اللاجئون السوريون في عهدة أردوغان.. مصير غامض

سياسة الباب المفتوح كانت ملائمة تماما لسياسة الابتزاز التي اعتمدتها حكومة أردوغان حيال الدول الأوروبية والتي شرّعت الأبواب على حد سواء، للسوريين الفارّين من سوريا وللمغادرين بحرا من الشواطئ التركية باتجاه أوروبا ما أدى إلى ضغوط هائلة على الدول الأوروبية.
السبت 2019/07/27
تركيا تستعمل "كارت" اللاجئين السوريين لتساوم أوروبا و أميركا

فجّرت عمليات ترحيل اللاجئين السوريين من تركيا ردود فعل واسعة النطاق، كما أثارت الرعب في أوساطهم، بمن فيهم الذين يحملون بطاقات الحماية المؤقتة الصادرة عن السلطات التركية (الكملك). ولا تزال تداعيات ذلك قائمة رغم التوضيحات التي أصدرتها ولاية إسطنبول الاثنين 22 يوليو بشأن هذه العملية.

في إجراء تعسّفي غير مسبوق شنّت السلطات الأمنية التركية خلال الأسبوع الماضي حملة واسعة شملت آلافا من اللاجئين السوريين خصوصا في مدينة إسطنبول، ولاحقتهم في الشوارع وفي أماكن إقامتهم وفي مواقع عملهم وألقت القبض على كثيرين منهم، خصوصا من لم يحمل بطاقة الحماية المؤقتة أو الإقامة المؤقتة حتى لو كان قد تحصل عليها، أو ممن يحملونها ولكنهم خارج الولاية التي سُجّلوا فيها، وأجبرت الكثيرين منهم على توقيع وثيقة “العودة الطوعية” إلى سوريا ورحّلتهم في باصات خاصة وألقت بهم على الحدود.

جاء ذلك في وقت كانت مناطق المعارضة في إدلب ومحيطها، المشمولة بخفض التصعيد بضمانة روسية تركية، تشهد أشدّ حملات القصف التي شنّتها الطائرات الحربية السورية والروسية، مستهدفة المدنيين في الأسواق والمدارس والمساجد والتجمّعات السكنية والمستشفيات والنقاط الطبية. وشهدت مدن محافظة إدلب ومحيطها مجازر متنقلة من معرشوكين إلى سراقب إلى كفرنبل إلى معرة النعمان إلى أريحا راح ضحيتها المئات بين قتيل ومصاب. وكأن السلطات التركية في خطوتها تلك ترمي بهؤلاء اللاجئين إلى قلب المقتلة.

في حين ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بصور وشرائط مصورة للاجئين سوريين تم القبض عليهم أو وضعوا في باصات الترحيل، نرى بعض السوريين خصوصا إخوان أردوغان يدافعون عن هذا السلوك التعسّفي المشين ويصوغون له التبريرات السياسية المختلفة. وأكثر من ذلك مدعاة للاستهجان ما عاينته شخصيا على فضائية الجزيرة (الجزيرة مباشر) في 23 يوليو الجاري.

في هذا اليوم أجرت الإعلامية نجوى قاسم عبر محطة العربية/ الحدث مقابلة مباشرة مع الدكتورة رانيا قيصر، الناشطة الاجتماعية، من المكان الذي شهد توّا مجزرة مريعة في سوق شعبية في معرة النعمان، حيث طال قصف المقاتلات الروسية معهدا تعليميا تديره، كان خاليا لحظة الغارة، التي راح ضحيتها أكثر من أربعين مدنيا وأكثر من مئة مصاب. تحدثت فيها رانيا قيصر عن الفاجعة التي أحدثتها الغارة وناشدت بعتب واضح العرب دولا وشعوبا للعمل على وقف المذبحة قائلة بصوت متهدج: ماذا علينا أن نفعل؟ إلى أين يمكن أن نذهب؟ تركيا تعيد اللاجئين فماذا نفعل؟

في هذا الوقت قسّمت “الجزيرة مباشر” شاشتها نصفين: النصف الأول يتابع آثار القصف على معرة النعمان (المكان نفسه حيث تحدثت منه الدكتورة قيصر، والنصف الثاني ينقل من معبر باب الهوى صورا “للعائدين طوعا” من تركيا، مدعية أنهم يعودون إلى سوريا لقضاء عطلة العيد مع ذويهم!

هذا الموقف الذي لا يمكن وصفه إلا بالمنافق يسقط عن فضائية كالجزيرة صفة المحطة الإعلامية، ويحوّلها إلى مجرد بوق للسلطان.

يمكنني القول بكل أريحية إن الشعب التركي والمجتمعات التركية في مختلف مناطقها التي احتضنت الملايين من اللاجئين، سوريين وغير سوريين، على مدى سنوات طويلة هو شعب كريم مضياف ويستحق كل الشكر والتقدير. وكنت لمست شخصيا في أكثر من زيارة لي إلى تركيا مقدار التعاطف الذي يبديه الشعب التركي مع الشعب السوري، ومع قضيته ومدى استعداده لمساعدة اللاجئين السوريين في دياره.

