وحرية الصحافة ومصير الأقليات الدينية”.

وأضاف “لائحة البرلمان الأوروبي تعتبر تدخلا سافرا وعملا يفتقد لأدنى مقومات الدبلوماسية وحسن الجوار واحترام سيادة الدول، وهذه التحرشات لن تنجح أبدا في زعزعة الانسجام الاجتماعي في الجزائر، ولا في المساس بثقة الجزائريين في مؤسسات دولتهم، ومسار التجديد والإصلاح الذي يقوده رئيس الجمهورية، وتوج بتعديل الدستور في الأول من نوفمبر 2020”.

في حين وصفها حزب التجمع الوطني الديمقراطي بـ”المزاعم الواهية والادعاءات الباطلة” الصادرة في لائحة البرلمان الأوروبي المتعلق بوضعية حقوق الإنسان في الجزائر، وأن “صدورها في هذا التوقيت ينم عن نوايا توظيفها في موازين مستجدة، خاصة بعد تأكيد الرئيس تبون عن تمسك الجزائر بمواقفها الثابتة تجاه قضايا إقليمية معروفة”.

وتابع “البرلمان الأوروبي وكل الأبواق التي تسير في فلكه وتتقاسم أحقاده ضد الجزائر، عليها أن تعلم أنها ماضية في مسار التجديد والتغيير، وأنها تتخذ القرارات التي تراها مناسبة لمصالح شعبها بكل سيادة واستقلالية”.

ولفت إلى أن “هذا النوع من التدخلات من شأنه أن يسيء للعلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، باعتباره صفة من صفات التعدي ومحاولات ضرب الاستقرار الذي تنعم به بلادنا مقارنة بعدد من الدول الأوروبية ذاتها”.

ولم تتأخر قوى إسلامية عن ركوب موجة السجال القائم بين الجزائر والبرلمان الأوروبي، حيث أعربت حركة الإصلاح الإخوانية عن “استهجانها ورفضها الشديدين” لما وصفته بـ”تدخلات سافرة للبرلمان الأوروبي في الشؤون الداخلية للجزائر”.

واتهمت لائحة البرلمان الأوروبي بـ”خدمة أجندة  جيو – سياسية تقليدية معادية للجزائر”، مبدية رفضها لـ”الديمقراطية المُعلّبة المغشوشة والتطفيف في ميزان حقوق الإنسان”.

شعب مصمم على البقاء حرا
شعب مصمم على البقاء حرا

وفي المقابل شدد حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض على “رفض أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للبلاد”، ووجه تهما ضمنية للاتحاد الأوروبي “بدعم المسارات العرجاء للأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عام، ووقوفه خلف السلطة الجديدة على حساب مطالب وتطلعات الشارع الجزائري”.

أما رئيس الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي كريم طابو المعارض، كان قد وجه رسالة قوية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ضمنها انتقادات شديدة لمحتوى التصريح الذي عبر من خلاله عن “دعمه للرئيس عبدالمجيد تبون في قيادة المرحلة الانتقالية في الجزائر”.

وذكر طابو أن “تصريح الرئيس الفرنسي يكرس نظرة استعمارية قديمة، تعمل على تحقيق المصالح الفرنسية، وتجاهل تطلعات الجزائريين للتغير السياسي والانتقال الديمقراطي في البلاد، وأن دعم تبون هو دعم للسلطة على حساب مطالب الشارع”.

4