اللاجئون السوريون والتغيرات الديمغرافية القادمة

الخميس 2015/11/26

أنتجت الأزمة السورية التي أنهت أربع سنوات ونصف السنة من عمرها أكبر أزمة لجوء ونزوح شهدتها المنطقة على مدى تاريخها القديم والحديث، وتسببت في تغيّرات ديمغرافية وسكانية ليس في سوريا وحدها، وإنما في الشرق الأوسط كله، الأمر الذي بدأ يثير القلق لدى بعض دول المنطقة أكثر من الحرب نفسها.

الكتلة الكبرى من نحو خمسة ملايين لاجئ من السوريين هربت إلى دول الجوار التي تشترك مع سوريا بحدود برّية، فاستضافت تركيا نصف عددهم، تلاها لبنان بنحو الربع ثم الأردن بنحو 15 بالمئة منهم.

لم تكن الكتل البشرية الهاربة من جحيم الحرب بهذه الضخامة خلال السنتين الأوليتين، فبدأت دول الجوار تبني سياساتها على المدى القصير، فلم تتوقع أن تدوم الأزمة السورية كل هذه السنوات وربما أكثر منها بكثير، ولم يخطر ببالها أن تبني سياسات طويلة المدى لمعالجة مشكلة تدفق اللجوء.

تدفق الملايين من السوريين إلى هذه الدول، وترافق ذلك مع غياب بوادر أي حل ناجع للأزمة، وعدم رغبة المجتمع الدولي في معالجة جذور أزمة اللجوء، وفي نفس الوقت عدم تقديمه لأي حلول استيعابية لها، ووقوف روسيا وإيران بكل ثقلهما مع النظام السوري مهما كانت الأثمان التي سيدفعها السوريون، دفع الكثير من اللاجئين السوريين ليحوّلوا مقرات لجوئهم المؤقتة إلى أماكن إقامة دائمة. أدركت الدول المضيفة أن أغلب اللاجئين السوريين لن يتمكنوا من العودة إلى وطنهم في أي وقت قريب، فبدأت تقلق من استقرار هؤلاء فيها بشكل دائم، ليس خوفا من عدم استقرار اقتصادي أو سياسي قد يسببه هذا العدد الكبير من السكان المفاجئين، بل خوفا من التغييرات الديمغرافية التي ستهدد هذه البلدان.

من سوء حظ السوريين أن دول الجوار بالعموم تتسم بناها الاجتماعية بالتوترات الطائفية والقومية، وتضم مزيجا متناقضا من القوميات والأديان والطوائف والإثنيات المتعايشة وفق سياسة الحد الأدنى، ولا تُشكّل المواطنة الرابط والناظم لعلاقات وحياة المواطنين فيها، وتعيش حالة من التوازن الهش، حالة خوف من الانفجار عند أي تغيّر ديني أو قومي أو حتى اجتماعي بسيط، وتخشى أكثر ما تخشى من تسبب السوريين في مشكلة ديمغرافية داخلية فيها.

بدأت دول الجوار بالعموم تنتهج سياسة “تطفيش” مباشرة وغير مباشرة، أو بالأدق سياسة تعتمد على عدم ترغيب السوريين في البقاء فيها، ودفعهم إما إلى العودة إلى سوريا والاستسلام لمصيرهم وإما إلى الهروب إلى أوروبا، وهذا ينطبق على لبنان والأردن والعراق، وبشكل أقل على تركيا.

تعاملت لبنان مع اللاجئين كتهديد ديمغرافي لا كقضية إنسانية، فالتوترات الكبيرة بين المسلمين والمسيحيين، وبين السنة والشيعة في لبنان، والخوف من انجرار لبنان إلى صراع داخلي بسبب الحضور السوري السنّي الكثيف في المخيمات وتراجع فرص عودتهم إلى سوريا، واستمرار تدخل حزب الله عسكريا في الصراع السوري بدوافع طائفية، وحالة التجاذب بين المكونات السياسية والدينية والمذهبية في لبنان، كلها أسباب دفعت لبنان ليعمل وفق سياسات طاردة للسوريين، فأقامت مخيمات لجوء بائسة في أكثر المناطق فقرا، تفتقد للكثير من الخدمات الأساسية، ولم تمنحهم حقوق اللاجئين وتعاملت معهم كمتهمين دائمين.

كذلك أقام الأردن مخيمات في الصحراء، وتعامل وفق سياسات طاردة للسوريين، فثمة مخاوف أردنية من التأثيرات السلبية لحركة اللاجئين السوريين على الأوضاع الديمغرافية المضطربة في الأردن، فتجربة الأردنيين السابقة مع اللاجئين الفلسطينيين الذين استقروا فيه، والذين باتوا يُشكلون أكثر من نصف سكانه دفعتهم إلى اتباع سياسة غير مرحّبة بالسوريين، وتعاملت معهم كخطر يهدد الاستقرار الاجتماعي.

انتهجت تركيا في البداية سياسة الباب المفتوح مع اللاجئين السوريين، ووفّرت لهم مخيمات أفضل حالا وسمحت لهم بالعمل بشروط، وقدّمت لهم خدمات صحية وتعليمية مجانية، لكن سياساتها بدأت تتغير نحو دفعهم إلى العودة أو الخروج منها نحو أوروبا، فقيام أكراد شمال سوريا بتهجير السوريين العرب وتغيير ديمغرافية شمال سوريا بهدف إقامة (كانتون كردي) أو حكم ذاتي على الحدود مع تركيا أثار غضب وخوف الأتراك على أمنهم القومي، واعتبروا أن تيسير دخول كل من يريد اللجوء سيُسهّل على الأكراد مهمتهم، فضلا عن خوف تركيا من صدام طائفي بين مليوني لاجئ غالبيتهم من السنّة المعارضين للنظام السوري وبين طوائف تركية أخرى.

أزمة اللاجئين في دول الجوار تسبح فوق بحيرة من الاضطرابات والصراعات الممتدة في الإقليم كله، ومخاطر التغييرات الديمغرافية التي تخشاها دول الجوار لا تُقاس بما يتسببه استمرار الحرب السورية، وفي الغالب إن لم يتم التوصل إلى حل جذري لها فإن الشرق الأوسط كلّه سينزلق عمّا قريب إلى حالة أقسى من الفوضى والاقتتال على أسس عرقية ودينية ومذهبية.

إعلامي سوري

9