وينبغي في جميع الأحوال، التمييز بين المجتمعات المضيفة وطريقة تعاطيها مع قضية اللجوء الإنساني وبين القوى المسيطرة والأحزاب الحاكمة وأجهزة حكمها، وبالتالي طريقة تعاطيها مع هذه القضية والتي تبقى محكومة لسياسات تلك الجهات ومصالحها سواء في الداخل، وبالتالي مصالحها في استمرار حكمها أو مع الخارج وما تمليه عليها سياساتها الخارجية وعلاقاتها وارتباطاتها الدولية، التي ترى فيها تعزيزا لموقعها الإقليمي والدولي وتمتينا لسيطرتها الداخلية.

أردوغان يستمر في المتاجرة بقضية اللجوء والمقايضة بها
أردوغان يستمر في المتاجرة بقضية اللجوء والمقايضة بها

من هنا يمكننا أن نتوقّع، ومن ثم أن نلمس، تغيّرا يصل إلى حد الفجاجة في قرارات وفي سلوك الحكومة والسلطات الأمنية التركية مع اللاجئين السوريين كلما تغيّرت المعطيات السياسية داخليا وخارجيا، ما يجعل مصير اللاجئين السوريين وربما سواهم من اللاجئين في تركيا معلّقا ومحفوفا بالمخاطر ما لم تلتزم الحكومة التركية بالقوانين الدولية الخاصة باللجوء، وبالتالي اعتبار السوريين الفارّين من جحيم الحرب الدموية لاجئين بالمعنى الذي ينص عليه القانون الدولي ومعاملتهم على هذا الأساس.

يمكن للمجتمعات أن تتعاطى مع اللاجئين من منطلقات إنسانية وأخلاقية ودينية، ولكن على السلطات أن تحتكم إلى القوانين بعيدا عن العواطف والشعبوية التي يمكن التلاعب بها والشعارات التي تنقلب من حد إلى حد بحسب أهواء أصحاب المصالح خصوصا من هم في أعلى هرم السلطة. خصوصا أن اللاجئين السوريين في تركيا ينطبق عليهم التعريف الواضح في قانون اللجوء الحديث وفي معاهدة جنيف 1951.

وكانت الحكومة التركية قد اعتمدت منذ 2014 سياسة الباب المفتوح ونظام الحماية المؤقتة للفارين من نيران الحرب في سوريا. غير أن هذا النظام لم يستوعب الأعداد الضخمة من اللاجئين بسبب التعقيدات البيروقراطية. فتوزع اللاجئون السوريون في تركيا على ثلاث مجموعات: من يتمتعون بنظام الحماية المؤقتة، ومن يحملون إقامات مؤقتة، ومن لا يتمتعون بأي كل من أشكال الحماية سوى الاحتضان الشعبي ويمثلون قسما كبيرا منهم. غير أن سياسة الباب المفتوح كانت ملائمة تماما لسياسة الابتزاز التي اعتمدتها حكومة أردوغان حيال الدول الأوروبية والتي شرّعت الأبواب على حد سواء، للسوريين الفارين من سوريا وللمغادرين بحرا من الشواطئ التركية باتجاه أوروبا ما أدى إلى ضغوط هائلة على الدول الأوروبية التي اضطرت لاستقبال مئات الآلاف منهم عبر تركيا واليونان ودول البلقان.

هذا الابتزاز اضطر الأوروبيين إلى تقديم مليارات اليوروهات إلى السلطات التركية على دفعات من أجل وقف طوفان اللاجئين من شواطئها، وكدعم مالي للسلطات التركية من أجل رعاية أوضاع اللاجئين على أراضيها، كان آخرها ثلاثة مليارات يورو أقرّتها المفوضية الأوروبية لتركيا في آذار من العام الماضي (2018).

فمن هي الجهة أو الجهات التي تسعى حكومة أردوغان اليوم إلى ابتزازها من خلال التضييق على اللاجئين السوريين؟ لا شك أن لنتائج الانتخابات البلدية الأخيرة والتي فاز به حزب الشعب الجمهوري المعارض في المدن الكبرى، خصوصا إسطنبول التي أعيدت فيها الانتخابات فأكدت هزيمة أردوغان، تأثيرا على سياسة الحكومة التركية حيال اللاجئين، على اعتبار أن حزب الشعب الجمهوري المعارض ينادي بإعادتهم إلى بلادهم. فهل اعتبر أردوغان أن هذا ما مكّن خصمه من الفوز؟ ربما يكون هناك تأثير ما على نتائج الانتخابات، لكن على الحكومة التركية وعلى أردوغان نفسه ألا يتجاهلا العوامل الأكثر تأثيرا على الرأي العام التركي خصوصا في المدن الكبرى حيث تأثير الأزمة الاقتصادية التي تعبر عن فشل سياسات أردوغان يتبدى بصورة أوضح.

يبدو أنه كما في لبنان، فإن حكومة أردوغان ترمي إلى تعليق فشلها على شماعة اللاجئين. ولكن ماذا عن علاقات أردوغان الخارجية وتبدل تحالفاته وتقلبه بين الولايات المتحدة وروسيا؟ وماذا عن المنطقة الآمنة على طول الحدود السورية التركية في شرقي الفرات؟ هل يريد أردوغان تحضير اللاجئين السوريين للعودة إلى حزام بعرض 20 ميلا ضمن الأراضي السورية يسميه المنطقة الآمنة، كما أعاد سابقا 150000 منهم إلى منطقة درع الفرات التي يسيطر عليها شمالي حلب؟

الوقائع كلها تشير إلى استمرار أردوغان في المتاجرة بقضية اللجوء والمقايضة بها. والمؤسف أن بعض السوريين من إسلاميي أردوغان لا يزالون يسوقون له المبررات.

8